>

جرف الصخر… من العثمانيين حتى «الدولة الاسلامية» - وائل عصام

جرف الصخر… من العثمانيين حتى «الدولة الاسلامية»
وائل عصام

قصة جرف الصخر لها دلالاتها التاريخية المتعلقة بالنزاع الطائفي، ففي عهد العثمانيين تحالفت عشائر سنية مع الاتراك، وكان من ضمن الاهداف المشتركة تشكيل حزام سني حول بغداد، يفصلها عن الجنوب العراقي باغلبيته الشيعية..
فمنحت عشائر الجنابيين والعبيد زوبع والغرير وغيرهم من العشائر ذات الاصول البدوية المزيد من الاراضي، في قوس يمتد جنوب بغداد ليصل للكوت، كان الجنابيون وباقي العشائر يقيمون في تلك الاراضي قبل نحو مئتي عام من غير استقرار، واراد مدحت باشا تنظيم خطة لاستصلاح الاراضي في ما يعرف بتنظيم الري في العراق.
فشقت انهار فرعية من الفرات لتصل مناطق جنوبية تفصل بغداد بحزام يمتد للشرق نحو ايران، كان الجنابيون هم من قام بالدور الاكبر في شق تلك الانهار، واعجب العثمانيون بهم، واشتهر احد شيوخهم علي الخكري بانه كان ينصب الموائد من لحم وارز وخبز التنور لابناء عشيرته، الذين كانوا منهمكين في الحفر وحمل الطين في مهمة شاقة.. وحتى اليوم فان المتاحف العثمانية تحتفظ بخبزة كبيرة مدون عليها اسم الشيخ علي الخكري..
وبعد ان انتهى شق الانهار ونجحت خطة الري، استقرت عشائر الجنابيين وزوبع والغرير والعبيد في هذا الحزام جنوب بغداد، في جرف الصخر واللطيفية واليوسفية والمحمودية (سماها الامريكان مثلث الموت لاحقا لشدة مقاومة ابناء هذه المنطقة للقوات الامريكية).. وبعد ان تركوا البداوة وتحولوا لمزارعين قرويين جلبوا مزارعين شيعة من جنوب العراق، خصوصا من العمارة، وسكنوا بجوارهم في جرف الصخر وقلب مدينة المحمودية .
رحل العثمانيون، وجاء الانكليز، وخلال ثورة العشرين كان للجنابيين ايضا دورهم في ثورة العشرين، وخاضوا معارك شرسة مع الانكليز، حتى دمرت معظم مدينة جرف الصخر، واضطر الانكليز لنفي العديد من ابناء هذه القبيلة الشرسة للبنجاب، للتخلص منهم، ولم يعودوا للعراق الا في العهد الملكي. وفي عهد صدام كان الجنابيون من ابرز العشائر التي اعتمد عليها في الاجهزة الامنية وقيادة الجيش.
وبعد سقوط بغداد تصدر الجنابيون قيادة العديد من الفصائل السلفية الجهادية، كـ»الجيش الاسلامي» و»جيش المجاهدين» وغيرهما، وكان دورهم في تنظم «القاعدة» بارزا، قيادة وعناص، ولا ننسى الشيخ الصوفي عبد الله الجنابي قائد مجلس شورى المجاهدين في الفلوجة، الذي تحالف مع السلفيين.
التيار السلفي الجهادي انتشر عند الجنابيين في جرف الصخر فقط في نهاية الثمانينيات، اذ كان التيار الاقوى هو الصوفي، ولكن كما حصل في حالة الاخوان المسلمين، فان حدة النزاع الطائفي دفعت الاسلاميين لمزيد من التشدد ، فصعدت السلفية على حساب الصوفية والاخوان، لقدرتها على التحريض على القتال، ولكن الاهم هو محيط جرف الصخر المختلف عن باقي المناطق السنية، فانتشار الفكر السلفي الجهادي، الاكثر عداء للشيعة بسبب نزاع لا ينتهي بين جرف الصخر واللطيفية واليوسفية ومحيطيهما الشيعي، في حين باقي المناطق السنية في الانبار مثلا، لم تعش هذا الاختلاط ولم تملك بالتالي هذا القدر من الحساسية نحو الاخر الشيعي.
هذه المناطق المختلطة في بعقوبة وبغداد افرزت مجتمعات منقسمة بحدة، تعيش حالة حذر دائم على وجودها، واحتلال العراق ادى لاستقطابات طائفية في المناطق السنية المحاطة بتجمعات سكانية شيعية في بغداد وبعقوبة، كالاعظمية، وبهرز بعقوبة، وتلعفر الموصل .. وباتت هذه المناطق الاكثر احتضانا للتنظيمات السنية المتطرفة، كـ»االقاعدة» لحماية وجودها من تنظيمات المناطق الشيعية المحيطة، جيش المهدي والعصائب.
وهو ما ينطبق تماما على حزام جنوب بغداد ومثلث اللطيفية اليوسفية جرف الصخر.
ولعل تسمية الامريكيين لارض الجنابيين في جرف الصخر واللطيفية واليوسفية بـ»مثلث الموت» تختصر المعاناة التي واجهها الامريكيون بعد 2003 خلال محاولاتهم اخضاع تلك المنطقة بدون جدوى.. ولعل الطريف ان الجيش البريطاني استلم هذه المنطقة فترة قصيرة بعد قدومه من البصرة الهادئة، على اعتبار ان البريطانيين اصحاب خبرة بالتعامل معهم منذ ثورة العشرين، فخسر البريطانيون في اسابيع جنودا بعدد ما خسروه لسنوات في جنوب العراق، الذي كان زعماؤه الشيعة قد اختاروا مهادنة تلك القوات بهدف تمكينهم بعد ذلك من حكم العراق وهو ما حصل.
وهكذا فان القضية لا تتعلق بـ»داعش»، وهي النسخة المتطرفة المستدعاة من التراث الاسلامي السني لمواجهة واقع الصراع الحالي.. القضية تتعلق بعشيرة عربية كانت بدوية دهرا، وصوفية دهرا، وبعثية دهرا، وسلفية دهرا، ولكنها ابد الدهر تعيش صراعا كادت ان تتعرض خلاله للابادة مرة على يد البريطانيين ومرات على يد جيرانها الجنوبيين.
ولمن يعرف مدى تشبت الجنابيين بأرضهم في جرف الصخر، يعرف ان الامر لا يتعلق بفصيل ينتمون اليه، سواء كان «داعش» او غيره، فمنذ هجمات الجيش الامريكي اخرج الجنابيون معظم عائلاتهم ونسائهم ليبقى الرجال والمقاتلون فقط، خصوصا بعد القصة المأساوية لعبير الجنابي، الطفلة التي اغتصبها جندي امريكي ثم قتلها وقتل عائلتها في مجزرة وحشية اعترف بها الامريكيون وحاكموا الجندي بالسجن المؤبد.
بعد هذه الحادثة اعتاد الجنابيون على اخراج نسائهم وعائلاتهم مع كل معركة او تأزم، خصوصا ان الكثير من نساء تلك العشيرة تعرضن للاعتداءات في سجون القوات الحكومية والميليشيات، وهو احد الاسباب التي حركت سنة العراق ليخرجوا في حراكهم الشهير، الذي قمعه المالكي، وكان احد مطالبهم اخراج النساء من السجون.
وبعد فشل الحراك السلمي عادت المواجهات المسلحة بين قوات الحكومة العراقية وابناء عشيرة الجنابيين، وقدموا مشاهد مليئة بالتحدي ترقى للاسطورة، فهم اعتادوا العيش في مخابئ خاصة داخل النهر، هربا من مداهمات جيش الميليشيات، وقد يواصل قناص الاقامة في اعلى نخلة لايام واسابيع بدون ان ينزل معتمدا على كانونة مغذية تمكنه من صد تقدم الميليشيات في مزارع النخيل المحاذية لجرف الصخر.
وهو ما تحدثت عنه قادة في ميليشيات السلام التابعة للصدر، عندما قالوا ان هناك قناصا ظل يعيق تقدمنا ليومين ولم نتمكن من قتله الا من خلال مروحية مقاتلة.
لعل هذا المقاتل المتمترس باعلى النخلة هو حفيد احد الذين ابعدهم البريطانيون للبنجاب من شدة مقاومتهم في ثورة العشرين! ولعله حفظ من طفولته قصة جرف الصخر المهدد وجودها باستمرار من وقت كان اجداده يشقون الانهار لاقامة حزام يفصل بغداد عن جنوبها بعشيرة عنيدة كالجنابيين.
لذلك لا نبالغ اذ قلنا ان جرف الصخر بقصتها منذ مئتي عام تختصر ربما النزاع الطائفي في العراق ، كثابت تاريخي مجتمعي رغم الانظمة السياسية المتغيرة.
٭ كاتب فلسطيني

وائل عصام



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا