>

ظل جمال عبد الناصر - عبد الحليم قنديل

ظل جمال عبد الناصر
عبد الحليم قنديل

■ إنه الرجل الذي تتجدد دائما تواريخ ميلاده في مواعيد الرحيل، وقد رحل جمال عبدالناصر قبل 44 سنة، في 28 سبتمبر/ايلول 1970، الذي شهد يومه التالي أكبر جنازة في التاريخ البشري بإطلاق عصوره وتحولاته.
وتكاد لا تحس أن الرجل غادر الحياة الدنيا، أو أن كل هذه السنوات مرت على ذهابه، فالجدال والصراع على اسمه لايزال محتدما صاخبا، وكأنه لم يمت بعد، أو كأنه رحل توا ليلة الأمس، وتلك ظاهرة تفسر نفسها بنفسها، فقد كان عبد الناصر أكبر من مجرد رئيس أو زعيم عابر، وأكبر من مجرد قيادة تاريخية يندر تكرارها، بل ظل اسم عبد الناصر حاضرا يحارب في الميدان، وحيا في قلب الصراع الاجتماعي، فالذين يكرهونه كالذين يحبونه، كلاهما يعرف أن الرجل في رحاب ربه من زمن طويل، لكنه ترك طريقا وحلما هو موضوع الخلاف والسجال المستعر، فالذين يكرهونه يخافون عودة الحلم والطريق، والذين يحبونه يسعون لاستعادة وصفة عبد الناصر كعنوان لتقدم مجتمع وصناعة نهوض وترجمة لحلم أمة.
وكلما تقاطرت السنوات وتوالت العقود، زاد بريق جمال عبد الناصر وتألق عصره، الذي لا يبدو في تعداد ما كان، رغم أنه جرى في ماضينا، لكن السعي لاسترداده ليس حنينا إلى زمن ذهب، ولا تغنيا بأمجاده، بل سعي لاسترداد المستقبل الذي ضاع منا، وقــــد جرى تجريـــب كل الوصفات المعادية لعبد الناصر، جرى الانقلاب على خطه الثوري في مصر، وجرى تجريب وصفات رجعية وأمريكية، جرى تجريب وصفات إقليمية وطائفية، وجـــرى تجريب وصفات انتسبت زورا إلى دين الإسلام العظيم، وتحولت أقطار الأمة العربية إلى حقول تجريب وميادين رماية، وكانت النتيجة على ما نعرف، تفتيت المفتت، وتداعي الحروب الأهلية المهلكة، وتفكيك الدول والمجتمعات، والانحطاط التاريخي، وإعادة زراعة التخلف، وتحول المنطقة كلها إلى ثقب أسود، والخروج من سباق العصر بالجملة والارتداد إلى عصور الديناصورات على طريقة خلافة «داعش» وأخواته.
وقد يقول لك أحدهم أن الظروف تغيرت، وأن ما كان يصلح في عصر عبد الناصر، قد لا يصلح الآن، وهذا الكلام صحيح وخاطئ في الوقت نفسه، صحيح إذا تعلق الأمر بالتطبيقات والنظم، وهي قابلة للتغير بطبيعتها، وقد تغيرت حتى في سنوات عبد الناصر نفسها، لكن المبادئ والقيم شيء مختلف، وهي غير قابلة للتغير، وإن قبلت الإضافة مع تجدد العصور والظروف، واسم عبد الناصر ـ المختلف عليه ـ عنوان لسبعة مبادئ وقيم كبرى، هي «الاستقلال الوطني» و»التوحيد العربي» و»الكفاية والعدل» و»أولوية العلم والتكنولوجيا» و»الديمقراطية الشاملة» و»التجديد الثقافي الحضاري» و»العولمة البديلة»، بروح حركة عدم الانحياز القديمة المتمردة على القوالب، وهذه المبادئ السبعة قد تطول شروحها، وقد لا يكون هنا مجال الشروح، بل هي إشارة مجملة لمشروع عبد الناصر الذي مات دونه، وقد تكونت هذه القيم عبر قرنين من الزمان، وبالخبرة المباشرة لمحاولات النهوض تحت حد السيف الغربي، وعبر تجارب تطبيقية وفكرية، تكون خلالها ما نسميه «صيغة التوفيق الفعال» بدلا من الانغماس في الوافد أو الانغلاق على الموروث، وتوالت على طريقها تجارب محمد علي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ومدرسة الجامعة الإسلامية في نصفه الثاني، وخط الوطنية المصرية من أحمد عرابي ومصطفى كامل، وصولا إلى صعود ظاهرة عبد الناصر وثورة 1952، بدت السيرة مصرية خالصة، ولكن بعمق عربي شامل لا تخطئه العين، ربما بسبب الوزن الخاص والطبيعة المميزة للتكوين المصري، ومن أول الزمان الفرعوني إلى الفتح العربي، وإلى عصر جمال عبد الناصر، فلم تكن الوطنية المصرية أبدا عنوانا لانعزال، بل كانت صنوا لتاريخ القومية العربية، ولو لم توجد القومية العربية افتراضا، لخلقتها الوطنية المصرية خلقا، فمصرية مصر هي ذاتها عروبة مصر، وهذا الذي جعل عبد الناصر عنوانا مشتركا للوطنية المصرية والقومية العربية في اللحظة نفسها.
كانت ظاهرة عبد الناصر ـ إذن ـ تلخيصا وافيا لسيرة نهوض، ولمعاناة فكرية وتطبيقية، تطرح الأفكار على الواقع من حولها، فيعيدها الواقع أكثر اكتمالا ونضجا، وكانت خاصية التفاعل المباشر مع الواقع هي جوهر طريقة عبد الناصر، فقد كان الرجل يبحث في حياتنا ذاتها عن النظريات والمبادئ والقيم، وهو ما جعل للمبادئ والقيم صلابة وصحة تستعصي على الإنكار، وإن كان طريق التفاعل مع الواقع نفسه، هو الذي يضيف للمبادئ، ويضمن لها صفة التجديد، ويبرز صحة وأولوية مبادئ لم تكن واضحة بما يكفي في الماضي، فمبادئ الاستقلال والتوحيد والكفاية والعدل، كانت هي الثلاثية الأكثر ظهورا في زمن عبد الناصر، وجرى التعبير عنها في الشعار الشهير وقتها «حرية ـ اشتراكية ـ وحدة»، لكن التطورات الاقتصادية بعد عبد الناصر، أبرزت الأهمية الحاسمة لأولوية العلم والتكنولوجيا، فقد صارت القيمة المضافة للاقتصاد المعاصر رهينة أولا باستثمارات العلم والتكنولوجيا، وبدون أن يعني ذلك غياب القيمة والمبدأ عن تجربة عبد الناصر في وقتها، التي شهدت تطورا جوهريا رائعا في التصنيع الشامل، والأولوية العلمية لاكتساب تكنولوجيا الصواريخ، وإرساء قواعد المشروع النووي والمشروع الفضائي.
وكذلك بدت قيمة «التجديد الحضاري»، التي عبر عنها عبد الناصر في نداءات سنواته الأخيرة إلى «الثورة الثقافية»، وقد شهد عصر ما بعد عبد الناصر تطورات أضافت تدويل ثقافة الغرب إلى تدويل النظام الرأسمالي، وبما انتهى إلى التهديد غير المسبوق بمحو الخصوصيات الثقافية وطرق التنمية المستقلة، وبما أضاف أولوية ظاهرة لمبدأي وقيمتي «تجديد الذات الحضارية» و«العولمة البديلة»، فيما بدا مبدأ «الديمقراطية الشاملة» جديدا قديما في تراث عبد الناصر، وفي رؤى مشروع الناصرية من بعده، فقد كانت الديمقراطية الاجتماعية صنوا للديمقراطية السياسية في تفكير عبد الناصر، الذي عبرعن التزاوج مرارا بطرق وصياغات مختلفة، لعل أشهرها ربطه بين حرية رغيف العيش وحرية تذكرة الانتخابات، وكان رأي عبد الناصر أن التغييرات الاقتصادية والاجتماعية لها الأولوية، وأن نشر التعليم وفرص العمل وعدالة التوزيع عناصر جوهرية في البناء الديمقراطي، وبدونها تتحول الديمقراطية السياسية إلى مأساة وملهاة، فالمبادئ السبعة لمشروع عبد الناصر مترابطة وعنوانها: خلق مجتمع جديد متقدم من قلب المجتمع القديم المتخلف، وللمجتمع الجديد أن يقيم أحزابه واتجاهاته في ظل مشروع جامع، وهو ما عبر عنه عبد الناصر في سنواته الأخيرة، حين تحدث عن إمكانية التحول إلى نظام الحزبين بدلا من التنظيم الواحد، وإطلاق نظام لتعدد الأحزاب بعد إزالة آثار عدوان 1967، لكن الرحيل المفاجئ لجمال عبد الناصر، ثم الانقلاب على خط عبد الناصر بعد حرب أكتوبر 1973، وفاة عبد الناصر ثم وفاة الثورة، كلها تطورات صادمة عصفت بمشروع التقدم في مصر، وفي الحياة العربية كلها، وعدنا من جديد إلى نقطة الصفر، وإلى ما تحت خط الصفر، وجرى إفساح المجال واسعا للمشاريع المعادية لعبد الناصر، والمنقلبة عليه، بدوافع الثأر أو بدواعي الخديعة، وبحملة متكاملة أرادت التكفير بمشروع عبد الناصر، شاركت بها قوى التخلف العميل للأمريكيين في السلطة، تماما كما شاركت قوى التخلف المتشح برداء الدين في المجتمع، وكان ما كان من انحطاط تاريخي، تكاد مصر الآن ـ بالكاد ـ تفيق من غيبوبته، بعد ثورة 25 يناير 2011 وموجتها الأعظم في 30 يونيو 2013، ووسط محاولات لإجهاض الثورة، وإطفاء نورها الذي يتمه الله، ولو كره الرجعيون.
وبدا ظل جمال عبد الناصر حاضرا بقوة في قلب ثورات مصر الجديدة، في شعاراتها الملهمة عن العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والاستقلال الوطني، وفي صوره التي رفعت كراية تلقائية لجمهور الثورة، فقد كانت صور عبد الناصر هي الوحيدة التي ظهرت تلقائيا لزعيم تاريخي في ميادين 25 يناير و30 يونيو، ولم يكن المغزى ـ فقط ـ في الحنين لاستعادة زمن العزة بديلا عن زمن الخسة، بل بدت صورة عبد الناصر تلخيصا وافيا لأحلام المصريين، ولرغبتهم الكامنة ـ فالظاهرة ـ في استرداد المستقبل، لا لكي يكون على صورة تطبيقات الماضي، بل على هدى من مبادئه وقيمه، التي هي خلاصة وعصارة تجربة المصريين التاريخية، التي هي أوسع كثيرا من «شرانق» من يسمون أنفسهم بأحزاب التيار الناصري.
فجمال عبد الناصر عنوان لمشروع الوطنية المصرية الجامعة بأوسع معانيها، وعنوان لمشروع القومية العربية بأكمل صفاتها، وثورة مصر الجديدة هي وصل لما انقطع مع ثورة عبد الناصر، التي جرى الانقلاب عليها بالكامل عقب حرب أكتوبر 1973، وهي اللحظة نفسها التي بدأ عندها الانهيار، الذي انتهى إلى انحطاط الأربعين سنة، والذي تحاول مصر الخروج منه الآن، ولا تجد مصباحا منيرا يهديها سوى سيرة وصورة عبد الناصر، بمعنى التقدم إلى قيم ومبادئ عبد الناصر المطورة، وبمعنى التقدم ـ بإرادة الناس ـ إلى مجتمع الاستقلال والتصنيع الشامل والعدالة الاجتماعية، واستعادة الحلم الذي يظل عبد الناصر رمزه الفصيح واسمه الكودي.
٭ كاتب مصري



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا