>

حكم المحكمة الاتحادية وانجازات مجلس النواب الوهمية - الدكتور عبدالقادر القيسي

حكم المحكمة الاتحادية وانجازات مجلس النواب الوهمية
الدكتور
عبدالقادر القيسي
المحكمة الاتحادية مؤسسة دستورية موكول لها الدفاع عن نصوص الدستور بوسائل المراقبة الدستورية، والتفسير الدستوري، ومحاكمة المعتدين على نصوص الدستور، ودستور جمهورية العراق لسنة 2005 النافذ قد عقد للمحكمة الاتحادية العليا عدة اختصاصات بنص صريح (م 93) منه، والمحكمة الاتحادية في جميع قراراتها تكون متقيدة بالدستور.
أبلغ رئيس مجلس النواب د. سليم الجبوري الصحفيين، الثلاثاء(14/4/2015)، ان المحكمة الاتحادية العليا "أعادت حق التشريع لمجلس النواب العراقي"، ما "يعيد للمؤسسة التشريعية هيبتها ويعزز دورها، ويمنحها القدرة على انجازها القوانين بشكل أسرع"، وختم تصريحه بتهنئة الشعب العراقي "على هذا الإنجاز".
اني والله مستغرب جدا؛ كيف لرئيس مجلس نواب(دكتوراه بالقانون) ان يقول انجاز قد تحقق، هل كان هناك حقا مسلوب او مغتصبا وتم اعادته الى أصحابه الشرعيين، هل كان قرارا المحكمة يحمل في مضمونه ومالاته إعادة الهيبة والقدرة على انجاز القوانين؟ ومتى كانت احكام المحكمة لها علاقة بإعادة الهيبة والقدرة لاي مؤسسة؟ وما علاقة حكم المحكمة بمنح القدرة لمجلس النواب لتسريع انجاز القوانين؟ ان عمل المحكمة قضائي دستوري يختلف عن عمل مجلس النواب، ان تلك المفارقة عجيبة؛ ان يصرح رئيس السلطة التشريعية (اسم له هيبة ووقار) بان هناك انجاز قد تم تحقيقه من خلال قرارا المحكمة الاتحادية وانه يهنئ الشعب العراقي على هذا الإنجاز الكبير، ولا نعرف ما هذا الإنجاز الذي تحقق ؟ اذا كانت الدعوى المقامة المرقمة (21 و29/اتحادية اعلام/2015) المدعي فيها من خارج البرلمان وقد اقام دعوته ضد رئيس مجلس النواب إضافة لوظيفته، للطعن بعدم دستورية قانون استبدال أعضاء مجلس النواب المرقم (6 لعام 2006) خصوصا؛ ان قرار المحكمة المشار اليه انفا لم يكن مختلفا عن المبدأ الدستوري الذي رسخته المحكمة الاتحادية العليا في الحكمين السابقين بالعدد (43و44 /اتحادية/2010 ) في 12/7/2010 والذي قضت فيه المحكمة الاتحادية العليا، بإلغاء قانوني( وزارة البلديات والاشغال العامة وقانون فك ارتباك دوائر الشؤون الاجتماعية) بطعن قدم من الامانة العامة لمجلس الوزراء بذريعة؛ عدم جواز اصدار القوانين الا بناءا على (مشروع قانون) تقدمه السلطة التنفيذية حصر ولا يجوز سن القوانين بناءا على(مقترحات القوانين) مستندة على تفسير نص المادة(60) من دستور جمهورية العراق؛ أي انها طعنت في دستورية الإصدار، أي طعن شكلي وليس موضوعي.
وندرج جزء ما قالته المحكمة في هذين الحكمين :- ( ... ان مشروعات القوانين خص بتقديمها السلطة التنفيذية ويلزم ان تقدم من جهات ذات اختصاص في السلطة التنفيذية لتعلقها بالتزامات مالية وسياسية ودولية واجتماعية، وان الذي يقوم بإيفاء هذه الالتزامات هي السلطة التنفيذية وذلك حسبما نص عليه الدستور في المادة (80) منه ، وليست السلطة التشريعية، وحيث ان دستور جمهورية العراق رسم في المادة (60) منه منفذين تقدم من خلالهما مشروعات القوانين، وهذان المنفذان يعودان حصرا للسلطة التنفيذية وهما رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ، واذا قدمت من غيرهما فإن ذلك يعد مخالفة دستورية لنص المادة (60/اولا) من الدستور، وإن الفقرة (ثانيا ) من المادة (60) من الدستور اجازت لمجلس النواب تقديم مقترحات القوانين عن طريق عشرة من اعضاء مجلس النواب او من احدى لجانه المختصة، ومقترح القانون لا يعني مشروع قانون لان المقترح هو فكرة والفكرة لا تكون مشروعا ويلزم ان يأخذ المقترح طريقه الى احد المنفذين المشار اليهما لأعداد مشروع القانون وفق ما رسمته القوانين والتشريعات النافذة اذا ما وافق ذلك سياسة السلطة التنفيذية التي اقرها مجلس النواب ... وحيث تم اقرار هذا القانون من مجلس النواب ومجلس الرئاسة ونشر في الجريدة الرسمية من دون ان تبدي السلطة التنفيذية الرأي فيه ضمن التزاماتها السياسية الداخلية منها والدولية وهذا مخالف للطريق المرسوم لإصدار القوانين من الناحية الدستورية ... ) انتهى.
وندرج لكم ما جاء بحكم المحكمة الاتحادية العليا بالدعوى المرقمة (21و29/ اتحادية اعلام/2015) للمقارنة ،ما نصه((... تجد المحكمة ان دستور جمهورية العراق لعام 2005 قد كرس في المادة 47 منه المبدأ ...الفصل بين السلطات ولكي نكون امام التطبيق السليم لأحكام هذه المادة والمبدأ الذي تأسست عليه، يلزم ان تتولى كل سلطة من السلطات القيام بمهامها وممارسة صلاحياتها كاملة.. فالسلطة التشريعية تمارس مهامها واختصاصاتها المنصوص عليها في المواد( 60،61،62،64/أولا) وفي مقدمة هذه المهام القيام بتشريع القوانين الاتحادية التي تقتضيها المصلحة العامة ووفقا للسياقات الدستورية ويلزم ان يكون مراعيا لمبدأ الفصل بين السلطات... وان لا يكون من بين هذه القوانين التي يشرعها مجلس النواب مباشرة ما يمس هذا المبدأ ومن تلك القوانين التي تمس هذا المبدأ هي: القوانين التي ترتب التزامات مالية على السلطة التنفيذية، لم تكن مدرجة في خططها او في موازنتها المالية دون التشاور معها وتخذ الموافقة بذلك، وكذلك القوانين التي تتعرض مع المنهاج الوزاري الذي نالت الوزارة ثقة مجلس النواب على أساسه وكذلك ان لا تكون ماسة بمهام السلطة القضائية دون التشاور معها ... وفيما عدا ما تقدم ذكره من القوانين ؛ فان السلطة التشريعية تمارس اختصاصها الأصيل في تشريع القوانين الاتحادية التي تجد فيها تحقيقا للمصلحة العامة وفي نطاق الدستور..)) انتهى
أنى اسال المختصين ورجال القانون؛ هل هناك اختلاف في مضمون الحكمين الأول الصادر في سنة 2010 والثاني الصادر في 2015؟ هل هناك حقا مسلوبا من المحكمة الاتحادية وتم اعادته بنفسها؟ واي انجاز هذا الذي تتحدث عنه رئاسة البرلمان والنواب واشبعونا تصريحات وبيانات ومناقشات وقد جمعت عدد التصريحات واللقاءات والنقاشات حول حكم المحكمة الاتحادية العليا وتصويره انجاز وانقلاب في خط سير المحكمة الاتحادية العليا في اتخاذها الاحكام، وتجسيد الديمقراطية وانه جاء نتيجة جهد مبذول من البرلمان وغيرها، الى اكثر من 64 لقاء وتصريح ونقاش(في3ايام) وكلها تصب في عنوان، حقا مسلوبا وتم اعادته وكأننا امام جريمة ارتكبت وتم القاء القبض فيها على الجاني واعترف بإرادته بانه ارتكب الجرم المنسوب اليه؛ أي هراء هذا ؟
ان حكم المحكمة الاتحادية واضح وليس فيه أي تغيير عن مضمون احكامها السابقة، والتصريحات البرلمانية قد تؤدي بنا الى ترسيخ فكرة هناك تناقض في التفسيرات او تقاطعها، مع العلم، ان المحكمة أبقت على نفس المبدأ الذي اقرته سابقا بصدد الفرق بين مشروعات القوانين التي تقدم من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، ومقترحات القوانين التي يقدم من عشرة نواب او من احدى لجانه المختصة، فجعلت المشروع صالحا لإصدار التشريع بالاستناد اليه دون المقترح.
ان قرار المحكمة الاتحادية العليا الأخير والذي رد فيه دعوى المدعي والذي طلب فيه بعدم دستورية قانون استبدال أعضاء مجلس النواب، كونه امر لصيق بالمجلس ولا يمكن ان يكون محلا للتنظيم والتقنين من جهة أخرى غير مجلس النواب، والمادة 49 /خامسا نصت على ان يقوم مجلس النواب بسن قانون يعالج استبدال أعضائه، فلا تستطيع المحكمة الاتحادية العليا؛ ان تسلب هذا الحق الوارد في نصوص دستورية.
ان تصريحات رئيس مجلس النواب ونواب عديدين وسياسيين تعد لعب بمشاعر المواطن العراقي ومغالبة في إيصال له فكرة مغلوطة؛ من خلال استخدام احكام للمحكمة للاتحادية العليا المختصة بتفسير الدستور، لأغراض إعلامية وتهريجات برلمانية لتحقيق مكاسب سياسية وهذا الامر يذكرني بما قاله السيد رئيس مجلس النواب عندما زار الانبار بعد توليه منصبه بشهر عندما ذهب الى محافظة الانبار وظهر مرتديا نظارات وقمصلة ويبشر أهالي الانبار بوصول السلاح ويقول لهم (كنا وعدناكم بتجهيزكم بالسلاح وها قد نفذنا وعدنا ...) وتلك الممارسة تذكرني بزميلة محامية، رشحت لمجلس النواب والمحاميات ثلاث أنواع، محامية جذابة ومحامية جميلة ومحامية مهنية، وهي تجمع الصفات جميعها؛ وكانت أجرأ محامية واجرأ امرأة عرفتها وكنت انظر لها بأعجاب كبير؛ لأنها تحب جدا أو تكره جدا؛ والحب عندها لا يعرف أي قانون، وصريحة في المواجهة وعندما شاهدت إعلاناتها في الاعلام كتبت تعليق اردت ان اوصله لها؛ لكن الظروف لم تسمح لي، احذرها فيه من استخدام الاعلام كوسيلة لتحقيق الشهرة بعيدا عن المهنية؛ لا سيما اني عهدتها لؤلؤة في بحر لا ينالها الا الغواص الماهر، وكنت خائف عليها ان تلوثها السياسة، بخاصة كنت مطلع على اغلب مخاتلات السياسة وفي اعلى هرمها؛ وقد طلب مني مرتين للترشيح لكني رفضت لأني رجل قانون وقناعتي ان القانون لا ينسجم مع السياسة، وكانت لها مواقف معي شجاعة وكنت استمد منها القوة عند ضعفي، كونها لا تبيع قلبا يعزها ويحترمها، وحبها للعراق كبير، وانها تستطيع أن تزرع الجمال والقوة في قلب أي رجل، والحمد لله لم تفز بالانتخابات وفرحت كثيرا؛ لان زهرة الجاردينيا لا تنبت في صحراء الربع الخالي.
وعندما تعد التصريحات التي تلت زيارة رئيس البرلمان للأنبار قبل اشهر؛ والتي صدرت من برلمانيين وأعضاء مجلس المحافظة ومحافظها وسياسيين وشيوخ عشائر، والتي تنفي بان هناك تسليح، وان وجد فانه ضئيل ولا يتناسب مع هجمة الإرهاب وتم تحقيقه مؤخرا؛ غير متناسين ما تتعرض له الانبار حاليا من هجمة داعشية إرهابية خطرة، ان تلك التصريحات تصيبك بالدوار وتنتابك الهستيريا؛ كيف لرئيس مجلس نواب ان يقوم بتضليل جماهيره بهذه الطريقة الساذجة، وكما فعلها عند التصويت على الموازنة لعام 2015، أيضا اعتبره انجاز كبير لمجلس النواب، ولم يخبرنا كيف تم معالجة موازنة او ميزانية عام 2014 التي بقت تحت دائرة الشبهات والغش والتدليس والتحريف، ولا احد يعرف ماذا حل بالمليارات التي صرفت تحت عناوين مشبوهة وكالعادة بدون حسابات ختامية، موازنة 2015 جلبت وستجلب للمواطن العراقي صفحات من البؤس والفقر والانهيار الاقتصادي الذي بانت ملامحه.
ان رئيس مجلس النواب يعترف بأن المحكمة الاتحادية عدلت عن موقفها من الصلاحية التشريعية للمجلس، وهذا غير صحيح اطلاقا لان المحددات التي اقرتها المحكمة الاتحادية في إمكانية قيام مجلس النواب بتشريع القوانين هي نفسها في الحكمين(عام 2010 و2015)، ولا تبديل فيهما، وهي:
= تشريع القوانين الاتحادية التي تقتضيها المصلحة العامة ووفقا للسياقات الدستورية ويلزم ان يكون مجلس النواب مراعيا لمبدأ الفصل بين السلطات، ومن تلك القوانين التي تمس هذا المبدأ:
أولا: القوانين التي ترتب التزامات مالية على السلطة التنفيذية، لم تكن مدرجة في خططها او في موازنتها المالية دون التشاور معها وتخذ الموافقة بذلك.
ثانيا: القوانين التي تتعرض مع المنهاج الوزاري الذي نالت الوزارة ثقة مجلس النواب على أساسه
ثالثا: ان لا تكون ماسة بمهام السلطة القضائية دون التشاور معها .
وفيما عدا ما تقدم ذكره من القوانين؛ فان السلطة التشريعية تمارس اختصاصها الأصيل في تشريع القوانين الاتحادية التي تجد فيها تحقيقا للمصلحة العامة وفي نطاق الدستور
وتأسيسا على ما سبق وصفه، فان هذه المحددات والتقيدات تجعلنا اما ثلاث نتائج لا تغيير فيهما، هي:
الاولى : لا يسن قانون لا يراعى فيه المحددات التي ذكرناه في أعلاه.
الثانية: ان مصير (مقترحات القوانين) التي تقدمها السلطة التشريعية مرهون برأي وارادة السلطة التنفيذية .
ثالثا: لا يجوز تشريع القوانين الا بناءا على (مشروع قانون) تقدمه السلطة التنفيذية حصرا .
ان احكام المحكمة الاتحادية العليا ملزمة لجميع السلطات وهي الجهة المختصة في الحكم بعدم الدستورية وفي تفسير نصوص الدستور، واحكامها صائبة في غالبيتها ، وعمل المحكمة الاتحادية العليا التفسيري يجب ان يكون راميا صوب إيضاح إرادة المشرع الدستوري وحل المنازعة القضائية أو السياسية القائمة حول تحديد تلك الإرادة، ونؤكد ان العيب بالدستور وأحكام المحكمة الاتحادية العليا قد كشفت عن عيب خطير في صياغة الدستور، اذ ان تفاصيله تتناقض تماما مع مبادئه العامة، فهو اذ يقرر الاخذ بمبدأ الفصل بين السلطات الذي يقضي ان تنفرد كل سلطة بممارسة دورها ووظائفها من دون تدخل السلطات الاخرى، لكنه في التفاصيل يجعل
السلطة التشريعية؛ غالبا، لا تمارس مهامها في تشريع القوانين الا بواسطة السلطة التنفيذية.
وفي ذلك تعطيل كامل لمبدأ الفصل بين السلطات وممارسات النظام البرلماني الذي اخذ دستورنا به، والمادة الأولى من الدستور التي نصت على أن نظام الحكم جمهور نيابي (برلماني) والمادة الخامسة اكدت على أن الشعب هو مصدر السلطات، والبرلمان هو ممثل الشعب، والمادة 80 من الدستور النافذ اكدت بأن مجلس الوزراء مسؤول أمام مجلس النواب وليس العكس والحقيقة ان ذلك عيب يكشف عن ضرورة الإسراع بإجراء التعديلات الدستورية واقرارها.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا