>

فرصة العرب الأخيرة! - د‏.‏ جلال أمين

فرصة العرب الأخيرة!
د‏.‏ جلال أمين

منذ نحو 43 عاما، وبالضبط فى أكتوبر 1973، لاح فى الأفق وكأن العرب أصبحوا فجأة فى حالة تمكنهم من تحقيق آمالهم الكثيرة، وأن يفرضوا إرادتهم على قوى خارجية طالما استبدت بهم وقهرتهم.

الذى حدث هو أن الرئيس المصرى أنور السادات قرر أن يعبر جيشه قناة السويس ويهاجم القوات الاسرائيلية التى كانت قد احتلت سيناء منذ 1967، ووصلت إلى القناة، وعبر الجيش المصرى القناة بالفعل، وآثار هذا حماسة الدول العربية الأخرى فعمدت بعضها، من الدول الثرية بالبترول، إلى رفع أسعاره ثلاثة أضعاف أو أكثر، مما زاد من ثروتها فجأة، وبدا وكأن العرب يمكن أن يطلبوا مايشاءون من الدول الغربية المستوردة للبترول، بما فى ذلك تحقيق آمالهم المتعلقة بتحرير فلسطين.

عقب رفع أسعار البترول مباشرة، نشر كاتب مصرى مرموق، هو أيضا قانونى كبير (المرحوم الدكتور إبراهيم شحاتة) مقالا بعنوان «فرصة العرب الأخيرة» يعبر فيه عن هذا الأمل، ويقول إن العرب لديهم الآن فرصة ذهبية لأن يستخدموا إيرادات البترول الجديدة والوفيرة فى تحقيق ما ينقصهم من أسباب النهضة، الاقتصادية والاجتماعية، فإذا ضيعوا هذه الفرصة أيضا فإنهم يضيعون فرصتهم الأخيرة فى التقدم، وفى اللحاق بالدول التى سبقتهم.

نحن نعرف الآن بالطبع، بعد مرور كل هذه الفترة، أن شيئا من هذا لم يتحقق.

ولكن العرب ضيعوا فرصا أخرى كثيرة منذ ذلك الوقت لتحقيق النهضة الاقتصادية والسياسية المرجوة، وللسبب نفسه، وهو أنهم لم يحاولوا استرداد إرادتهم واتخاذ قرارات مستقلة تحقق آمالهم ولاتخضع للإملاء من القوى الخارجية.

حدث هذا فى مصر فى بقية عقد السبعينيات، فى ظل حكم أنور السادات الذى فضل أن يفعل ماتطلبه منه الولايات المتحدة، مبررا ذلك بقوله إن 99% من أوراق اللعبة فى يد أمريكا، وفعل حسنى مبارك شيئا مماثلا، وعلى الرغم من تظاهر حكام عرب آخرين، فى العراق مثلا وليبيا وسوريا، بأنهم يمارسون إرادة مستقلة، فإن الأحوال فى هذه الدول، بعد مرور مايقرب من نصف قرن، لم تصبح أفضل مما كانت قبله.

شيء مهم حدث منذ ذلك الوقت، وهو أن العرب توقفوا عن الكلام عن فرصة أخري، أخيرة أو قبل الأخيرة، ويبدو للجميع أنهم قرروا قبول الوضع الراهن، وأن ينصرفوا بدلا من أن يحاولوا تغييره، إلى تنفيذ تعديلات صغيرة هنا وهناك لتجميل الصورة، أو جعلها أقل دمامة، فلا هم حققوا أى مكاسب، ولاحققوا نهضة اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، فكيف نفسر ذلك؟

كنت قد قرأت منذ فترة طويلة مقالا لكاتب مصري، أعود إلى تذكره المرة بعد الأخري، وقال فيه إن هذا الزمن ليس زمن نهضة العرب، فذلك الزمن قد ولي، على حد قوله، منذ فترة طويلة، الأمم جميعا، بما فيها الأمة العربية، تمر بفترات نهضة أو انحدار أو ركود، لأسباب يصعب تحديدها أو اكتشافها، ولكنها تتعلق بظروف داخلية أو خارجية، أو بمزيج منهما. الظروف الخارجية تكمن فى وجود دول أقوى منها لها مصلحة فى تعطيل نهضتها وقادرة على ذلك، والداخلية تتعلق بمختلف الظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة ومن بينها مايؤدى إلى ضعف إرادة الأمة نفسها فى تحقيق النهضة.

إن قوة أو ضعف إرادة النهضة، لدى الأمة ككل، أو لدى الطبقة الاجتماعية المؤثرة فيها، ظاهرة من الصعب تفسيرها، ولكن هذا لاينفى وجود الظاهرة وأهميتها، لقد أتيحت لى مرة فرصة نادرة لزيارة ست دول آسيوية فى رحلة واحدة، قضيت خلالها ثلاثة، أو أربعة أيام فى كل منها، وأتيحت لى خلالها، بحكم عملى لقاء بعض كبار المسئولين عن السياسة الاقتصادية والتخطيط فى هذه البلاد مثل هذه الزيارات، رغم قصر مدة كل منها، تترك فى النفس انطباعات قوية عن شعوب هذه الدول، قد تكون خاطفة وربما سطحية، ولكنها قد لاتبعد بالضرورة عن الحقيقة، من هذه الانطباعات تفاوت هذه الأمم فيما بينها من حيث الفتوة والشيخوخة.

لا أقصد بذلك التركيب العمرى للسكان، بل درجة الحيوية والتفاؤل والطموح وقوة الإرادة، رأيت شعوبا تعطى انطباعا بالفتوة ومن ثم تثير الأمل فى إمكانية النهضة، وأخرى تتسم بالشيخوخة من حيث قلة الطموحات وضعف الإرادة. سألت نفسى حينئذ عما إذا كانت الأمة العربية تنتمى إلى هذا النوع أو ذاك، وخطر لى أن الدول العربية التى كانت قد أتيحت لى فرصة زيارتها تتفاوت فيما بينها فى هذه الصفة.

فبعضها بدا لى أكثر فتوة وحيوية وأشد طموحا من غيرها، ولكنها قد لاتكون هى أكثر الدول العربية تأثيرا فى مسار الأمة العربية ككل، ومن ثم ليست هى الأكثر قدرة على تحقيق النهضة للأمة.

خطرت لى أيضا مختلف التفسيرات الممكنة لتفاوت هذه السمة الحاسمة بين شعب وآخر، أو دولة وأخري، ولكنى شعرت للأسف بأن الدول العربية التى تتسم بفتوة وطموح اكبر، ليست هى أكثر الدول العربية قدرة على تحريك الراكد فى بقية أجزاء الأمة، بسبب صغر حجم سكانها أو بسبب قلة أهميتها السياسية أو الاقتصادية، استبعدت أن يكون للمفكرين الدور الحاسم فى تحقيق هذا الأمل، وبدا لى أنه قد يكون للقادة السياسيين الملهمين أو الموهوبين دور أكبر، وأن الصفات النفسية للطبقة الوسطي، فى أى بلد بعينه، قد تكون هى الأكثر حسما فى توليد الطاقة المرجوة لإحداث النهضة.

إنى لم أفقد الأمل، ففى مثل هذه الأمور تحدث المفاجآت التى لا يتوقعها أحد، فيتحقق ما كان يعتبر من قبل المعجزات ألم تحدث ثورات غير متوقعة فى كثير من البلاد العربية خلال القرن الماضي، أثار كل منها هذا الأمل قبل أن تنتكس لسبب أو آخر، خارجى أو داخلي؟ وعندما بدت بوادر ما سمى «الربيع العربي» فى دولة عربية بعد أخرى فى أواخر 2010 وأوائل 2011، ثار الأمل من جديد، فى أن يكون العرب قد أتيحت لهم فرصة جديدة، ولكن هذا الأمل لا يبدو أنه قد تحقق حتى الآن، بل خبا نوره وضعف، ومع ذلك فلا زالت المفاجآت ممكنة، وكذلك المعجزات.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا