>

عن داعش والداعشيين - عبدالحليم قنديل

عن داعش والداعشيين

عبدالحليم قنديل


■ ليست القصة في خلافة إبراهيم عواض، أو «أبو بكر البغدادي» بحسب الكنية التي يفضلها أنصاره، الذين ينعتونه أيضا بالحسيني، ويمدون نسبه إلى الإمام الحسين بن علي أيقونة المسلمين الشيعة، الذين تعاديهم خلافة البغدادي أو خلافة «داعش».
والحقيقة أن «داعش» ليست مجرد تنظيم دموي متطرف، إنها أعلى مراحل تطور تيار اليمين الديني، الذي يُعرف خطأ باسم تيار الإسلام السياسي، وكما كان لينين يصف الإمبريالية بأنها أعلى مراحل الرأسمالية في الأدب الماركسي، فإن خلافة «داعش» ـ بالقياس نفسه ـ هي أعلى مراحل وجود تيار اجتماعي ديني، بدأ بجماعة الإخوان في عشرينيات القرن العشرين، في ما بدا كرد مباشر على سقوط الخلافة التركية في الآستانة، وسعى إلى تأسيس خلافة جديدة، وقد سئل حسن البنا ـ مؤسس الإخوان ـ ذات مرة عن صورة هذه الخلافة الإسلامية المدعو إليها مجددا، وكان رده: انها شيء يشبه «عصبة الأمم»، وقد كانت الأخيرة منظمة دولية حلت محلها «الأمم المتحدة» بعد الحرب العالمية الثانية، كان رد البنا لافتا، فالخلافة التي يدعو إليها صيغة دنيوية سياسية، وليست دينا، ولا قرآنا ولا سنة، بل مجرد ممارسة تاريخية، وصيغة في التنظيم الدولي، تقبل النسخ والجرح والتعديل والتبديل، وقد كانت القضية نفسها موضوعا لرسالة دكتوراه ممتازة في جامعة السوريون أنجزها السنهوري أبو الفقه القانوني المصري والعربي الحديث والمعاصر، وانتهى السنهوري إلى ما يعلمه العامة بعد الخاصة، وهو أن دولة الخلافة الإسلامية كانت بنت زمانها في القرون الوسطى، حيث كانت ترسم حدود الكيانات السياسية بحد السيف، وتقوم الكيانات كإمبراطوريات دينية. فمثلما كانت هناك دولة خلافة إسلامية، كانت هناك أيضا صور من الخلافة المسيحية في الإمبراطورية الرومانية، وفي انقساماتها السياسية والكنسية اللاحقة، وإلى أن زالت جميعا مع ظهور الدول والكيانات القومية، وتماما كما جرى مع دولة الخلافة التركية، التي تجمدت وتخلفت، وفشلت في مواجهة زحف الاستعمار الأوروبي، وانهزمت حتى في تركيا ذاتها، ودفنها العلماني كمال أتاتورك مؤسس تركيا المعاصرة، الذي يمشي على طريقه رجب طيب أردوغان العلماني أيضا، ولا يتذكر من الخلافة سوى انها كانت وسيلة مفيدة لتعميم سيطرة تركيا على جيرانها العرب.
المعنى ببساطة، أنه لا يوجد شيء في أصول الإسلام اسمه الخلافة، فما من نص مخصوص في القرآن ولا في السنة الصحيحة، اللهم إلا في تصوير القرآن للإنسان كخليفة في الأرض، وهو التكليف الإلهي للإنسان بعبادته وعمارة الأرض، وجعل الدنيا مزرعة للآخرة، فالإسلام عقيدة وشريعة، والإسلام دين ودنيا، وليس دينا ودولة، والدين موجه للعالمين كافة، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، والطابع العالمي للدين يتناقض مع حصره في دولة أو في كيان سياسي بذاته، ولم يتحد معنى الدين بإطار دولة إلا في فترة تاريخية تأسيسية، هي فترة دولة المدينة التي قادها النبي الموحى إليه، وبعدما اكتمل الدين بوفاة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، تحولت ممارسات الدولة إلى معنى دنيوي، تغلب فيه معنى التأسي بالرسول زمن الخلفاء الراشدين الأربعة، الذين قتل ثلاثة منهم غيلة، واختلفت طرق تولي الواحد منهم تماما عن الآخرين، فلم يكن من نظام سياسي أو ديني ثابت، يصوغ الشروط ويرسم الطرق، ولم تدم فترة حكم الخلفاء الراشدين الأربعة سوى ثلاثين سنة، سقط بعدها المجتمع الإسلامي الناشئ في عصور الفتنة الكبرى، ثم أصبحت الخلافة ملكا عضودا مع الأمويين والعباسيين والأتراك، وكانت صور الابتذال والسفه والترف هي الغالبة في قصور من انتحلوا لأنفسهم صفة خلفاء المسلمين.
واجتهد فقهاء السلاطين في صياغة ما سمي بالسياسة الشرعية، ووضع شروط لتسمية الخلفاء تتماشى مع رغبات السلاطين والحكام، بينها ـ مثلا ـ ضرورة أن يكون الخليفة «قرشيا»، أي أن ينتـــهي نسبــــه إلى عائــــلات قريش، وهو شرط سقط مع تغلب الأتراك، ونقل حكــم المسلمـــين إلى «الآستانة»، وكان هذا طبيعيا، فالفقه ليس دينا ولا شريعة، وهؤلاء الخلفاء ـ بعد حكم الراشدين ـ لم يقيموا دينا، وإن أقام الكثير منهم دولا قوية وحضارة متفوقة بمعايير زمانها، شهـــدت بدورها فترات صعود وهبوط، وإلى أن انتهينا إلى أحط الصور زمن الخلافة التركية، فقد كان الأتراك مولعون بغزوات الســـيوف وحـــريم السلطان، ولم يكن لهم من علوم الدين نصيب، وكانت جريمة الآستانة ـ في رأي جمال الدين الأفغاني ـ انها حاولت تتريك العرب، ولم تعرب الترك حتى يفهموا دين النبي العربي.
نعم.. ليس في أصول الإسلام دولة دينية، ولا حكم بالحق الإلهي ولا كهانة، ولا امتياز لطبقة تسمي نفسها رجال الدين، ومفاهيم الدولة الدينية غريبة ومنبوذة في الفهم الإسلامي الصحيح، ولا يوجد اعتقاد الدولة الدينية ـ على طريقة شبه كنسية ـ سوى عند فرق الشيعة، الذين يقدسون الإمام علي ونسله إلى يوم الدين، ويعتبرون الإمامة محجوزة لهم حتى ظهور المهدي المنتظر في آخر الزمان.
وقد وقعت التيارات السلفية في الخطيئة نفسها، فهي تكره الشيعة وتكفرهم، لكنها تأخذ ـ عمليا ـ برأيهم في الدولة الدينية، وتفرض دورا متحكما لطبقة تسمي نفسها رجال الدين، وتضفي على الحكام صفة التقديس، وقد خلقت السلفية المستسلمة بدورها نقيضها، وظهرت السلفية الجهادية كنقيض وسلفية مضادة للوهابية الرسمية المساندة للحكام، وتدرج التفكير السلفي من جماعة الإخوان إلى مدرسة سيد قطب، ثم إلى جماعات التكفير وجماعة «القاعدة» وأخواتها.
ثم بدت «داعش» كأنها التطور الطبيعي لسلفية النقل بغير عقل، وبغير تدبر ولا فهم لصحيح الدين، ولتطورات الدنيا التي لا تكف عن التغير، وتجاوزت صورا من الكيانات السياسية القديمة على طريقة الخلافة. وبدت القصة كلها مفارقة للدنيا وظالمة لصحيح الدين الإسلامـــى، ولا تفهم سوى لغة القتل والتدمير والتخريــــب، وتتبارى في ملاحم قطع الرؤوس، وتمزيق بلاد المسلمين فوق تمزقها المتصل، وعلى طريقة خلافة «داعش» التـــي أقيمت في مواجهتها إمارة جبهة النصرة، وإن كانت خلافة داعش أرجح إلى الآن، وتقدم مثالا ملهما للضلال والكفر بالدنيا والدين، فهي الأكثر دموية بامتياز، ثم أنها تقدم صيغة صحراوية تلهب مشاعرشباب تيار اليمين الديني، وتوهمهم بأنها الخلافة الموعودة التي كانت، وبتلفيق شجرة نسب لأبي بكر البغدادي جعلته «قرشيا» و»حسينيا»، بينما كان هذا البغدادي مجرد شاب سلفي مسالم، ذهب إلى تجربة السجن مع الاحتلال الأمريكي للعراق، وخرج من السجن «سلفيا جهاديا» من أتباع الزرقاوي، وإلى أن أنشأ ما سماه «الدولة الإسلامية في العراق»، ثم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، ثم «الدولة الإسلامية» وحدها بلا إضافات، وبعد أن وجد تنظيمه حاضنة اجتماعية في أوساط سنة العراق المضطهدين من الحكم الطــــائفي الشيعي، وفي البيئة العنيفة الدموية الحاكمة لمزاج العراقـــيين السياسي والديني، وفي الفن العسكري لضباط سابقين في جيش صدام حسين، تحول بعضهم من «بعثيين» إلى «داعشيين»، وهكذا اقيمت قبضة الهواء التي ينعتونها باسم الخلافة، والتي يبالغ الأمريكيون في تصوير خطرها، وربما صناعته من الأصل، وبهدف الحط من مكانة وقيمة دين الإسلام، فالداعشية هي أعلى مراحل خيانة الإسلام، وباسم الإسلام نفسه.
وقد لا يصح إنكار إغراء الداعشية الراهن، ليس فقط عند شباب جماعات «القاعدة» وأخواتها، بل في قلب حركات إسلامية كانت توصف بالاعتدال في ما مضى. «داعش» تختصر الطرق، وتقيم دولة الخلافة الموعودة في خيالهم، وافتراض أن العنف الدموى هو الطريق الصحيح لإقامة دولة الإسلام، وهو ضلال لو تعلمون عظيم.
٭ كاتب مصري

عبدالحليم قنديل



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا