>

عودة «الربيع العربى»! - د. عبد المنعم سعيد

عودة «الربيع العربى»!
د. عبد المنعم سعيد

لم ينته العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين إلا وجرى ما جرى فى بدايته، عندما تحركت كتل بشرية تم عدها بعشرات الألوف أو مئاتها أو كما عرفت بعد ذلك بالمليونيات فيما سمى بالثورة تارة، وبالهبة تارة أخري، وبالمؤامرة أو العملية تارة ثالثة. باختصار أن فيها من العدد كثرة تكفى لكى تتعدى المظاهرة التى يمكن للشرطة أو أجهزة الأمن أن تفضها؛ أما وقد صار ذلك خارج الإمكانية وإلا صار الأمر مذبحة كبرى فإن الجميع من هم داخل التجمع أو من النظارة ينتظر إلى أين سوف تذهب السياسة بالجمع.
فى تونس، حيث كانت البداية، جرى التآلف بين المتظاهرين وحزمة من الجماعات المدنية وحزب النهضة الإخوانى أولا على الإطاحة برئيس الدولة زين العابدين بن علي، وثانيا المرور على مرحلة انتقالية يجرى فيها إعداد دستور والتصديق عليه من قبل الشعب، وبعدها تكون انتخابات للرئيس والمجلس التشريعي. فى مصر، حيث كانت الجولة الثانية، لم يكن التوازن مثلما كان فى تونس، فبعد الافتتاحية الأولى كان توازن القوى بين الجماعات دخل فيه الإخوان لكى تنتهى لمرحلة السلمية من النضال، كما كان دخول القوات المسلحة إلى الميدان إعلانا عن أن الجيش والشعب يد واحدة. بقية القصة معروفة، فقد ذهب الشباب إلى شارع محمد محمود لمهاجمة وزارة الداخلية، وذهب الإخوان للاستيلاء على مجلسى النواب والشورى وتفصيل دستور ومن بعده الرئاسة، فكان فى الأمر ثورة ثانية.

فى البلاد العربية الأخرى، إما أن الحراك السياسى سجل مجموعات من المظاهرات كما حدث فى دول خليجية وانتهت إلى التدخل العسكرى فى البحرين، أو أن سلسلة من الإصلاحات جرت بحيث ترضى المطالبين بالتغيير كما حدث فى الأردن والمغرب، أو انتهى الأمر إلى حرب أهلية كما حدث فى سوريا وليبيا واليمن. النمط العام كان بداية شبابية تطيح برئاسة الدولة، بعدها يظهر الإخوان المسلمون فى الصورة، وتتلوهم جماعات إسلاموية أخري؛ وينتهى الأمر بتراجع الأحوال العامة بعد توقف التنمية، يتوقف الأمر بعد ذلك على دور القوات المسلحة ومدى احترافيتها ووحدتها وحكمتها أيضا. وقبل أن ينتهى العقد كان الثمن وفقا لكل المقاييس المادية والمعنوية فادحا.

كان الربيع العربي، كما كان الاسم الذى أطلقه الغرب على أحداث العقد الثانى فى المنطقة العربية، ممتلئا بالعواصف الرملية الساخنة كرياح الخماسين التى وصلت إلى مداها فى منتصف العقد عندما قامت دولة الخلافة الإسلامية على الحدود العراقية السورية. وعندما بدأ النصف الثانى من العشرية الثانية فى القرن الحالى كانت أرقام الضحايا والمدن المدمرة قد صاحبها انخفاض حاد فى أسعار النفط التى كانت قد وصلت خلال السنوات السابقة الى حدود لم تصل إليها فى التاريخ.

وعندما نجحت مصر فى كسر المد الأصولى بالإطاحة بالإخوان فإن التاريخ كان قد بدأ دورة أخرى عكسية أصبحت فيها الثورة والهبة والمؤامرة مترادفات حركية لكابوس طويل آن فيه أوان اليقظة. وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، وبدلا من صيحة التغيير عاد شعار الاستقرار، وبدلا من حديث الثورة حلت لغة الإصلاح. ودون الدخول فى كثير من التفاصيل فإن الدولة العربية نجحت فى البقاء ففشل الاستفتاء الكردى على الاستقلال عن العراق، وبعد إنكار دام سنوات، عاد العالم إلى قبول بشار الأسد مرة أخرى قائدا فى سوريا، ومهما يكن الفشل كبيرا فى لبنان فإنه مع الصبر يمكن اختيار رئيس، وحتى تشكيل الحكومة، ورغم الانقسام والتدخل الإيرانى فى اليمن فلا تزال الحكومة الشرعية قائمة، وهناك مفاوضات دائمة لإنقاذ ليبيا.

تغيرت الأحوال كثيرا فى الدول العربية ما عدا الجزائر والسودان، الأولى كانت قد دخلت تجربتها الخاصة فى العشرية السوداء خلال التسعينيات من القرن الماضي؛ أما الثانية فقد كانت مشغولة بالتقسيم للدولة إلى دولتين ونتائجه. بشكل ما فإن اختيار رئيس قوى مثل بوتفليقة والبشير يستند إلى القوات المسلحة، وحزب قوى من نوع ما، كافٍ لكى تستمر الحياة، وكان هناك من الآلام ما لا يريد أحد مضاعفته بحراك آخر. ولكن الأسابيع الماضية شهدت عودة مرة أخرى للمشاهد التى جرت فى أول العقد الحالي، وكأنما قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة كان لابد من التذكير بحقائق لا ينبغى تجاهل وجودها، وحتى فإن ما أدت إليه فى السابق من نتائج سلبية، لا يعنى أن محاولات جديدة قد تفرض نفسها فجأة خاصة عندما يبلغ السيل الزبى، وتبلغ القلوب الحناجر. فلم يكن ممكنا فى الجزائر أن يستمر الحال على ما هو عليه، فإذا كان بوتفليقة قد أصبح رئيسا لأنه من بقايا جيل التحرير العظيم بكل ما يعنيه ذلك من فتوة وبطولة، فإن للسن والعمر أحكامه، وللصحة أيضا قوانينها. كل ذلك له معان أخرى فى نظر أجيال من الشباب باتت تشكل الغالبية من السكان، ولديها إمكانيات الاتصال والتواصل والتجمع والحراك. فى السودان ربما لا تكون الصور متطابقة، ولكن البقاء فى الحكم لثلاثة عقود تقريبا يخلق بلدا جديدا لا يمكن التعرف عليه ممن اعتاد حالة الأمة قبل ثلاثين عاما. فالأمم تتجدد شعوبها بقدر ما تتجدد الخلايا فى الجسم الإنسانى، وفى الحالتين فإن المتطلبات الطازجة عندما لا تكون متاحة فإنها تخلق بيئة لربيع ساخن. ولحسن الحظ أن الحكمة سادت فى الجزائر عندما أعلن الرئيس بوتفليقة عن عدم الترشح لفترة تالية، وطلبه من الأخضر ابراهيمى الحكيم والدبلوماسى أن يبدأ عملية التغيير من خلال مؤتمر يضع خريطة للطريق. فى السودان فإن الرئيس البشير هو الآخر يحاول العبور بالسودان إلى بر الأمان؛ ولكن المعضلة هى أن الشباب كما كان الحال فى جولة مطلع العقد يعرف التغيير الذى يريد، ولكنه لا يعرف ماذا سوف يحدث فى اليوم التالي. كان ذلك هو عقدة الربيع العربى قبل عشر سنوات، والأرجح أنه سوف يكون عقدة الربيع العربى فى السنوات العشر المقبلة. لماذا لا يعرف الشباب ما يريد، ولماذا لا تظهر له قيادات؟!، أسئلة لا تزال معلقة منذ زمن بعيد!



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا