>

ظلال الخلافات الأمريكية على العالم - د. حازم الرفاعى

ظلال الخلافات الأمريكية على العالم
د. حازم الرفاعى

أثار رحيل المغنية الأمريكية الشهيرة (أريثا فرانكلين) أخيرا الجدل حول تجاهل بعض أجهزة إعلام أوروبا عزاء الرئيس الأمريكى (دونالد ترامب) فيها. فلقد توارى عزاء ترامب فى المغنية السوداء وراء تعازى شخصيات أقل حضوراً كأوباما ورموز أمريكية أخرى.

الجدل حول أمر كهذا وفى دوائر خارج الولايات المتحدة هو أحد ظواهر الاستقطاب حول العالم بشأن الخلافات على رأس الهرم السياسى الأمريكي.

فالدولة الامريكية وجهازها السياسى والعسكرى والأمنى هى الاضخم والأكثر تعقيدا فى العالم والتاريخ. فهى مصفوفات تتوافق على إدارة مصالح قطاعات مالية واقتصادية كبيرة، ولهذا فإن لها نفوذا وامتدادات كبيرة فى إمبراطوريات الاعلام والكيانات السياسية، بل وفى دويلات كاملة كقطر او فى قطاعات من دول كإسرائيل.

ولذا فإن خلافات المركز الامريكى تظهر وتستمر فى الاطراف حول العالم. الخلافات مع الرئيس الأمريكى وتعمد إهانته والتشكك فى ولائه للولايات المتحدة امر مستمر منذ تبوئه سدة الحكم بل وقبله. فالرئيس الأمريكى يتهم بالتواطؤ مع روسيا لتسهيل وصوله للحكم؟ وهى اتهامات طالت مستشاره للأمن القومى (مايكل فلين) الذى اضطر للاستقالة بعد أربعة أسابيع فقط من تبوؤ الإدارة الجديدة مسئولياتها.

ثم صارت تصل إلى الرئيس الامريكى ذاته. وهى تلميحات تصدر من رجال أمن وسياسة بارزين فى المخابرات الأمريكية ك(جيمس كلابر) و(جون برينان) الذى وصف سلوك ترامب انه (سلوك يقترب من الخيانة).

لم يتوقف الرئيس الامريكى ابدا عن الدفاع عن نفسه وعن رد التهم بتواطئه مع روسيا بعنف وبشكل مثير للجدل كان آخرها نزع تصريحات دخولهم المؤسسة الأمريكية العملاقة منذ أسابيع.

ويستمر ترامب باتهام (الدولة العميقة) بمعاداته وعرقلة توجهاته، والتى كان أحدها رفع العقوبات الاقتصادية على روسيا فهى فى نهاية الأمر قوة (معادية) فى الأدبيات الأمريكية السياسية.

ولكن تلك الخلافات والانشقاقات فى حقيقتها خلافات سياسية وإستراتيجية فى التوجه الأمريكى وليست خلافاً حول شخص أو مجرد قرار. فلقد ظهر جليا تعدد جوانب الأزمة الأمريكية وعمقها، فقد تعرضت سياسات الولايات المتحدة الخارجية لفشل ذريع فى أوكرانيا والشرق الأوسط وصارت تتخبط بلا أفق لمستقبل واضح لهذه السياسات.

ففى الشرق الأوسط كان للأهداف والرؤى الإسرائيلية الأولوية، وفى أوكرانيا وغيرها أسيء تقدير حجم العناد والإصرار على إسقاط السياسة الأمريكية.

ظهر هذا بينما كانت أصداء الأزمة المالية والاقتصادية الممتدة من 2008 تتضح للمفكرين الأمريكيين يصاحبها إدراك متزايد لمغزى صعود الصين وحجمه. فلقد اختل الميزان التجارى مع الولايات المتحدة لصالح الصين برقم يصل إلى 300 بليون دولار أمريكى فى العام.

ولذلك فإن ملفات الأزمات الأمريكية كانت مفتوحة قبل صعود ترامب وكانت الترتيبات والتصورات الدولية الضرورية للتعامل معها تناقش سواء لدى أنصار أوباما أو كلينتون أو ترامب.

وهكذا فإن ترتيبات العلاقات الأمريكية مثلا بحلف الأطلنطى ودور أمريكا واحتياجها إليه من عدمه لم تكن مفاجئة؟ وكذلك كان الأمر مع ملفات العلاقة مع إسرائيل وشكل العلاقة مع منظومة النفط الخليجية؟ وفتح -وهو الأهم- ملف الممرات البحرية فى بحر الصين الجنوبى وحول فيتنام. ولقد تعامل الرئيس الأمريكى بحسم وسرعة مع ملف تهديدات كوريا الشمالية (المزمنة) لليابان.

فالأخيرة محمية أمريكية فى مرمى الصواريخ الكورية، وإصابتها أو الاحتكاك بها قد يؤدى إلى إعصار مالى دولي. صارت التوجهات الأمريكية التى فرضها الواقع تمثل هرطقات سياسية لساسة أمريكيين ولأجيال أمريكية وأوروبية استقر فكرها ومصالحها على شكل التحالفات والعلاقات الدولية بعد الحرب الثانية.

وظهر للعلن ان رؤىً أمريكية جديدة تتكون وتتمحور حول الصراع الاقتصادى وإعادة تموضع سياسات العولمة؛ فصارت ألمانيا مثلاً وصعودها الاقتصادى بعد الحرب الثانية موضع تساؤلات أمريكية فكيف انتقلت ريادة صناعة السيارات الأمريكية فى الأساس إلى خارج الولايات المتحدة وألمانيا؟ وكيف استفادت الصين بالعولمة؟ وها هو الرئيس الأمريكى ترامب يقول: «نحن (الولايات المتحدة) من أعدنا بناء الصين باختلال الميزان التجاري.»

يتقاطع مع تلك التوجهات الأمريكية الجديدة قطاع مهم من الساسة الإنجليز الذين يتفهمون ضرورة وحتمية إعادة ترتيب العالم، ويرون أنهم قد يخرجون بمكاسب من تلك الترتيبات الأمريكية الجديدة.

بل وإنها هى الحل للمعضلات التى واجهتها بريطانيا كمعضلة السوق الأوروبية وتأثيرها على المملكة (المتحدة) وعن دور الأسرة الحاكمة فيها مع مخاوف قديمة كلاسيكية عميقة فى الإدراك البريطانى عن ألمانيا. فلقد قالت تاتشر بريبة يوم أن سقط سور برلين وسط (الزفة) التى أقامها الإعلام الغربى (ألمانيا (موحدة)… تُرى من يريد هذا؟) فانجلترا تدرك بعمق التاريخ الإمكانات الصناعية الألمانية وخطورتها الاقتصادية.

ولكن للساسة البريطانيين تحفظات أيضا على الاقتراب والتطبيع مع روسيا؛ فأهمية الدور الإنجليزى فى السياسة الدولية تتحدد منذ الحرب العالمية الثانية بحدة الصراع مع روسيا، وبالتوتر فى الشرق الأوسط،. وعليه فإن الود بين سياسيين بريطانيين والقطاعات الأمريكية التى يمثلها ترامب قد لا يدوم طويلا.

اعتاد العالم على التعامل مع وجه واحد للسياسة الأمريكية وهو الوجه المصطف خلف الرئيس، إلا فى مستويات لا تنتقص منه أو تضعف مواقفه.

ولكن الأمر يختلف فى عهد الرئيس الأمريكى الحالى (ترامب). فالخلافات حوله تعدت الساحة الأمريكية وصار الجدل حوله موضوعا حاضرا فى دوائر العالم المختلفة.

ولكن الأهم هو أنه صار من الممكن أن تتخذ مؤسسات إعلامية أو كيانات إقليمية ضئيلة مواقف تتعارض مع الخط الرسمى للسياسة الأمريكية الذى يعبر عنه الرئيس.

ومن تلك المواقف الموقف القطرى بدعم تركيا مثلا. فالإمارة الخليجية كانت محطة إدارة ملف المرتزقة المسلمين، وهو ملف مخضب بالدماء وهو يستخدم (كَذِلَّةٍ) من ترامب لخصومه. فدور السيدة كلينتون فى إدارة ملف الفوضى الخلاقة بشقيه الإسلامى والليبرالي، وما صاحبة من تكاليف باهظة انسانية وسياسية معروف وسط الدوائر الأمريكية. والأهم بشأنه أنه فشل وصار عبئا أمريكيا. ولهذا فلا مناص أمام قطر وتركيا من العداء لترامب.

ولكن هذه الخلافات ليست بعيدة عن موسكو التى تسعى لتعميق الخلافات وتوسيع الانشقاقات فى معسكرات السياسة الأمريكية التى ترتج أركانها من تركيا لبرلين.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا