>

حول التصعيد الأمريكى- الإيرانى - د.نيفين مسعد


يسعى هذا المقال للمشاركة فى النقاش الدائر حول أزمة الصواريخ الباليستية الإيرانية من خلال مجموعة الملاحظات التالية :

الملاحظة الأولى هى أنه من المعلوم أن الجمهورية الإسلامية لها تاريخ طويل فى تطوير تجاربها الصاروخية، لكن التجارب التى تجريها بالذات عقب تحولات دولية كبيرة تهدف إلى تأكيد أنه لاشىء ينال من تمسكها بقدراتها الصاروخية. ولذلك فإنه رغم أن أوباما كان رئيسا «طيبا» فى علاقته بإيران كما وصفه خلفه ترامب فى إحدى تويتاته النارية فإن هذا لم يمنع إيران فى عهده من إجراء التجارب على الصواريخ الباليستية متوسطة المدى الواحدة منها تلو الأخري، وأتوقف هنا تحديدا عند التجربة الصاروخية التى تمت فى مارس2016 أى بعد أسابيع قليلة من دخول الاتفاق النووى حيّز التنفيذ فى يناير 2016 والتوقيت مهم لأن إيران كان يفترض أنها تفتح صفحة جديدة مع العالم مع بدء سريان الاتفاق النووى والرفع التدريجى للعقوبات، لكن المسئولين الإيرانيين أرادوا تثبيت أمر واقع وتأكيد «لا أحد يقدر على تجميد برنامج بلادهم الصاروخي. ثارت فى حينه ثائرة أمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وكلها دول شريكة فى توقيع الاتفاق النووي، وبعثت هذه الدول برسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة تقول فيها إن إيران تحدت بإطلاقها صواريخ قادرة على حمل أسلحة نووية قرار مجلس الأمن رقم 2213 وهو القرار المؤيد للاتفاق النووي. ومن جانبه أعد بان كى مون تقريره حول هذا التطور ووصفه بأنه الا يشجع الروح البناءة للاتفاق النووي» لكنه لم يوضح ما إذا كانت تجارب الصواريخ الباليستية تمثل انتهاكا للاتفاق النووى من عدمه. ورد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمى على التقرير السابق بعنف ووصفه بـ «غير المتزن وأحادى النزعة» مؤكدا أن بلاده لا تسمح لأحد بإبداء وجهة نظره حول منظومتها الدفاعية.

وبالتالى فإن إيران عندما تجرى تجربة صاروخية جديدة بعد أيام من تسلم السلطة فى البيت الأبيض فإنها «لا تصلى على النبي» كما ذكر الدكتور خطار أبو دياب على الـ «بى بى سي» العربية بل إنها تعيد إرسال رسالتها للعالم التى أرسلتها فى مارس 2016: إن البرنامج الصاروخى باق ومستمر ويتطور. وكل ما صنع الفارق بين مشهدى مارس2016 ويناير 2017 هو الموقف العدائى المسبق لترامب تجاه إيران مما أدى إلى أن يصل الأمر إلى حد التهديدات العسكرية المتبادلة. وبينما أن «طيبة» أوباما تجلت فى عدم توقيعه العقوبات التى فرضها الكونجرس على إيران فى ديسمبر 2016 فإن عقوبات ترامب وجدت بيئة تشريعية مواتية.

الملاحظة الثانية هى أنه مع صعوبة التنبؤ بسلوك الرئيس الأمريكى الجديد إلا أننى أتصور أن تصعيده مع إيران سيظل له سقف محدد هو استهداف هذه الأخيرة بمزيد من العقوبات، وأعزو ذلك إلى مجموعة متغيرات أساسية، أحدها القدرة الإيرانية الفائقة على الجدل والمحاججة والتى تجلت فى مفاوضاتها النووية، فكما ثبتت ايران على الدفاع عن سلمية برنامجها النووى فإنها ستظل تؤكد أن صواريخها لا تستهدف حمل رءوس نووية، أما الحقيقة فهى أن قوة إقليمية ذات قدرة نووية صاروخية تفرق كثيرا جدا فى تحقيق مشروعها السياسي. المتغير الثانى هو القواعد التى تحكم عملية التفاعل الكيميائى بين الأطراف المختلفة، فمن الصحيح أن ترامب وطاقمه من صقور اليمين الأمريكى إلا أن الواقع على الأرض من المفترض أن يضبط اندفاعهم. يقال إن الكلب المسعور (وهذا هو لقب وزير الدفاع الأمريكى جيمس ماتيس) لا يعقر إلا الشخص الخائف وإيران تبرهن أنها لا تخاف، تهدد بمعاقبة شخصيات ومؤسسات أمريكية، كما تهدد بأن تمطر صواريخها الأهداف الأمريكية -وما أكثرها فى منطقة الخليج العربي. المتغير الثالث يرتبط بالموقفين الروسى والصينى المدافعين عن البرنامج الصاروخى الإيراني، ويرتبط أيضا بمواقف دول الاتفاق النووى التى آخر ما تتمناه مواجهة عسكرية مع إيران ومازالت قضية اللاجئين السوريين تقُض مضاجعها.

إن من يتأمل تصريحات وزير الخارجية الفرنسى فى إيران ورئيسة وزراء بريطانيا فى إسرائيل يجدها دالة على تمدى الحرص على الاتفاق النووى ، فليس من المعقول إذن أن تنقذ هذه الدول الاتفاق النووى وتؤيد عملا عسكريا ضد إيران، بل إنها وهى تخشى تطور التجارب الصاروخية الإيرانية ليست متحمسة لتوسيع العقوبات الأمريكية على إيران كى لا تتأثر بها هى نفسها،وقد سبق أن تعرض بنك بى إن بى - بارى با قبل سنوات لعقوبات بلغت 8٫9 مليار دولار بسبب انتهاكه سياسة العقوبات.

الملاحظة الثالثة تتعلق بما يقال عن أثر اندفاع ترامب على صعود اليمين فى إيران وهى تنتظر انتخابات الرئاسة وهذاصحيح ، لكن من جهة أخرى فإنه فيما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة تحديدا فإنها تدار بواسطة المرشد، بمعنى أن إدارة روحانى «المعتدلة» ما كانت لتفاوض أمريكا دون إذن المرشد ورضاه. ومن المهم التذكير بأن المفاوضات السرية حول البرنامج النووى الإيرانى بدأت فى عام 2009 أى فى ذروة إدارة نجاد «المحافظة»، وقد ذكر ذلك على أكبر سيبويه سفير إيران فى مسقط عام 2014 حين قال إن التفاوض بدأ قبل 5 سنوات. بمعنى آخر نعم سيزيد صعود اليمين الإيرانى من تصعيد التوتر مع الولايات المتحدة لكن المرشد وحده هو من يتحكم فى حدود هذ التصعيد ونتائجه.

الملاحظة الرابعة والأخيرة تتصل برد الفعل الإسرائيلى الفج على التجربة الصاروخية الإيرانية وهو رد فعل لا يوصف إلا بالمثل الدارج »إذا لم تستحِ فافعل ما شئت« فإسرائيل التى دعت مجلس الأمن للتحرك ردا على هذه التجربة هى التى رفضت بصلف قرار المجلس بشأن الاستيطان فى ديسمبر 2016، وهى التى أعلن رئيس وزرائها أن بلاده لن تمتثل للقرار الدولى وأنها ستعيد تقييم علاقتها بالأمم المتحدة بمجملها، إسرائيل التى شرع برلمانها قبل أيام الاستيطان فى الأراضى الفلسطينية المحتلة بقانون التسوية ضاربة بالقرار الدولى عرض الحائط تدعو الآن المنظمة الدولية للتدخل ضد إيران! لكن الموقف الإسرائيلى لم يثر الاهتمام بل وجد من يرحب به فى ظل الخلاف حول ترتيب مصادر تهديد الأمن القومى العربي، وكأن منطقة الشرق الأوسط التى بلغت حرارتها درجة الغليان ما زالت تحتاج إلى مزيد من قطرات الزيت.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا