>

سياسة الرعب الأمريكية أمام اختبارات صعبة - مصطفى السعيد

سياسة الرعب الأمريكية أمام اختبارات صعبة
مصطفى السعيد

الخطأ الدارج للامبراطوريات العظمى أنها تستخف بالمتغيرات التى تهدد هيمنتها، ثم تنكر وجود هذه التهديدات، لكن الخطأ يتحول إلى خطيئة عندما تعالج المخاطر المستجدة بأدوات قديمة.. هكذا تفعل الولايات المتحدة فى الأزمات المنتشرة حول العالم، والتى تزداد وتيرة الفشل الأمريكى فى معالجتها. اتضحت معالم السياسة الأمريكية فى عهد الرئيس ترامب، وهى توسيع دوائر الرعب من الحرب، وهى عكس سياسته المعلنة أثناء حملته الانتخابية، لكن يبدو أنه أصبح مجبرا على تبنى سياسة الرعب، بل يبدو الأكثر حماسا لها فى الشهور الأخيرة، وأولى خطواتها التصعيد بفرض عقوبات اقتصادية تستفز الدول المستهدفة، لترفع من درجة التأهب العسكري، لتجد القوات الأمريكية مبررا للتحرك لتحمى حلفاءها من التهديد.

منسوب الخطر مرتفع للغاية فى شرق آسيا، لأن التلويح يجرى بالأسلحة النووية، فبعد فرض عقوبات متتالية على كوريا الشمالية، أطلقت بيونج يانج تجربتها الثالثة لصاروخ بالستى عابر للقارات، قادر على حمل رأس نووى كبير فجر الأربعاء الماضي، لتتوتر الأجواء داخل مجلس الأمن، وتتهم روسيا والصين الولايات المتحدة بالتباطؤ فى إجراء حوار مع كوريا الشمالية، بدلا من حشد أساطيلها وقواعدها العسكرية، لأن الحل العسكرى سيكون كارثيا على الجميع.

كان الرئيس الأمريكى ترامب قد أعلن مرارا أن المسرح الرئيسى للوجود العسكرى الأمريكى سيكون فى شرق آسيا، لاحتواء الصين التى يراها الخطر الأكبر على مكانة الولايات المتحدة، ووجد فى تحرشات كوريا الشمالية الفرصة ليحشد قواته، لتشعر اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والفلبين بالرعب، وتنشر المزيد من بطاريات صواريخ الباتريوت، وتزيد الاعتماد على الحماية الأمريكية، لكنها لا تثق فى قدرة الدرع الصاروخية على حمايتها، وتبدى قلقها من أن تكون ضحية أى خطأ فى التقدير أو خروج الاستفزازات عن السيطرة، وتكون ضحية سياسة عض الأصابع بين ترامب الساعى للهيبة وكيم جونج أون زعيم كوريا الشمالية الشاب المنتشى بصواريخه النووية.

ثانى دوائر الخطر هى الحديقة الأمامية لروسيا فى شرق أوروبا، والتى امتدت من البؤرة الأوكرانية الأشد سخونة لتشمل دول البلطيق الثلاث لاتفيا واستونيا وليتوانيا ومعظم دول شرق أوروبا التى تنشر فيها الولايات المتحدة بطاريات الدرع الصاروخية، التى رأت فيها موسكو إخلالا بالتوازن العسكري، وهددت بنشر المزيد من صواريخها الإستراتيجية، لترتفع حرارة سباق تسلح يقلق كل أوروبا، التى تخشى من تهور ترامب، واللعب بالنار على مشارفها.

الدائرة الأوسع مازالت منطقة الشرق الأوسط، التى مازال يتصاعد منها دخان معارك الإرهاب، ورغم هزيمة دولة داعش إلا أن الولايات المتحدة أعلنت عن بقاء قواتها فى شمال سوريا والعراق، وهو ما يعنى استمرار التوتر، والخوف من تهيئة المسرح لجولة جديدة من الحروب، التى تشتد ضراوتها فى اليمن، رغم اقتراب الحرب من اكمال عامها الثالث دون تغيير على خريطة خطوط القتال، حتى إن الأخبار لا تحمل جديدا إلا فى ذكر المزيد من أعداد الضحايا، وكذلك الحال فى ليبيا التى تراوح أزمتها السياسية فى مكانها، تاركة الساحة لجماعات العنف، وأعلنت الولايات المتحدة اعتزامها نقل قوات إلى الصحراء الإفريقية لمحاربة داعش، وهى إشارة غير مبشرة، حيث تحتدم الأزمات والمعارك مع كل انتقال للقوات الأمريكية. وتراجعت الولايات المتحدة عن قرار سحب قواتها من أفغانستان، وقررت زيادتها، بل والإعلان عن نيتها سحق جماعة طالبان، بدلا من التوصل إلى تسوية سلمية للمشكلة الأفغانية، لكن وعيد ترامب بسحق طالبان يصعب أن يتحقق بسرعة حسب تصريحاته، فهو هدف عجزت واشنطن عن تحقيقه فى سنوات، وبقوات أكبر بكثير، وهو ما يحمل بذور فصل جديد من الحرب الأفغانية.

غيوم التوتر خيمت أيضا على أمريكا اللاتينية، مع تراجع ترامب عن سياسة التهدئة مع كوبا، والعودة إلى التهديدات العسكرية والعقوبات، لينمى بؤرة توتر كانت فى سبيلها إلى الهدوء، لتواكب حملة أمريكية هى الأشد عنفا تجاه فنزويلا، التى حقق رئيسها مادورو فوزا مهما على المعارضة المدعومة من واشنطن فى الانتخابات المحلية، ليعزز موقعه على رأس السلطة المتحدية للنفوذ الأمريكي.

هكذا تخيم أجواء الخوف على مناطق واسعة من قارات العالم، لكن يظل السبب الرئيسى هو التوجس بين الولايات المتحدة وكل من روسيا والصين وإيران، وقد وصف رئيس الوزراء الروسى ديمترى ميدفيديف فى لقاء تليفزيونى الخميس العلاقات الروسية الأمريكية بأنها لم تكن بهذا السوء حتى أثناء الحرب الباردة، ولديه مخاوف جدية من تفاقمها، بينما الصين مشغولة بتحصين وبناء قواعد عسكرية جديدة فى بحر الصين تحسبا لما هو أسوأ، والقوات الإيرانية على خطوط التماس مع القوات الأمريكية فى العراق وسوريا، لتضع سياسة الرعب الأمريكية أمام اختبار صعب، فحينما تفشل سياسة الرعب فى إخافة الآخرين، فعندئذ لا يكون أمامها إلا خياران كلاهما سيئ، إما شن الحرب مهما تكن العواقب أو جر أذيال الخيبة والتراجع على كل الجبهات.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا