>

خطة تزوير الانتخابات الأمريكية

سهير حلمى

عربة تجرها الخيول.. وامرأة تتشح بالسواد يكللها الحزن والقهر بغلالة رقيقة وصغار يبكون ورجال لا يندمون ومعاناة لا ينهيها إلا سكون صوت البارود.. سبعة رجال خارجين عن القانون يطلب أهالى إحدى القرى مساعدتهم للتصدى لعصابة تحاول استغلالهم هم العظماء السبعة الذين أعادتهم السينما الأمريكية للحياة هذا الشهر مرة أخرى.. جذور القصة من الساموراى السبعة.. أى الرجال الذين يضعون أنفسهم فى خدمة الآخرين.. على صهوة جواده يلوح الكاوبوى من وراء الأفق وجهه دائما للشمس والظلال وراءه.. منفيا فى ذاته.. لا أهل ولا زوجة أو حبيبة.. حياة على الحافة.. لا يبحث عن النساء ولكنهن سيبحثن عن أصداء مغامراته وذيوع صيته فى الفروسية والرماية.
....................................................................

من الذى لا ينبهر بمهارة رجل يستطيع التصويب على دولار معدنى وهو يطير فى الهواء ! فعلها جلين فورد فى فيلم "أسرع الرماة" قانونه قانون الغاب لا يعنيه خلاص الآخرين.. والعدالة لا تتأتى إلا بالقوة.. عبث الحياة وجفافها ونفى الآخر وإخراجه من معادلة البقاء.. هو القاضى والجلاد فى آن واحد.. قد يتسربل بالفروسية والنبل إذا دعته الظروف وكانت مواتية له.. لكن خيانة الحليف والغدر به والسلب والنهب وقطع الطريق ممارسات تتواكب مع التناقضات التى يتصف بها من كسل وهمجية وجموح.. الأناقة المستمدة من طبيعة الغرب الأمريكى متجسدة فى قميصه المشدود على جسده كالدرع وقبعته التى تتسع لمغامراته وشطحاته ومشواره الطويل.. يرتدى حذاء مدببا.. مزودا بحديدة خلفية يدفع بها باب الحانة بعصبية عندما تتأزم الأمور.. ببشرته البرونزية التى عبثت الشمس بغضونها ومهرتها بما مر به من أحداث وشجون ستتولد لديه طاقة كبرى على التقاط الخطر.. متطلعا للتحكم والسيطرة ورد سهام الهنود الحمر والقضاء عليهم من أجل الحصول على (الجائزة الكبرى) من التقدير المادى والمعنوى، وكلما زاد القتلى زاد العطاء والمنح.. بسيطة هى معيشته.. زمزمية نحاسية عتيقة.. وكوفية تطوق عنقه فى الشتاء وشباك مكسور وباب منتهك وسرير صغير يقض مضجعه فى الحال إذا لاح أى صوت غريب.. يتحسس مسدسه إذا احتد النقاش.. منهمك فى تأملاته وهو ينفث سيجاره الذى لا يفارقه يؤنسه بعبقه.. يقتطع طرفه ويستعدله باحتراف.. فراغه يملؤه ببراعة فى لعب البوكر ومشاجراته متعلقة دوما بورق الكوتشينة.. دستوره المصلحة وغايته غامضة وحلمه الربح باى وسيلة ولو جاء بطعم الغدر والخيانة.. قد ينحاز للضعفاء ولكن فور انتهاء انفعاله الطارئ يخرج صامتا من المدينة متطلعا لمكان آخر.. فى صحراء التيه تصنع أسطورة الكاوبوى فى أفلام لا نشاهد فيها أبقارا ولكن نلحظ ظلالها أحيانا مخلفة وراءها سحب الغبار.. كسر القيود وفكرة تمديد الحدود والتطلع للاتساع والوثب فى الفراغ من أبرز صفاته.. اعترف هنرى كيسنجر أن الكاوبوى كان من مصادر السحر والجاذبية التى أثرت فى أسلوبه فى المفاوضات خاصة فى فيتنام.. ونصح عراب السياسة الأمريكية منذ عقود بتغيير سياسة الكاوبوى السافرة واعتماد أسلوب التدخل عن بعد بديلا للاحتكاكات والحروب.. ومن خبرته استشعر أن الصين ستتمدد بما لا يسمح معه معاداته بل إن من الحكمة جعلها حليفا لأمريكا.

عقلية أفلام الويسترن فى تكساس وكاليفورينا ونيو مكسيكو وأريزونا لا تعرف النظر إلى الوراء.. والصراحة تصل إلى حد الوقاحة.. والعراق وأفغانستان وفيتنام لن تختلف السياسة معها عن الحروب التى كانت تدار فى تلك الولايات فى الأفلام.. القتيل نصيبه طلقة واحدة من قناص ماهر يعود بجسده إلى أديم الأرض بلا جنازات أو مراسم.. فى الأيقونة السينمائية "الطيب والشرس والقبيح" قتل كلينت ايستوود الطيب أكثر من الشرس والقبيح فى عالم تحكمه المشاهد ويتم تحويلها لواقع.. لابد أن نتوقف أمام مشهد الطيب "كلينت ايستوود" وإيلى والش "القبيح" ولى فإن كليف "الشرس"، وهم يترصدون بعضهم البعض بالنظرات.. يتسابقون على الذهب وأيهم أسرع فى التصويب والقتال للفوز بالمغنم الثمين.. فى علاقة بديعة يرتبط مصير القبيح بالطيب.. حين يعرف كلمة سر المقبرة المدفون فيها الذهب من جندى جريح يتلهف على شربة ماء تساوى بالنسبة له الحياة.. فيذهب القبيح ويرق قلبه لإحضار الماء فى اللحظة التى يعود فيها ليجد الجندى قد فارق الحياة وترك اسم القبر مع الطيب.. أى أن كلا منهما معه نصف الحقيقة.. لا يستطيع القضاء على الآخر ولا تركه منفردا بما يعرفه من معلومات.. وعلى موسيقى عواء الذئاب الشهيرة فى الفيلم يفوز الطيب على منافسيه بعد قتله للشرس وتكبيله للقبيح ووضعه تحت حبل المشنقة مصحوبا بنصيبه فى الذهب.. ومن بعيد يطلق رصاصة صائبة تقطع الحبل.. كما كان يفعل معه عبر الفيلم حين تعرض السلطات القانونية عن جائزة كبرى لمن يقوم بتسليم القبيح فكانا يلعبان اللعبة نفسها ويستلم كلينت ايستورد الجائزة المالية وفى لحظة شنقه كان يقوم بإطلاق الرصاص لتحريره واقتسام النقود معه.. وهلم جرا.. ومازالت القرصنة والمعلومات تحكم العالم.. لم تتغير إلا الوسائل فى السينما وتطورت التكنولوجيا بالنسبة للمعلومات.

حين أصدر جوجل قائمة بالكلمات الأكثر بحثا فى العالم سنة 2015 من بين أكثر من 3.5 مليار عملية بحث لمعرفة اهتمامات الناس عبر العالم، كان فيلم "American Sniper" (القناص الأمريكى) من أكثر الكلمات بحثا على الموقع.. والفيلم مستمد من قصة حقيقية لقناص أمريكى فى العراق يدعى (كريس كايل) قتل أكثر من 200 شخص تم توثيق ما يقرب من 160 حالة منهم والفيلم من إخراج أشهر كاوبوى (كلينت ايستوود) أيضا.. عزز الفيلم ارتباط العنف بالعرب والمسلمين.. وتم توظيفه سياسيا والمشكلة تأتى من تكريس الفكرة واستغلال سحر السينما وهيمنتها فى نشر الأفكار.. وقابليتها للتحريض وحشد الآراء.. وقائمة الافلام المختارة والمعززة من قبل الجماهير فى السينما العالمية مؤخرا تؤكد أن المزاج العام يفضل افلام الويسترن.

نحن بصدد مجتمعات ومشاهد صنعتها السينما تنتقل الدفة إلى العالم الرقمى والسوشيال ميديا وتقنيات الواقع المعزز ببعض الألعاب كالبوكيمون لنكتشف اختلاط الجد بالهزل والواقع بالافتراضى.

فى أواخر العام الماضى أيضا أعلن معهد الفيلم الأمريكى عن قائمته لأهم جملة حوار فى تاريخ السينما وجاءت عبارة كلارك جيبل فى فيلم "ذهب مع الريح" فى المرتبة الأولى: "بصراحة يا عزيزتى.. أنا لا أعير اهتماما لأى شىء"، وعبارة فيلم "العراب": "سأتقدم إليه بعرض لا يمكنه رفضه" ثم عبارة فيلم "حرب النجوم": فلتصاحبك القوة أينما ذهبت" لتعطينا انطباعا ومؤشرا دالا عن الصورة التى تحكم رؤية النقاد لأمريكا وسياستها وفلسفتها: عدم الاكتراث بالآخرين وتفضيل القوة والتحلى بها فى (العرض والطلب).

منذ أيام تسلل قراصنة إلى أنظمة التصويت الأمريكى فى كثير من الولايات وتم الإعلان عن الحادث وتولت جهات التحقيق الأمر برمته.. وحذرت من التدخل عن عمد فى أنظمة الاقتراع.. وأصبحت الكارثة الكبرى ليست سرقة البيانات أو المعلومات ولكن التلاعب بها وتغييرها الأمر الذى ينذر بكارثة دعت بعض المشرعين فى الحزب الديمقراطى فى الكونجرس إلى اتهام روسيا بأنها وراء الاختراق.. الذى يهدف بالأساس لقرصنة الديمقراطية.. وليست المرة الأولى.. فقد قام باحثون من جامعة ميتشجن بالسيطرة التامة على اقتراع فى واشنطون وفى غضون 48 ساعة تمكنوا من السيطرة عليه وتغيير البرنامج كلما ضغط الناخب على زر الاقتراع.. ولم يكتشف الأمر إلا حينما طلبت سيدة عجوز الإدارة المحلية لتشكرهم على سهولة الاقتراع والأغنية الجميلة التى سمعتها من قبل القراصنة.. ترى هل يتعقد مشهد الانتخابات الأمريكية من قبل مرشح مشاغب بطبعه مثل ترامب وهل سيتصيد أى خطأ مماثل ولو صغير لينفتح سيل من المشكلات بينه وبين هيلارى كلينتون لن تنتهى بسهولة.

وفقا لقانون مور الذى تنبأ بتضاعف عدد الترانزستورات كل عامين فى البوصة المربعة.. أصبح ارتبطنا ووجودنا الإنسانى مرتهنا بمشاهد تكنولوجية ارتفعت معدلات التطور بصورة لا نستطيع استيعابها إلا عن طريق الأفلام السينمائية. فوفقا لهذا القانون سيعادل التقدم الذى سنشهده فى القرن الحالى تقدم 20 ألف سنة، وأعلن العالم الأمريكى الكبير كورتسفايل أن الآلات ستتجاوز ذكاء البشر بحلول عام 2045 وسيتمكن الروبوت مستقبلا من تنفيذ المشاريع وتقديم المساعدة واتخاذ القرارات والتعامل بأسلوب اجتماعى.. بل إنه سيحظى بالاحترام الذى سيحظى به أى مدير.. العالم يتسع للتكنولوجيا الرقمية بقيم الكاوبوى التى لا تستنكف الجريمة لتحقيق أغراضها وتستخدم التهديدات والسلب والنهب لإشباع غرائزها وأطماعها.. عالم الجريمة الإليكترونية ينسحب منه الحوار واللغة تتناقص لصالح الافتراضى لا الواقعى.. ألم يقل رولان بارت: "أفراد العصابات والآلهة لا ينطقون، أنهم يؤمنون وكل شىء يتحقق" يا له من عالم هش يحكمه رعاة البقر وشاشة زرقاء. !



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا