>

شرق أوسط بدون الولايات المتحدة - د. محمد كمال

شرق أوسط بدون الولايات المتحدة
د. محمد كمال

لعقود طويلة كان يتم تفسير مشكلات و معضلات منطقة الشرق الأوسط انطلاقا من الدور الأمريكى بها والتدخل فى شئونها. الآن تشهد المنطقة مرحلة جديدة، ربما يكون أهم ملامحها هو تراجع هذا الدور الأمريكى، و تحول لعبة النفوذ فى المنطقة الى لعبة إقليمية بالأساس، أطرافها القوى الإقليمية من داخل المنطقة و ليس القوى الدولية الكبرى من خارجها. تراجع الدور الأمريكى فى الشرق الأوسط بدأ فى عهد الرئيس السابق أوباما، و لكنه استمر أيضا فى عهد الرئيس الجديد ترامب، رغم التباين الكبير فى مواقفهما تجاه العديد من القضايا الدولية الأخرى. وهو ما يؤكد أن هذا التراجع الأمريكى يعود الى أسباب هيكلية، وليس الى وجهات نظر لرئيس معين يمكن أن يتراجع عنها رئيس آخر.

أحد هذه الأسباب الهيكلية يعود الى انخفاض احتياج الولايات المتحدة لنفط الشرق الاوسط سواء بسبب قيامها بتنويع مصادر استيراد النفط و الاعتماد بشكل أكبر على مصادر من خارج منطقة الخليج العربى، أو ما يتعلق بالاكتشافات الضخمة لما يسمى «النفط الضخرى» فى الولايات المتحدة ، والذى سيؤدى الى وصول الولايات المتحدة الى حالة الاكتفاء الذاتى من الطاقة فى المستقبل القريب، وبالتالى عدم الحاجة للواردات النفطية من الخارج ومن الشرق الاوسط، وهو ما يؤثر بالتأكيد على درجة اهتمامها و ارتباطها بالمنطقة، وخاصة ماعرف بمعادلة «الأمن مقابل النفط» بمعنى قيام الولايات المتحدة بضمان أمن دول الخليج المنتجة للنفط فى مقابل ضمان تدفق هذا النفط و بأسعار معقولة. والآن مع تراجع حاجة الولايات المتحدة لنفط المنطقة فإن ذلك سوف يؤدى بالتأكيد الى تراجع الجانب الآخر من المعادلة و المرتبط بالضمان الأمنى لدولها.

السبب الآخر لتراجع الاهتمام الأمريكى يرتبط بتوجهات الرأى العام الأمريكى الذى لم يعد يتحمس للتدخل بالمنطقة أو النشاط الزائد بها نتيجة للثمن الاقتصادى والبشرى الذى دفعته الولايات المتحدة فى غزوها واحتلالها العراق. يضاف لذلك وجود اعتقاد لدى عدد من نخبة الرأى العام والمفكرين الاستراتيجيين ومراكز الابحاث الامريكية بأن منطقة الشرق الاوسط تمر بحالة ممتدة من عدم الاستقرار سوف تستمر لسنوات طويلة، وشبهها البعض بحرب الثلاثين عاما التى شهدتها أوروبا فى الفترة من 1618 الى 1648 وتداخلت فيها النزاعات الدينية و السياسية، و راح ضحيتها آلاف البشر. ومن ثم هناك اقتناع لدى عدد من دوائر التفكير الامريكية، بأنه من الافضل ترك منطقة الشرق الاوسط تمر بعملية التحول الكبرى التى تشهدها، وأن المنطقة سيسودها الاضطراب و السيولة وعدم الاستقرار لفترة طويلة من الزمن، وأن هذا أمر لا مفر منه، وأن التدخل الخارجى لن يغير من عملية التحول بالمنطقة، والأفضل تركها لشأنها حتى تنتهى هذه المرحلة الحتمية.

يضاف لذلك وجود اقتناع فى العديد من دوائر صنع القرار الامريكى بأن قدرة الولايات المتحدة على التأثير على مجريات الامور فى الشرق الاوسط أصبحت محدودة، وغير مرحب بها من غالبية القوى السياسية بهذه المنطقة. وقد اتضح ذلك بشكل جلى فى محدودية الدور و التأثير الامريكى فى مرحلة مابعد الربيع العربى ، ورفض قطاع واسع من الرأى العام فى البلدان العربية والقوى السياسية المتباينة أى دور للولايات المتحدة، ووصفها بعدم المصداقية و التشكك فى نياتها. أى أن هناك إدراكا أمريكيا بمحدودية الدور الذى يمكن ان تلعبه فى المنطقة و عدم الترحيب بهذا الدور، وبالتالى وصلت بعض دوائر الحكم الامريكية لاقتناع واقعى مفاده أنه لاداعى للقيام بمثل هذا الدور.

وأخيرا لا يمكن الفصل بين توجه الإدارة الامريكية للحد من ارتباطها بالشرق الاوسط، و سعيها فى المقابل لزيادة الاهتمام بالقارة الآسيوية سواء للمشاركة فى ثمار النمو بهذه القارة الواعدة اقتصاديا، أو لمواجهة تصاعد النفوذ الاستراتيجى الصينى بها، و الذى يهدد الوجود الامريكى فى القارة الآسيوية. فالتوجه الامريكى نحو أسيا - الذى بدأ فى عهد أوباما و استمر فى عهد ترامب- يعنى بالضرورة إعادة ترتيب الاولويات الامريكية فى العالم، وإعادة توزيع درجة الاهتمام والامكانات الاستراتيجية الامريكية بعيدا عن الشرق الأوسط وقريبا من آسيا.

هذه الأسباب مجتمعة دفعت الولايات المتحدة لتقليل ارتباطها بالشرق الأوسط، بمعنى تجنب التورط فى مشكلات المنطقة وعدم لعب دور قيادى بالنسبة لها.

ولكن هذا التوجه لم ولن يعنى انسحاب الولايات المتحدة بالكامل من الشرق الاوسط. فالولايات المتحدة ستحافظ على قدر من الاهتمام بهذه المنطقة لعدة أسباب، أولها يتعلق بكون الولايات المتحدة قوة كبرى فى العالم وستظل مهتمة بأن تلعب دورا ما فى الشرق الاوسط. السبب الثانى يتعلق بإسرائيل، وتعهدها بالحفاظ على وجود وأمن الدولة العبرية، وهو أحد ثوابت السياسة الامريكية. و السبب الثالث يتعلق بسعر النفط وتأثيره على الاقتصاد العالمى. فمازالت منطقة الخليج تلعب دورا مهما فى تحديد سعر النفط كسلعة عالمية تخضع لمتطلبات العرض و الطلب.

ولكن المؤكد أن أهمية المنطقة للولايات المتحدة فى تراجع مستمر، ومن ثم فإن رغبتها فى التورط فى شئونها أو لعب دور قيادى بشأن قضاياها هى أيضا فى تراجع مستمر.

هذا التراجع الأمريكى يمثل من وجهة نظرى فرصة للدول العربية - بما فى ذلك تلك التى اعتادت على علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة- للتحرك فى اتجاهين. الأول هو الانفتاح بشكل أكبر على القوى الكبرى المختلفة و منها الصين و روسيا والاتحاد الأوروبى بالإضافة للولايات المتحدة فى إطار النظام الدولى الجديد الذى يتجه نحو ترسيخ التعددية القطبية. التوجه الثانى يتعلق بتبنى رؤية و مشروع عربى لمواجهة مشاريع تركيا وإيران وسعيهما للهيمنة على المنطقة، وملء الفراغ الناتج عن تراجع الدور الأمريكى.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا