>

حول مؤتمر باريس.. لماذا يرفضه عراقيون ويقبله آخرون


ابراهيم الزبيدي

إذا كانت أميركا جادة، قولا وعملا، في احترام مؤتمر باريس، وتوصياته وقراراته، فمعنى ذلك أنها اكتشفت، ولو متأخرا، سوء فعلتها بحق العراق والعراقيين، حين سلطت حفاة الأمس على مقدراتهم وكراماتهم وثرواتهم وأمنهم.
العرب إبراهيم الزبيدي [نُشر في 31/05/2016، العدد: 10292، ص(8)]

حين يقال الحق، حتى لو أريد به الباطل، فهو الحق، مهما كره الكارهون. مناسبة هذا الكلام حملات القذف والشتم والتخوين والتهديد التي هبت على مؤتمر المعارضة العراقية في باريس، من أطراف عراقية وعربية متناقضة متخاصمة متعاركة جمعها، معا، خوفها وكرهها لمؤتمر باريس، وهي التي تجاهلت واستصغرت المئات من المؤتمرات السابقة التي عقدت في السنوات الأخيرة لمعارضة اللعبة السياسية العراقية التي شهد القاصي والداني بأنها فاشلة، وبأنها أساس خراب البصرة، وضياع الموصل، ودمار الفلوجة والرمادي، وإغراق شوارع العاصمة بالسواد.
ولا يعني هذا الكلام دفاعا عن مؤتمر باريس، ولا تزكية له من تبعيته لأطراف خارجية، دولية وإقليمية، توجه خطابه، وتصوغ آلياته، وتحدد أهدافه وقراراته.

ولكن الذي عارض هذا المؤتمر (العميل)، اليوم، لم يعارضْ مؤتمرا (عميلا) مثله بالأمس. فكيف ينسى العراقيون والعرب والعالم أن مؤتمرات المعارضة العراقية السابقة التي أوصلت عرابيها وقادة أحزابها وتجمعاتها وميليشياتها وكتابها وخطباءها ووعاظها إلى القصر الجمهوري، وإلى مبنى رئاسة الوزراء، وإلى قبة البرلمان، وجعلت منهم، ومن أبنائهم وإخوتهم وأبناء أعمامهم وأبناء أخوالهم وأصهارهم وخدمهم وحراسهم، سفراء ومدراء وأصحاب عمارات وشركات وطائرات خاصة ويخوت مذهبة، بعد أن كانوا لاجئين يتقوتون بمساعدات دوائر الضمان الاجتماعي البريطانية والأميركية والفرنسية، أو يتسكعون في مقاهي دمشق وعمان وبيروت، ويتسقطون عطايا مخابراتها التي استضافتهم لقبولهم بالانضمام إلى صفوف المجندين لخدمتها، وليس بسبب معارضتهم لنظام صدام حسين، وحدها.

وحين كان السفير الأميركي المعيّن لدى المعارضة العراقية السابقة، فرانسيس ريتشاردوني، ومن بعده زلماي خليل زادة، يتولى صياغة الصغيرة والكبيرة من شؤون مؤتمراتهم، ويحمل حقيبة الدولارات التي ينفق منها على طعامهم وشرابهم، وترويج صورهم وأخبارهم، وحماية قادتهم الذين كانوا يتسابقون لتقبيل وجنتيه، أو على احتضانه بحب وشوق وامتنان، لم تكن أميركا، يومها، تتآمر على العراق، ولا بريطانيا تعتدي على السيادة الوطنية، ولا فرنسا تهين العراقيين.


ودعوني أنقل هنا تصريحا قديما لحامد البياتي، عضو اللجنة التحضيرية لمؤتمر المعارضة العراقية في لندن 2002، وممثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في بريطانيا والولايات المتحدة، أكد فيه لصحيفة (الشرق الأوسط) في عددها 11 ديسمبر/ كانون الأول 2002 العدد 8779 “أن قائمة الإسلاميين في المؤتمر تضم ما نسبته 40 بالمئة، بينهم 33 بالمئة من الإسلاميين الشيعة و7 بالمئة من الإسلاميين السنة، وذلك استنادا إلى النسب التي اعتمدت في مؤتمر صلاح الدين الذي عقد عام 1992 وانبثق عنه (المؤتمر الوطني العراقي الموحد)، ولا تراجع عنها”.

وقال “لقد حددنا ثلاثة أهداف للمؤتمر، هي:


◄ الاتفاق على خطاب سياسي موحد للمعارضة العراقية بما يتناسب مع المرحلة الراهنة.


◄ رسم تصور لمستقبل العراق والمرحلة الانتقالية بعد تغيير النظام إلى حين إجراء انتخابات حرة وديمقراطية.


◄ الاتفاق على لجنة للمتابعة والتنسيق تقوم بمتابعة قرارات المؤتمر”.

أما مآخذ شيعة السلطة الحالية القائمة في المنطقة الخضراء، وسنتها أيضا، على مؤتمر باريس فتتلخص في أنه “تحرك أميركي شبيه بالتحرك الذي حصل للإطاحة بنظام صدام حسين. فالشخصيات الأميركية التي دعمت المعارضة العراقية السابقة ضد صدام، بالأمس، من 1991 وحتى 2003، هي ذاتها التي تدعم اليوم مؤتمر باريس، وتنظم شؤونه”.

بعبارة أوضح، إن الذين كانوا يدعمون المعارضة، بالأمس، للإطاحة بجماعة صدام حسين، يدعمون، اليوم، جماعة صدام للإطاحة بالعملية السياسية الحالية.

ولكننا حين نتابع ما دار في مؤتمر باريس من مناقشات ومحاورات ومحاضرات وتصريحات لا نجد ما يوضح هويته وخطابه وأدبياته أفضل من نقطتين هامتين وردتا في تصريح للسيناتور الجمهوري السابق ديفيد ويلدن، أحد المشاركين الرئيسيين في المؤتمر، حيث قال؛

- “إن المشرعين الأميركيين صوتوا لصالح غزو العراق، بناء على ما قدم لنا من معلومات، وأعترف بأن تلك المعلومات كانت مضللة وخاطئة”.

- إن “ما يجري في سوريا من أعمال مروعة هي نتيجة للوضع الكارثي في العراق الذي يعاني من الفساد والفوضى”.

أما السيناتور الأميركي السابق في إدارة بوش، جيرالد ويلر، فقد قال:

إن “خطر الميليشيات في العراق وسوريا لا يقل عن خطر داعش، وهناك تجاهل لانتهاكاتها الخطيرة”.

فهل في هذا ما يخالف الحقيقة، ويباين الواقع المعيش؟ وإلا فما بال ساحات العاصمة والمحافظات وشوارعها تشتعل كل أسبوع، وكل يوم، وكل ساعة، بالتظاهرات والاعتصامات والهتاف العالي: “باسم الدين باقونا الحرامية”؟

إن ما قاله المشاركون في مؤتمر باريس هو الحق، بلحمه وشحمه، حتى لو أرادوا به باطلا.

وإذا كانت أميركا جادة، قولا وعملا، في احترام مؤتمر باريس، وتوصياته وقراراته، فمعنى ذلك أنها اكتشفت، ولو متأخرا، سوء فعلتها بحق العراق والعراقيين، حين سلّطت حفاة الأمس على مقدراتهم وكراماتهم وثرواتهم وأمنهم. ويوحي بأنها تريد أن تمسح عن تاريخها ذلك العار، وتستغفر عن ذنبها ذاك، وتعوض العراقيين عما أصابهم منها من مصائب وكوارث وفواجع وخراب بأن تعاونهم على إزاحة كابوس الاحتلال الإيراني الطائفي العنصري الإرهابي المتجبر عن صدورهم، وتنهي عصر الميليشيات، وتدع الشعب العراقي يختار حكامه، بحرية كاملة، ودون تدخل أو وصاية من أحد، كائنا من كان.

سؤال مهم وأخير، لو صدق عزم أميركا، ومعها حلفاؤها، على فعل ما تريد، هل ستمنعها أحزب المحاصصة وميليشياتها الهزيلة المبعثرة المتناحرة عن فعل ما تريد؟ ولو كان في إمكان أحد أن يمنعها لتمكن صدام حسين، بجيوشه الجرارة المتماسكة، وبحزبه القوي وحرسه الجمهوري وفدائييه وأنصاره الكثيرين، من ردعها، ولحمى نظامه من السقوط.

اللهم أشهد بأنني لست من أحبة مؤتمر باريس، ولا من خصومه، أجمعين.


كاتب عراقي



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا