>

حكومة ومجلس محافظتي (بابل وكربلاء) نصبتا نفسيهما فوق الدستور والقانون

الدكتور
عبدالقادر القيسي

رغم سماعنا بان المنطقة الفلانية حررت والمحافظة الاخرى تحت سيطرة الدولة لكن نرى الناس لحد الان بعيدة عن سكنها وتعيش في العراء تحت حرارة الشمس المحرقة؛ وهذا ما يؤكده نواب وسياسيين من محافظة بابل وصلاح الدين وديالى، بان العوائل المهجرة والنازحة لم يتم اعادتها لحد الان الى مساكنها تحت عدة اتهامات او افتعال عوائق امنية ليس لها أصول قانونية او اجتماعية او إدارية صلدة.//
وقد تابعت عدة تصريحات من مجلس محافظة كربلاء وبابل وقبلها ديالى وكركوك تركزت بالإعادة القسرية للنازحين الى مناطقهم وإيجاد مسوغات غير دستورية وقانونية في اتهام عوائل بانها حاضنة لداعش، واخرها تصريحات مجلس محافظة بابل في 13/7/2016، بأنهم أمهلوا النازحين شهرا لمغادرة بابل، وأشدها ايلاما وتعسفا واستخفافا بالقانون والدستور؛ ما صرح به محافظ بابل، صادق السلطاني، في 26/7/2016، إن "المجلس اتخذ قرارا بهدم منزل كل من يثبت تورطه في أعمال إرهابية، وترحيل عائلته من المحافظة إذا ثبت تسترها عليه"، وأضاف السلطاني، أن "هذا القرار سيطبق بأثر رجعي،" مشيرا إلى "عدم وجود إحصائية لعدد المتورطين في أعمل إرهابية" وأوضح المحافظ، أن "الأجهزة الأمنية لديها معلومات حول بعض العائلات التي ثبت تسترها على إرهابيين"
والتعسف اشتدت وطأته في امرين::::
الأول: مطالبة رئيس اللجنة الأمنية (فلاح الراضي) في مجلس محافظة بابل الحكومة المركزية بدفع مبالغ مالية تعويضا عن الأضرار التي لحقت بالمحافظة ومدنها جراء سكن النازحين فيها وما تم صرفه عليهم في المخيمات (ذات السبع النجوم وفلل مكيفة ويوزع الأكل عليهم مجانا ثلاث وجبات!)//.
الثاني: المباشرة فعليا بهدم عدة دور في قضاء الإسكندرية، وسكوت الدولة العراقية عن ذلك.//
أن القرارات والإجراءات التعسفية التي اتخذتها محافظة بابل كانت صادمة، وتتنافى مع أبسط قيم المواطنة وحقوق الإنسان، وجاءت بتوقيت لا يتناسب مع واقع معاناة النازحين الذين يعانون من اهمال حكومي وتصاعد وتيرة العمليات العسكرية لتحرير المدن، وكذلك موجة الحر الشديد التي تضرب العراق.//
وعلى الرغم من أن جميع ما ورد في تصريحات محافظات بابل وكربلاء وديالى وكركوك مخالف للدستور النافذ والقانون ويضعف الحكومة الاتحادية ببغداد، وليس هناك أي نص قانوني او دستوري يغطي مضامين ما استندت عليه تلك المحافظات في قراراتهم واجراءاتهم؛ وليس من حق هذه الحكومات المحلية التصرف بأملاك الاخرين من خلال هدمها او تفجيرها، ولا يجوز لها استخدام القوة لإلغاء حق دستوري لا نزاع فيه ولا اجتهاد؛ فحق الملكية حق دستوري وحق مانع جامع؛ فلا يجوز التصرف فيها او مصادرته الا وفق القانون وعبر السلطة القضائية.///
أين مجلس النواب ورئاسة الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء عن تلك القرارات والاعمال التعسفية وهي راعية للدستور وعليها حماية المواطن؛ لاسيما بتنا نرى ان الحكومات المحلية هم المسيطرة وهم الحاكمة بامر الله وبطريقة تجعلنا امام انهيار دستوري وقانوني كبير، وأكبر منه انهيار منظومة حقوق الانسان التي ترعاه مفوضية حقوق الانسان التي تم تسييسها بطريقة أصبحت كأنها وزارة تابعة للحكومة حيث ان تصريحاتها خجولة وتأتي من باب اسقاط فرض ليس الا.///
ان حق الحياة والأمن والحرية حقوق دستورية، ربط دستور (2005) بينها منفرداً عن باقي الدساتير التي صدرت قبله، في المادة 15 (لكـل فـرد الحق في الحياة والأمن والحرية، ولا يجوز الحرمان من هذا الحقـوق أو تقييدها إلا وفقاً للقانون، وبناءاً على قرار صادر من جهة قضائية)، لذا لا يجوز حرمان هذه العوائل من العودة لمساكنها او تهديم منازلها، والدولة معنية بتوفير سكن لكل مواطن فكيف بها، تمنع رجوعه لمسكنه او تهدمه؟؟؟؟
وما الفرق بين تلك الحكومات وما تفعله من تهديم لبيوت المواطنين وما تقوم به إسرائيل من تهديم لبيوت الفلسطينين؟؟؟؟
في ظل هذه المعطيات والممارسات التعسفية بإجبار عوائل للعودة لمنازلها وحرمان واحتجاز عوائل أخرى بنسائها واطفالها وشبابها ورجالها باتهامات جزافية وتهديم منازل عوائل اخرى، سنكون قد انتهكنا باب الحريات وحقوق الانسان بالدستور، المادة (19/ثاني عشر والمادة 30/ اولا المادة 37/ب)،وهو انتهاك خطير، إضافة الى ان القانون قد منعه بنص المادة 92 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي نصت(لا يجوز القبض على أي شخص او توقيفه الا بمقتضى امر صادر من قاضي او محكمة او في الأحوال التي يجيز فيها القانون ذلك) ويتناقض مع ما صادق عليه العراق من اتفاقيات ومعاهدات دولية.///
ان الدستور النافذ(م19/ثامنا) والقانون ينص على قواعد امرة بان العقوبة شخصية وهذا معناه لا يجوز ان يأخذ الاب او الابن او الزوجة والأطفال بجريرة ذويهم، فاذا كان احد افراد العائلة حاضنة لداعش ما ذنب بقية افراد عائلته في هذه الممارسة (ان صحت) لا سيما ان العرف العشائري يجعل من الاب والابن والرجل ذو سطوة ونفوذ على عائلته يجعل من المستحيل الخروج عن حدود رغباته وآرائه، وبالتالي البقية لا حول لهم ولا قوة وما علاقة طفلا وامرأة بان تحرم من العودة الى بيتها ومحيطها ومقرها، لا لشيء الا لان زوجها او اخيها او والدها كان مع داعش أو حاضنة لها، ان في ذلك تجاوز على القانون الدولي الإنساني وقبله الوطني العراقي لان العقوبة ليست جماعية، وبالتالي لاحظنا ان بعض القيادات للمحافظات احتجزت عوائل بأكملها للتحقيق معها كما حدث في جرف الصخر وديالى وصلاح الدين وتلك ممارسات وتصرفات ليس لها سند قانوني، وليس هناك مفردة(حاضنة عائلية) في القوانين المختصة، ونحتاج الى وقفة من القيادات الوطنية والسلطة القضائية للتصدي ووقف تلك الممارسات التعسفية، وان مسالة اثبات ان هذه العائلة او تلك باحتضان داعش، بات يخضع للاتهامات العشوائية والمزاجية وتأويلات ليس لها ادنى ما يزكيها من الوجهة القانونية او يصدقها من الوجهة الشرعية وامر التحقق من ذلك موكل للقضاء وحده، يعني أن العقوبة لا توقع إلا من خلال سلطة قضائية مختصة نصت عليها القوانين ذات العلاقة، ومن خلال حكم قضائي، وهو من يبت بذلك ولا توجد في كل قوانين ومواثيق العالم مفردة اتهامات عائلية.///
ناحية جرف الصخر:
تم تحريرها يوم 25/10/2014 ويسكنها حوالي (120) ألف عائلة، وأبرز التبريرات المطروحة لعدم إعادة ساكنيها من محافظة بابل وحسب اسبقيتها::::
الف- أعلن اللواء عبد الأمير الخيكاني، قائد الجيش في بابل، بعد ستة أشهر من تحرير جرف الصخر، أن "بلدة جرف الصخر آمنة ولا يستطيع أي إرهابي الوصول إليها"( ولم يشير الى وجود عبوات ناسفة)//
باء- اكد رئيس اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بابل فلاح الخفاجي، في 16 أيار 2015، (إن عودة العوائل النازحة إلى ناحية جرف الصخر هو من صلاحيات الحكومة المحلية في محافظة بابل، ..عودتهم مرتبطة بإزالة العبوات الناسفة من مناطق الناحية..).//
جيم- أكد محافظ بابل صادق مدلول السلطاني في تموز من عام 2015(..أكثر من 20 ألف عائلة نزحت من مناطق جرف النصر .. عدم إمكانية إعادة العوائل النازحة إلى الناحية قبل إكمال عملية تطهير الناحية من العبوات الناسفة وتأهيل البنى التحتية ..).//
دال- قال نائب رئيس مجلس محافظة بابل حسن فدعم في 2/1/2016إن "عودة العوائل النازحة إلى ناحية جرف النصر موضوع سابق لأوانه لأسباب عديدة أهمها وجود عمليات عسكرية في الانبار القريبة من الناحية وعدم تطهيرها حتى الآن، بالإضافة إلى وجود قطعات عسكرية في الناحية لتأمينها ومنع تسلل (داعش) إليها".//
هاء- أعلن مجلس محافظة بابل في 12/1/2016 انه لن يناقش عودة أكثر من 1700 عائلة نازحة من جرف الصخر؛ الى ان يتم تطهير الانبار والموصل من داعش الارهابية” منعا لتغلغل عناصر مطلوبة بين العوائل“.//
واو- أقر محافظ بابل، في 21/02/2016، " لا يمكن عودة العوائل النازحة من جرف الصخر حاليا ما لم يتم اعادة البنى التحتية واكمال التدقيق الأمني لكل عائلة ".//
زاء-تصريحات رئيس لجنة الهجرة والمهجرين في مجلس بابل رياض عداي، في نيسان من عام 2016 “إعادة تأهيل ناحية جرف النصر مرتبط بعمل الجهد الهندسي حفاظا على المواطنين ولا يمكن بدء الاعمار بسبب وجود عبوات ناسفة في الطرقات والنخيل وأعمدة الكهرباء” (لاحظوا نظرية مبتكرة بوجود عبوات بالنخيل واعمدة الكهرباء).///
حاء-تحدث محافظ بابل في مقابلة مع قناة الشرقية نهاية شهر تموز من عام 2016 عن اسباب عدم ارجاع النازحين الى جرف الصخر، وكانت أجوبته ترديد لما سبق وغير مقنعه للرأي العام وفيها محاولة للتهرب من المسؤولية واشاره ضمنية بان الحكومة غير جادة في إرجاع النازحين في تلك المناطق لعدم قدرتها على ذلك كون تلك المناطق تحت سيطرة أحد فصائل المسلحة المنضوية تحت الحشد الشعبي والتي ترفض إعادة النازحين من اجل اجراء تغيير ديموغرافي فيها.///
اننا لسنا بصدد الدفاع عن المتعاونين مع داعش الإرهابي، وإذا كان من الممكن حماية المصلحة الاجتماعية المراد حمايتها بوسائل أخرى غير العقوبة الجماعية، وبالتالي يجب أعادة جميع العوائل الى مساكنها خصوصا النساء والأطفال والشيوخ، اما من تكون عليه معلومة امنية او قرائن او ادلة تفيد باحتضانه لداعش الإرهابي؛ فان الفيصل في ذلك ساحات القضاء، لا ان يخضع لاجتهادات الحكومات المحلية او اللجان الأمنية للمحافظات او مزاجيات وتأويلات لقوات غير رسمية او إدارية؛ لان في ذلك مغادرة لحقوق دستورية وردت في قواعد امرة لا ينبغي انتهاكها.///
ان محافظ بابل هو الجهة المسؤولة قانونيا امام ما حصل ويحصل من انتهاكات ضد المدنيين بابل فضلا عن تدمير الممتلكات والبنى التحتية ومنع المواطنين من العودة الى مناطقهم لأدارته الملف الامني في المحافظة وفقا للقانون، وان اي اخطاء او انتهاكات حصلت في فتره استلامه المنصب من اي جهة كانت هو المسؤول المباشر عنها بحكم مسؤوليته القانونية والدستورية، حتى لو ترك المنصب بعدها.///
ان تلك التصريحات تشير بالدليل القاطع بانها مجرد اكاذيب تحتوي على مغالطات كبيرة، وهذا التصريحات وفق العرف العسكري فيها تدليس وفيها من المصالح ما لا يخفى لان الناحية تم تطهيرها من عصابات داعش في 25 من تشرين الأول 2014 والجهد العسكري المطلوب لرفع عبوات ناسفة لا يستغرق أكثر من شهر او شهرين في اقصى صعوباته وتعقيداته.///
ومحافظ بابل وعد ومن على قناة الشرقية بان يسمح للقنوات الفضائية، بمرافقته وان يصطحب معه وفد من ممثلي ناحية جرف الصخر ويذهب الى الناحية؛ ليطّلع الرأي العام على حجم الدمار في الناحية ومعرفة الأسباب الحقيقية التي تمنع عودة أكثر من (120) ألف مواطن يعيشون سابقا في جرف الصخر (فهل سيفي بوعده؟)////
القيادات المحلية ليس لها صلاحية اصدار عقوبات لان العقوبة قضائية وصلاحيات المحافظة إدارية، لذا لا بد وأن تكون العقوبة صادرة من قبل هيئة قضائية مكتملة الأركان حسب ما يقرره قانون أصول المحاكمات الجزائية وعن طريق حكم قضائي متوافرة فيه الشروط المشار إليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية.///
ولا نريد الانصياع لمبدأ (القوة تنشأ الحق وتحميه) الذي كان سائدا في التاريخ الاسلامي ولا يعترف بمبدأ شخصية العقوبة، لان في ذلك اسقاط لقوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة)//
وفي الحديث الشريف للرسول الأعظم(ص) "لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه"//
وننوه، الجوع شيطان رجيم يدعو إلى الخطيئة، فلا تدعوا هذه العوائل ترتكب الخطيئة وتصبح حواضن داعشية وارهابية حقيقية.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا