>

علم نفس العولمة - أحمد المسلمانى

علم نفس العولمة
أحمد المسلمانى

بينما يعانى ثلاثمائة مليون إنسان الجوع.. يعيش ثلاثة مليارات نسمة تحت خطّ الفقر!. إنَّهُ العالَم نفسه الذى هبطت مركباته الفضائية على سطح المريخ وعلى الجانب المظلم من القمر. وهو العالم المبهر الذى بات يتلاعب بدراسة المادة. تارة يمسك بالميكروسكوب، وتارة أخرى بالتليسكوب.. متجولًا من الذرّة إلى المجرة. لقد تأسَّس علم النفس ثم تطّور وتفرَّع عبْر سنواتٍ طويلة.. محاولًا ضبط العقل وترميم الروح. ولقد نجحَ علماء وأطباء النفس فى تطوير ذلك الحقل الشائك.. ليحتَّل علم النفس فى القرن العشرين مكانةً كبري.. وليصبح وجوده حتميًّا لاحتواء نتائج الثورة الصناعية.

الآن.. تغيّر العالم، باتَ الناس سبعة مليارات نسمة، ودخلت حياتُهم الثورة الصناعية الرابعة. ثمّة حدثٌ فارقٌ فى تاريخ الإنسانية.. لا يمكن اعتباره مجرّد تطور أو تقدم. ذلك أنه تغير جذريٌّ لأنماط الحياة. إنّه اختراع الإنترنت. أصبح العالم غير العالم، والأرض غير الأرض. ثم كان عصر جوجل ثم عصر فيس بوك.. والعصور التالية والموازية. أصبح الكثير من العالم افتراضيًّا.. بات الكثير من الحبِّ والكراهية يُدار من دون لقاء.. وباتت السياسة والاقتصاد رهنًا لضغطةٍ هنا وأخرى هناك.. وتوسَّعت الخطايا بدورها.. جريمةً وإرهابًا على امتداد خيوط العنكبوت. حلَّت اللايكات محل الإنجازات. أصبحت إشارات النَّصر الافتراضية وكأنها نياشين حقيقية تتصدّر ملابس الفرسان الجُدد. لم يعد الأمر مجرد تسلية وقضاء بعض الوقت. إذ سرعان ما بدأ البعض يبنى دولًا ويهدم أخرى عبْر وسائل التجنيد الإلكتروني.. وصار الحمقى يقيمون دولة الخلافة على شاشة المحمول.

تتوازى مع ذلك تطورات مذهلة فى مجال الذكاء الاصطناعي. وفى المدن الأكثر عصريّة.. تتعامل الروبوتات مع المرضى وكبار السن.. كما أنها تتعامل مع قطاعات واسعة من الناس فى المطاعم والفنادق والمنشآت. لقد صارتْ الروبوتات - أيضًا - جنودًا فى الحرب وآلاتٍ فى القتال. تمَّ إنتاج عالم كامل إلى جوار عالمنا.. لم يصبح الإنسان وحده فى المستشفى أو فى المعركة.. ثمّة أشباح جديدة باتتْ تقتسم معنا الحياة. لقد زادتْ على إثر ذلك أعداد العاطلين.. وفى كل عام يخرج الملايين من سوق العمل، كما أن ضغوط الاقتصاد فى الدول غير المتقدمة تدفع كل عام (25) مليون إنسان إلى مستوى الفقر المدقع.

وحسب كتاب «عولمة الفقر» لمؤلفه الكندى ميشيل تشوسودوفيسكى أستاذ الاقتصاد فى جامعة أوتاوا.. فإن هناك أشكالًا مرّوعةً من الفقر تسود أكثر من نصف المجتمعات العالمية. ولكن رئيس جنوب إفريقيا تابو إيمبيكى كان أقل تفاؤلًا.. إذ يرى أن معادلة الاقتصاد والمجتمع فى العالم قد باتتْ على النحو التالي: جزيرة أغنياء تحيط بها بحار من الفقر.. ذلك أن ثلاثة أغنياء فقط فى سقف العالم تزيد ثروتهم على الناتج المحلى لأفقر (48) دولة فى العالم!

لقد انهارت نفسيّات الكثير من البشر مع انهيار اقتصادياتهم، ومع المتغيرات التكنولوجية العاصفة التى لا تهدأ.. وتقدَّر منظمة الصحة العالمية عدد من يعانون أمراضا اكتئابية بقرابة ثلث مليار إنسان.. كما تقدِّر مراكز دراسات اجتماعية حالات الانتحار فى العالم بأكثر من (800) ألف حالة سنويًا. إن عدد المكتئبين فى العالم يعادل عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية، وعدد المنتحرين يزيد عشرين ضعفًا على عدد سكان إمارة موناكو!.

لم تأتِ ضغوط العولمة على بلايين البسطاء فى جنوب العالم فحسب.. ولكنها جاءت أيضًا على البلايين من سكان الدول الأكثر تطورًا.. ثمّة ركود فى اليابان وتباطؤ نموّ فى الصين، وأزمات متلاحقة فى أوروبا. وأمّا فى الولايات المتحدة فقد اشتكى الرئيس ترامب من الأثر السلبى للعولمة على بلاده.. وقال: إن العجز التجارى فى أمريكا وصل إلى (800) مليار دولار.. وقد فقدتْ أمريكا وظائفَ ومصانعَ بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية.. إننا لن نتخلّى أبدًا عن السيادة الأمريكية لصالح بيروقراطية عالمية غير مسئولة. إن أمريكا أصبح يحكمها الأمريكيون.

إذا كانت هذه هى ملامح عصرٍ جديد، يعانى فيه نصف العالم صعوبة الحياة، ويعانى النصف الثانى صعوبة التفوّق، فإنَّ علم النفس يصبح إزاء جديدٍ غير مسبوق.. الإنترنت والذكاء الاصطناعي. الحرب من أجل العولمة ثم الحرب على العولمة.. الانتحار بسبب الفقر والانتحار بسبب الثراء.

إن المعنى اليونانى لمصطلح علم النفس هو علم الروح.. تمييزًا له عن علم الجسد، وهو أيضًا علم الحياة تمييزًا له عن ثقافة العدم. ولقد تطوَّر العلم بحيث صار يدرس العقل والسلوك، الشعور واللاشعور. ثم تطوَّر ليصعدَ من بين فروعه علم النفس الاجتماعي، وعلم النفس السياسي.. ثم أصبح البعض يتحدث عن تطوير علم النفس السيبراني.. ويتحدث آخرون عن علم النفس الفضائي.. وإذْ يعتمد علم النفس السيبرانى على دراسة الرياضيات والميكانيكا والفيزياء، فإن علم النفس الفضائى يعتمد على دراسة الطب والأحياء وعلوم الفضاء إنَّ ما أذهبُ إليه هو ضرورة تطوير علم النفس.. لينشأ فرع جديد باسم علم نفس العولمة.. وذلك لمواجهة الآثار النفسية للعولمة على مليارات البشر فى كل القارات.

لم يكن الإنسان أكثر تقدمًا وأكثر تعاسةً ممّا هو اليوم.. الناجحون يعيشون حياةً ميكانيكية خالية من الراحة والروح، والفاشلون يعيشون حياةً فاترةً خالية من الرضا والثّقة.. والمتأرجحون - فشلًا ونجاحًا - يهرولون فوق الأشواك وسط رياحٍ عاتية.. بحثًا عن شاطئ أو نصف شاطئ.

تحتاج العلوم الاجتماعية إلى تأسيس علم نفس العولمة.. لدراسة الجديد فى السياسة والاقتصاد.. فى الثورة الصناعية الرابعة، وأجيال الحرب النفسية المتتالية.. ولدراسة ذلك العالم الذى بات رقميًّا.. حيث يتقدم الخيال وتتراجع الفيزياء.

لقد انكسرت الروح وتهشَّمت العزيمة. يحتاج الجميع - الأقوياء والضعفاء معًا - إلى من يوقِف الوجع ويمسَح الدموع. تحتاج الإنسانية إلى يدٍ حانيةٍ فوق رءوسها.. تمنحها السكينة بعد طريقٍ طويل من رحلة الألم.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا