>

?حلب بين ليبرمان والحزب الشيوعي الإسرائيلي


رأي القدس

اعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أن الرئيس السوري «جزار» يجب أن يرحل مع حلفائه الإيرانيين، وأضاف أنه «من وجهة نظر أخلاقية، لا يمكننا أن نقبل بمثل هذه المجزرة أمام أعين العالم بأكمله»، بالمقابل فقد هلّل الحزب الشيوعي الإسرائيلي «راكاح» في افتتاحية لجريدته «الاتحاد» الصادرة في حيفا عنوانها «من حلب إلى القدس» لـ«البشائر السارة من سوريا»، حيث «يتقدم الجيش العربي السوري في الأحياء الشرقية للمدينة ويطهّرها من رجس الإرهابيين التكفيريين»، معتبرا ما يحصل بشرى للشعب الفلسطيني، وبالتالي، كما يوحي عنوان الافتتاحية فإن «تحرير» حلب جعل الطريق سالكاً لـ»تحرير القدس».
يقدم هذان الموقفان الإسرائيليان نموذجين معقدين تتداخل فيهما درجات التأويل وتحت طيفهما تتنزّل درجات من الألوان الصارخة التي قد تثير أقوى الخلافات وتثير أشكال الجدل بين الفلسطينيين والسوريين والعرب والأجانب، حول الحقيقي والمزيّف، والأخلاقي وغير الأخلاقي، وتنطلق تساؤلات عن الفرق بين الاحتلال والاستبداد، أو بين أيديولوجية عنصرية كالصهيونية، وأخرى، يُفترض أنها تدافع عن العدالة الاجتماعية والعمال والفلاحين، كالشيوعية.
لا يحتاج موقف وزير الدفاع الشهير بتطرّفه وديماغوجيته كثير حكّ لاكتشاف ما ورائه، فهو ليس ممثلاً لدولة تمارس منذ عقود طويلة أشكال البطش والقمع والقهر والتهجير والتقتيل فحسب بل هو زعيم حزب مشهور بتطرّفه وعنصريته ضد الفلسطينيين، ولا يحقّ له بالتالي أن ينافح عن حضاريّة مزعومة تفرّقه عن جزّار آخر مثله.
ولا يحتاج الأمر كثير تحليل ليُعرف أن إسرائيل دافعت بصلابة عمن تصفه بالجزار، وأن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو طار مباشرة إلى واشنطن قبيل تحضّر المنطقة لضربة موعودة للنظام السوري بعد استخدامه السلاح الكيميائي ضد شعبه وذلك لحثّ رئيسها على عدم فعل ذلك، كما طار عدّة مرات إلى روسيا للاتفاق معها على بنود تثبيت الأسد على أن تُطلق يدها، كما رأينا عدة مرات، لضرب «الحلفاء» الإيرانيين و«حزب الله» كلّما حاولوا انتهاك قواعد اللعبة الموزونة، ولاحقاً لدعم مطالبها بالاستيلاء على الجولان، وما سيظهر سيكون أعظم.
موقف ليبرمان إذن ليس موجّها ضد الأسد ولا يمكن لأحد أن يقنعنا أن جزار الفلسطينيين لديه أدنى شفقة بما يحصل للسوريين على يد جزارهم، ولكنه موجه ضد ميلان الكفّة لصالح الإيرانيين الذين عليهم، على ما تظهره الدلائل، في موسكو وتل أبيب، أن يكتفوا من الغنيمة السورية ببقاء النظام الذين حاربوا لأجله، وباستثماراتهم المالية ونفوذهم السياسي، وأن يخفّفوا من مشاغباتهم للضباع الأخرى التي تلتهم الجسد السوري.
من جهة أخرى، فإن احتفال الحزب الشيوعي الإسرائيلي بـ«تحرر» حلب «من براثن الجماعات الدموية المؤتمرة من الخارج»، لا يحتاج أيضاً للخروج من أوهامه الأيديولوجية غير تذكيره بالوقائع التي تفقأ العين ومنها أن «الجماعات الدموية المؤتمرة من الخارج» هي من سكان حلب نفسها، بينما الذين يحاصرونها ويجوّعون ويقتلون أهلها هم «جماعات دموية» ليست «مؤتمرة من الخارج» الإيراني فحسب بل هي من لبنان والعراق وباكستان وأفغانستان وهي تقاتل على غير أرضها وقد تستوطن فيها على حساب سكانها، وأن من يرعاها جيش «امبرياليّ» روسيّ يحتلّ شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا والشيشان وأجزاء من جورجيا (أوسيتيا التي صارت دولة تعترف بها أربع دول فحسب)، وأبخازيا (أيضا معترف بها من الدول الأربع نفسها)، وهو يخطط لاحتلال طويل لسوريا.
من أغرب الأشياء أن يلتقي من يبدوان خصمين أيديولوجيين، العنصري الصهيوني الذي يسيء للسوريين أمام الفلسطينيين بهجومه الكاذب على الأسد، والشيوعي الدوغمائي الذي يسيء للفلسطينيين أمام السوريين بالدفاع عن مجازر الأسد وحلفائه.
المشاهد التي يراها العالم لتغريبة السوريين في حلب وحمص وداريا والقصير وقتلهم وحصارهم تذكر، أكثر ما تذكر، بتغريبة ونكبات الفلسطينيين وقتلهم وحصارهم في غزة وفي كفر قاسم ودير ياسين وغيرها، وهي لا تحتاج لليبرمان أو لراكاح لحرفها عن معانيها الحقيقية.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا