>

سباقات تسلح محمومة تنذر بحروب ضارية - مصطفى السعيد

سباقات تسلح محمومة تنذر بحروب ضارية
مصطفى السعيد

اشتعل سباق التسلح العالمي بوتيرة غير مسبوقة من الولايات المتحدة إلى الصين وروسيا وأوروبا واليابان، وحتى دول الخليج وإيران وإسرائيل، رافقها مناورات عسكرية لا تكاد تتوقف، وتحذيرات تصل إلى حد التهديد المبطن أو العلني باستخدام القوة، في وقت تداخلت فيه قوات دول عظمى وإقليمية في سوريا، مع احتقان سياسي وأزمات اقتصادية حادة، جميعها تهييء مناخات ملائمة لحروب غير مسبوقة. جاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أول خطاب له أمام الكونجرس الثلاثاء الماضي عن زيادة تاريخية في الإنفاق العسكري الأمريكي بنحو 54 مليار دولار ليشير إلى نوايا وتوجهات الرئيس الجديد، الذي كان أمامه خيار تقليص الإنفاق العسكري الأمريكي الهائل، والذي يبلغ نحو 600 مليار دولار سنويا، ليخفف من حدة الأزمة الاقتصادية، لكنه اختار المزيد من الإنفاق، والإبقاء على الوجود العسكري الأمريكي في نحو 150 دولة، والقواعد المنتشرة على بقاع العالم، وترسانة هائلة من أحدث الطائرات والمدرعات والقطع البحرية وحاملات الطائرات، إلى جانب أضخم ترسانة أسلحة نووية في العالم، ويزيد الإنفاق العسكري الأمريكي عن ثلث إجمالي دول العالم.

كشفت الصين أيضا عن زيادة غير مسبوقة في ميزانية التسلح، وقالت صحيفة جلوبال تايمز المقربة من الحزب الشيوعي الحاكم: علينا زيادة الإنفاق العسكري بمعدلات كبيرة، وأن نستعد للأسوأ، مشيرة إلى التوجهات العدائية لترامب تجاه الصين.

التقرير السنوي لعام 2017 الصادر عن المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن أكد أن الصين تواصل تسلحها بسرعة أكبر، وأن مستوى تسلحها في بعض القطاعات أصبح متساويا مع الغرب، وأن التفوق العسكري للغرب الذي كان مفروغا منه أصبح موضع شك متزايدا.

حلف الناتو أعلن على لسان أمينه العام أن زيادة نفقات الحلف أولوية تواكب مطالب الرئيس الأمريكي، في وقت بدأت فيه معظم دول أوروبا زيادة موازناتها الدفاعية بعيدا عن الناتو، خشية تخلي أمريكا عن الحلف، بعد إعلان ترامب أن على الحلف أن يستعد لرفع الدعم الأمريكي، وعلى دول الخليج أن تدفع ثمن حمايتها. استطاعت روسيا أن تحقق قفزة كبيرة في صناعاتها العسكرية، سواء في الطائرات أو الصواريخ والحرب الالكترونية، وهو ما أقلق أمريكا والغرب من تنامي القوة الروسية.

السعودية احتلت المركز الثالث عالميا في الإنفاق العسكري بنحو 80 مليار دولار، وجاءت دولة الإمارات وقطر والبحرين في قائمة الدول الأكثر تسلحا، وذكرت وزارة المالية الإسرائيلية أن الجيش سيحصل على أعلى ميزانية في تاريخ الدولة العبرية، فيما أعلنت إيران أنها ستنزيد الإنفاق العسكري بمعدلات غير مسبوقة، وبررت ذلك بأنها كانت تخضع لعقوبات وحظر توريد أسلحة لسنوات، في وقت أصبحت فيه من أكثر البلدان تطورا في صناعة الصواريخ البالستية. الميزانيات العسكرية هي الجزء الظاهر من النشاط العسكري، بينما هناك نشاط سري في مجال تطوير وإنتاج أنواع جديدة من الأسلحة والذخائر، وهناك مؤشرات قوية عن تسارع وتيرة البحوث العسكرية في الكثير من البلدان.

يمكن تفسير هذا السباق المحموم على التسلح بأنه مجرد إجراءات للردع وزيادة النفوذ السياسي، لكن عندما تترافق مع زيادة في المناورات العسكرية، والتهديد باستخدام القوة فإن الأمر يبدو أكثر خطورة، فالرئيس الأمريكي أعلن أنه لا يستبعد الخيار العسكري ضد إيران، وهو ما رحب به رئيس الوزراء الإسرائيلي، وردت إيران بأنها قادرة على تدمير المواقع الحيوية في اسرائيل في غضون 7 دقائق، وهو الزمن الذي تحتاجه آلاف صواريخها البالستية في الوصول إلى إسرائيل، والمحصنة تحت الجبال. النقاط الساخنة والقابلة للاشتعال في العالم كثيرة، من أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، وحتى بحر الصين الجنوبي وتايوان وصراع الكوريتين، لكن تبقى المنطقة العربية هي المسرح الأشد سخونة، والمؤهل لاندلاع شرارات حروب أشد ضراوة، من سوريا والعراق إلى اليمن وليبيا ولبنان، فالإستعدادات الإسرائيلية لشن حرب على لبنان وسوريا ليست خافية، سواء بالمناورات المكثقة، أو باخلاء بعض المستوطنات الشمالية، معتقدة أنها أمام فرصة قد لا تتكرر بانشغال الجيش السوري في المعارك مع الجماعات التكفيرية، وانجرار حزب الله إليها، وهو ما دفع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله إلى إطلاق عدة تحذيرات لإسرائيل إذا شنت الحرب، ملوحا بضرب مستودعات الأمونيا ومفاعل ديمونة ومنصات الغاز.

أما الرئيس التركي أردوغان فيبدو مثل الحجر الدائر، الذي لابد من ارتطامه، مدفوعا بطموحات وأحلام لم يكف عن الدوران حولها، مثيرا الكثير من الزوابع والأزمات، واجتاح الحدود السورية، وتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعتها روسيا، وأطلق تصريحات نارية تجاه إيران، ومصمم على محاربة الأكراد ومطاردتهم، وتحت ادعاء محاربة داعش يريد قضم أراض في شمال سوريا والعراق، وجاء بث فيديو لمسلحين من الإيجور الصينيين في سوريا بأنهم سيفجرون أنهارا من الدماء في الصين ليزيد من مخاوف الصين من استخدام الإيجور ذوي الأصول التركستانية في قطع طريق الحرير الاستراتيجي وإثارة القلاقل.

إذا كانت مراكز الرأسمالية الأمريكية ترى أنها لن تربح سباق التجارة الحرة، وأن القوة العسكرية هي طريقها الوحيد للاحتفاظ بهيمنتها على العالم فإن صدامها مع القوى الاقتصادية البازغة سيكون حتميا، لكنه خيار سيكون باهظ التكلفة على العالم كله، ولا يمكن أن يمضي فيه إلا حمقى.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا