>

عبدالوهاب بدرخان يكتب : إعمار العراق: خطوة أولى في رحلة المليون ميل

عبدالوهاب بدرخان يكتب : إعمار العراق: خطوة أولى في رحلة المليون ميل


هل كانت حصيلة مؤتمر الكويت لإعمار العراق مخيّبة للآمال، كما قدّر علناً بعضٌ من العراقيين، أم إنها كانت معقولة وواقعية كما رآها ضمناً بعضٌ آخر منهم؟ في كل الاعتبارات، لم تكن الثلاثون بليون دولار، وعوداً وتعهّدات، هي ما يستحقّه العراق كشعب وبلد وفكرة وتراث وعراقة، بل ما استحقّه عراق الواقع الراهن. واقعٌ يُفترض ألا يجهل أهله حقيقته، وألا يُنكروا أدوارهم في ما حلّ به بالتكافل أو بالتنافر مع أدوار الآخرين، وألا يتوقّعوا من العالم أن يهرع إلى تمويل حالٍ تتنافس فيها عوامل الصراع والانقسام مع عوامل السلم والاستقرار، من دون أن تتضح فيها غلبة واضحة لـ «دولة» باتت كلمتها أعلى من أصوات الميليشيات، وتريد أن تكون دولة طبيعية لجميع مواطنيها ومكوّناتها، ولجوارها العربي.

لو لم يكن هناك رهان دولي وعربي على هذه الدولة لما تبلورت فكرة مؤتمر الكويت الذي أراد أن يدعمها، ولجاءت وعود التمويل بأقلّ من الحصيلة المتواضعة. وقد كان المؤتمر اختباراً مباشراً، لا للعراق والعراقيين فحسب، بل اختباراً مسبقاً لكل الدول العربية التي لا تزال مصطرعة ولم تتح الفرص بعد للبحث جدياً في إعادة إعمارها. ففي الأعوام الأخيرة، وبسبب تكاثر الأزمات وتزامنها، تراجعت حماسة الدول المانحة، وصارت الأمم المتحدة تبذل أقصى الجهد وبالكاد تحصّل ما يمكّنها من القيام بأبسط الواجبات الإنسانية مثل إيواء النازحين واللاجئين وإطعامهم والاهتمام بأوضاعهم الصحية والاجتماعية عدا واجبات مهمة أخرى كرعاية الأطفال وتعليمهم. وبطبيعة الحال، فإن عدم انبثاق آفاق سياسية واعدة من توالي الحروب والمآسي واحتمالات تجدّدها حيث يُعتقد أنها ولّت، لا يشجع الدول المانحة على «المغامرة» بأموالها.

لا شك في أن النصر على تنظيم «داعش» كان عنصراً مساعداً للعراق كي يطالب بدعمه أو بمكافأته على هزيمته الإرهاب، ولا شك أيضاً في أن الدور المركزي للجيش العراقي والقطاعات العسكرية والأمنية المختلفة في ذلك النصر قد بنى ثقةً دوليةً ما بحكومة بغداد ورئيسها حيدر العبادي، غير أن هذه إنجازات ينبغي البناء عليها في الاتجاه الصحيح لإقناع العالم بأن العراق استوعب دروس خمسة عشر عاماً للتخلّص من الفوضى والفئوية والثأرية في إدارة شؤونه. وعندما تكون دولةٌ ما بحاجة ماسّة إلى مساهمات مالية خارجية فمن البدهي أن تعرف كيف ينظر العالم إليها وأي صورة استطاعت أن تكوّنها لنفسها وما المطلوب منها لتحصل على ما تحتاج إليه أو تتوقّعه؟

أيّاً تكن الصدقية الشخصية التي يتمتّع بها العبادي، ومدى الاختلاف بينه وبين سيّئ الذكر سلفه، إلا أنه لم يستطع تبديد وقائع سلبيّة تفرمل اندفاع الخارج نحو اعتبار عراق الدولة على طريق التعافي من أمراض تواصل إضعافه، وهي: سرطان التغلغل الإيراني، وانتشار الميليشيات المذهبية، واستشراء الفساد الإداري والمالي. فكلّها أمراض معتملة ومتداخلة، وليس في الإشارة إليها افتراء أو تحامل على الحُكم، بل تقرير لواقع لا يمكن تجاهله، يتساوى في ذلك أن يبدي العراقيون «تصالحاً» أو «تعايشاً» معها - بصدقٍ أو بتمويه، إذ لا يمكنهم حمل العالم على القبول بما يقبلونه هم ويسكتون عنه من ظهور منفّر ومستفزّ للجنرال قاسم سليماني عند المحطات الأمنية والسياسية كلها، والأكيد أنهم يعلمون أن العالم، وإن لم يكن كأميركا وإسرائيل في حال مواجهة مع إيران، لا يقرّ تدخّلاتها بأسلوب «تصدير الثورة» أو بثقافة الشحن المذهبي، بل يعتبرها استثماراً في إفقار مستدام للعراق وعائقاً أمام قيام دولته ونظامه.

في المقابل، ربما كان هناك تفهّم خارجي موقّت لظهور «الحشد الشعبي» كردّ فعل على ظهور «داعش»، لكن التشريع المستهجَن لـ «الحشد» وإنفاق الدولة عليه من الموازنة العامة وتغطيتها القانونية لانتهاكاته لم تقنع أحداً بأن «الحشد» خاضع لشرعية الدولة وليس مجرّد وجه آخر للهيمنة الإيرانية. ولعل التلكؤ في خطط دمجه وغموض تجريده من السلاح الثقيل واستعداده



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا