>

حلب نهاية دولة .. والموصل بداية غربة


د. عبدالله بن موسى الطاير

أي تسليح للمقاومة السورية "سيفضي إلى بذل روسيا ما هو أكثر، وتسخير إيران ما هو أكثر، فضلًا عن انخراط أوسع لـ(حزب الله)، و(جبهة النصرة). السعودية وتركيا في هذه الأثناء، سوف تضخان جميع ما لديهما من أموال موكلة إليهم، وكل ذلك سينتهي في نهاية المطاف بالقضاء عليكم جميعًا"، هكذا وضع الوزير جون كيري سيناريو نهاية سوريا، ثم بسط على الطاولة القرار الأمريكي وشرحه بوضوح للمجتمعين "إن حل الأزمة السورية يكمن في الذهاب إلى انتخابات بمشاركة رئيس النظام السوري بشار الأسد".

هذا التسريب المتعمد، أفصح فيه جون كيري عن بعض مفردات الاتفاق السري مع روسيا، والذي لم يطلع عليه حتى أقرب حلفاء أمريكا، فالأمريكيون والروس توافقوا على بقاء الأسد، وعلى أن السعودية وتركيا وقطر تدعمان التنظيمات الإرهابية في سوريا، وأن إيران شريك أساس في حرب الإرهاب، وهذا يذكرني باعتبار أمريكا يومًا ما "شارون" رجل سلام. إلى هنا والأمر لا يحتاج لكثير عناء لنفهم أن الإدارة الأمريكية تقدم خطة على محورين، الأول بقاء الأسد، والثاني الدعم الإنساني للسوريين. ففي الوقت الذي تنهال الصواريخ والقنابل الروسية على حلب، تقوم أمريكا بتشتيت الانتباه العالمي، من خلال تصريحات نارية تعرض بالروس، وتتوعد بالويل والثبور، ليصل التأزيم مداه باجتماع لمجلس الأمن القومي الأمريكي، لبحث خيارات عسكرية ضد الأسد، ثم يخرجون بعد ذلك بالتأكيد على البحث عن حلول سياسية. أما روسيا فتقرع طبول الحرب، وتستدعي بحسب بعض المصادر عوائل دبلوماسييها في الخارج، وتنشر صواريخ متقدمة في سوريا، وفي ذات الوقت ينعقد اجتماع لوزان بحضور الوزيرين الروسي والأمريكي للبحث في مقترحات دي ميستورا.

ما هي مقترحات دي ميستورا التي راقت للروس والإيرانيين؟ إنها ببساطة بعض مخرجات الاتفاق السري، والتي تقضي بخروج المقاومة من حلب، وسيكون هو شخصيًّا دليلهم إلى المنفى الآمن، وتسليم حلب للنظام، وإسدال الستارة على جرائم روسيا والأسد والإبادة الجماعية التي ارتكبت بحق الحلبيين خصوصًا والسوريين عمومًا. يبدو المشهد ملهمًا، فالسوريون أخيرًا سيتوجهون لصناديق الانتخابات، ولكن لا نعلم في أي بلد سيكون ذلك، فسوريا لم يبق منها سوى بيت النظام والسفارة الروسية. وهي فعليًّا دولة محتلة من قبل الروس وإيران والمليشيات المسلحة، فمن سيصوت لمن؟ ومن سينتخب من؟ وكيف؟ أم أن موضوع الانتخابات ليس سوى تهيئة بيئة معقولة لاستكمال مخطط التقسيم.

ما يحدث في سوريا هو توافق روسي أمريكي إيراني، ودول مؤيدة خلف الأبواب الموصدة، وأخرى مغلوبة على أمرها، ومعارضة ساذجة. حلف الأسد في لوزان بقيادة الروس توسع ليشمل إلى جانب إيران كلًّا من مصر والعراق، وهو أيضًا مما نص عليه الاتفاق السري. في حلب تكتب نهاية دولة، وفي الموصل تكتب بداية حقبة من الاغتراب. ما يحدث في الموصل لا ينفك بحال عما يحصل في حلب، والنتيجة في نهاية المطاف إبادة العرب السنة، ومن بقي منهم سيكونون في دولة أو مكون فيدرالي أو كونفدرالي أو حكم ذاتي في المنطقة الأفقر والأجدب في سوريا والعراق. كل المؤشرات تجتمع في غاية واحدة وهي دويلات على أسس عرقية ومذهبية، وتلك خطة أمريكية كتبت عنها منذ أكثر من عشر سنوات وأراها اليوم تتحقق كفلق الصبح.

الأمم المتحدة من خلال ممثلها السامي إلى سوريا دي مستورا وأمريكا وروسيا، تدير الإبادة بشراء الوقت، فقد أعلنها كيري بأنه لا دعم للمقاومة، وأن عليهم قبول الأسد، وحيّد السعودية وتركيا. ما يدعو للدهشة هو التدليس الذي تسوقه تصريحات مسؤولين ووسائل إعلامية غربية تقرع طبول الحرب، في الوقت الذي تنجز فيه روسيا وإيران المهمة القذرة التي استنكف الأمريكيون القيام بها بأيديهم.

الفصل الأخير في تاريخ داعش الأسود يكتب الآن في الموصل، بعد سقوط دابغ وقرب اجتياح الموصل، فقد انتهى دورها، وبقي تقسيم المغانم التي خلفتها وفقًا لمصالح أمريكا وروسيا وإيران وإسرائيل. في نهاية المطاف ستكون هناك دولة كردية على نحو يقبل به الجيش التركي والحرس الثوري على مضض، وستعوض تركيا ببعض أراضي سوريا القديمة، وسيحكم الأسد سوريا الجديدة التي ستكون تحت الوصاية الروسية ردحًا من الزمن، وربما تلحق بها أراض لبنانية، بعد أن يؤمن ارتداد مناسب لأمن إسرائيل، وسيكون للشيعة العرب دولتهم من بغداد جنوبًا إلى ما شاء الله.

إيران سوف تمدّ وصايتها على الشيعة العرب في حيزهم الجغرافي، وأمريكا وإسرائيل سوف تبني جسورًا مع الأكراد، وقد تتخلى إسرائيل عن القدس الشرقية لصالح الأردن في مقابل التطبيع العلني مع إيران، وأن تكون الأردن أو سيناء هي الأرض البديلة للفلسطينيين. التسويات القادمة ليست باختيار الشعوب والأنظمة، إنها وصفة أمريكية تهدف لإعادة الاستقرار للمنطقة، كاستدراك على التقسيم البريطاني الفرنسي غير العادل الذي جعل هذه المنطقة بؤرة لعدم الاستقرار على مدى مئة عام. هذه ليست مؤامرة، إنها خطة مكتوبة وسبق أن نشرت، ونشرت خرائطها، وقد فات الأوان تقريبًا لتدارك جلّ ما في تلك الخطة.

ما استجد من تعديلات تتعلق بشرق ليبيا وهي المنطقة النفطية، التي ربما تصار إلى مصر في مقابل سيناء، وسوف يتخذ الإرهاب وفرع داعش في ليبيا مبررًا لحماية الاقتصاد العالمي ومنع الإرهابيين من الوصول إلى مصادر الطاقة.

إن اجتماع الدين والنفط بيد السعوديين مقلق للأمريكيين والروس على حد سواء، واستهداف العرب السنة في سوريا والعراق، إنما هو استهداف لامتدادات المملكة وقوتها خارج حدودها، كما أن أول بؤر التأثير على المملكة وتهديد استقرارها قد يكون بنقل مقر داعش المركزي إلى اليمن.

كما أشرقت شمس عام 1917م على عالم شرق أوسطي مختلف، فإن شمس ديسمبر 2017م (قد) تغرب عن عالم شرق أوسطي مختلف. السنة القادمة كافية لإنضاج الطبخات جميعها؛ الحدود والتحالفات والعلاقات الاستراتيجية واللاعبون التقليديون من دول المنطقة كلها سيطالها التغيير. المحزن أن هذه المنطقة لم تهنأ بمئة عام مضت، ولا أظن الأمريكيين قادرون على إحلال السلم والوفاق بين 40 دولة وكيان جديد في نفس الرقعة الجغرافية إلا إذا استبدلوا البشر.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا