>

زعماء ليسوا زعماء - ابراهيم الزبيدي

زعماء ليسوا زعماء
ابراهيم الزبيدي

على الزعيم أن يحسب بدقة، ما سيعود على شعبه من أي قرار يتخذه، أو خطوة يقدم عليها. ودون ذلك لن يكون سوى مقامر لا يستحق أن يقود حتى عنزتين.
العرب إبراهيم الزبيدي [نُشر في 2017/11/15، العدد: 10813، ص(8)]
إن الذي اتفقت عليه البشرية، وصار من ثوابتها، أن الزعامة تولد مع البعض، جينة من جيناته، لا تُصنع ولا تورث ولا تُشترى.
ومعلوم أيضا أن هناك نوعين من القادة، الأول تمشي إليه الزعامة، حتى وهو لا يريدها ولا يسعى إليها. والثاني متطفل عليها يظل في نظر الجماهير التي تسلق على مناكبها، بالقوة أو بالمصادفة أو بالوراثة، أشبه بنفاية عالقة بثوب الزعامة وعالة على الزعماء.
هناك من يراه الناس زعيمَ أمة، حتى وهو بلا سلطة لا مال ولا سلاح ولا ميليشيا ولا مخابرات أجنبية تقف وراءه.
وآخر، حتى وهو في السلطة، وبيده أموال قارون، وأخطر وأحدث سلاح، وعشرات الميليشيات، يظل عابرَ سبيل في عالم الزعامة والرياسة.
وبعضٌ من الرجال يمنح كرسي الرئاسة قيمة وهيبة وكرامة، وحين يتركه لا ينقص قدْرا وهيبة وكرامة.
وبعض آخر يحط من قدر كرسي الرئاسة ويُهينه. ولعلمه اليقين بأنه لو نزل عنه لن يكون أكثر من سقط متاع، فإنه يمسك به بأسنانه وأظافره، وقد يموت وهو يقاتل من أجل البقاء عليه. ونحن في العراق لدينا زعماء، وهم خارج السلطة. ولدينا أدعياءُ زعامة كثيرون يُسودون وجوهَ الزعماء.
ومن شاهد آخر لقاء تلفزيوني لرئيس كردستان (المتنحي)، مسعود البارزاني، على شبكة سي إن إن لا بد أن يكون قد صُعق، مثل كثيرين، بالمنطق الكارثي الذي اعترف في المقابلة بأنه أدار به معركة “الاستفتاء” الأخيرة، وأوصل شعب كردستان إلى المأزق المحزن الذي وصل إليه.
يقول في المقابلة “إن الاستفتاء كان عذرا لحكومة بغداد فقط. وخطة بغداد كانت معدة سابقا، ومن وقت طويل، وما فعلته بنا لم يكن مفاجأة لي”.
“لكن ما فاجأني هو أن الذين يصفهم الأميركان بأنهم إرهابيون هاجمونا بأسلحة أميركية، وهم ينظرون”.
فهو هنا يعترف بأنه كان يعلم بما سيحدث لشعب كردستان، سواء بالاستفتاء أو بدونه، ولكنه برغم علمه ذاك كابر وعاند وهدد وتوعد. وهل ينسى أحد إعلانه المعيب عن أن حدود كردستان لن ترسم بغير الدم؟
ولو كان قد خرج بمفرده لمبارزة حيدر العبادي، على طريقة معارك الزمن الجاهلي، ويتحمل وحده أوزارها لهان الأمر، ولكنه خارجٌ لقتال حكومات وجيوش وميليشيات وهو يجر وراءه ملايين المواطنين الأكراد الذين لن تشوي غيرهم نيران حربه الخاسرة. أما هو وأبناؤه وأبناء إخوته فلن يمسهم سوء.
أما حديثه عن الأميركان وعن غدرهم، كما توهم، فله تاريخ طويل تبدأ خيوطه من العام 1990، يوم أقدم الراحل صدام حسين على احتلال الكويت.
فقد أقدم الأميركان على فرض حظر الطيران شمال خط العرض 36 حتى خط العرض 32 جنوبا، بهدف التضييق على نظام صدام حسين، وإضعافه سياسيا واقتصاديا وعسكريا، تمهيدا لإسقاطه، وليس حبا بشعب كردستان.
المحزن أن البارزاني كان عالما بأن استفتاءه المشؤوم سيجعل الشعب الكردي يخسر موانئه ومطاراته ومراكز حدوده وآبار نفطه و(قدسه) كركوك، ولم يتراجع أو يتواضع، كما فعل غيره قبل ربع قرن من الزمان
ولكن زعماء الأحزاب الكردية اعتبروا ذلك صك غفران يحصلون عليه من العم سام، وعَدُّوه إيمانا أميركيا نهائيا وثابتا بحق الشعب الكردي في الاستقلال عن العراق، وكسر أنوف الرافضين الأشداء من العراقيين والإيرانيين والترك والسوريين.
ومن العام 1991 وهم يتصرفون كأنهم كبار يلعبون مع كبار. حكومة داخل حكومة. بل أقوى من أي حكومة. حتى بلغ بهم غرور القوة والغنى أقصى حدوده المحتملة من قبل الآخرين.
وعلى مدى ربع قرن ظل السياسيون الأكراد، وخاصة مسعود البارزاني وجلال الطالباني، ينفقون من الجهد والمال، بلا حساب، ودون وجع قلب، على تعميق صداقتهم بالدولة الأميركية، وبموظفين مؤثرين في الكونغرس والخارجية والدفاع والأمن القومي والمخابرات.
ويصعب تقدير حجم الذي أنفقوه من الهدايا الثمينة، والولائم الباذخة، وتكاليف مكاتب ممثلياتهم وقصورهم في واشنطن ونيويورك، وعقودهم مع شركات العلاقات العامة، وما خفي كان أعظم.
وفي لقاءاتنا أيام المعارضة العراقية السابقة كان كبارهم يُباهون بصداقاتهم مع هذا الرئيس الأميركي، وذلك السناتور والنائب والوزير والموظف الكبير المسؤول في الدفاع والخارجية والسي آي أي، بما يوحي بأن علاقتهم بأميركا أصبحت من ثوابتها التي لن تتغير، مهما تغيرت الإدارات. وكأن كردستان العراق صارت لأميركا بمنزلة إسرائيل من أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية الراسخة، أو يزيد.
وهذا هو الخلل المميت في مجمل سلوك السياسيين الأكراد، ومسعود البارزاني أولهم وأكثرُهم تعلقا بحبال ذلك الوهم الكبير. فقد غاب عنه، وعنهم، أن الصغير حين يلعب مع الكبار لا يتخذون من الصغار أندادا، بل أدوات يستخدمونها عند الحاجة، ووقت الضرورة، وحين تنتهي هذه الحاجة يرمونها في أقرب سلة مهملات. والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى.
وكان على الزعيم البارزاني، وعلى غيره من السياسيين الأكراد أيضا، أن يدركوا أن العالم، من أيام أبينا آدم وحتى اليوم، عالم مصالح وحساب ربح وخسارة، ولا مكان لقيم ومبادئ وصداقة.
وعلى الزعيم، إن كان زعيما بحق، أن يحسب وبدقة، ما سيعود على شعبه من أي قرار يتخذه، أو خطوة يقدم عليها. ودون ذلك لن يكون سوى مقامر لا يستحق أن يقود حتى عنزتين.
والمحزن الذي كشفته المقابلة التلفزيونية تلك أن البارزاني كان عالما بأن استفتاءه المشؤوم سيجعل الشعب الكردي يخسر موانئه ومطاراته ومراكز حدوده وآبار نفطه و(قدسه) كركوك، ولم يتراجع أو يتواضع، كما فعل غيره قبل ربع قرن من الزمان.
ومؤكدٌ، مئة في المئة، أن من يحلم بأن يظل حاكما حتى لو احترق وطنه كله، ومات أهله أو جاعوا، إما مختل وإما منحرف وإما مسكون بالشياطين.
بعبارة أخرى، كيف يمكن أن يحكم واحدٌ دولة بلا جيش ولا شعب ولا حـدود ولا موانئ ولا مطارات ولا ثروات ولا أمن ولا أمان؟
كاتب عراقي
إبراهيم الزبيدي



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا