>

تعلم كيف تكذب.. إيران نموذجًا


د. عبدالله بن موسى الطاير

المتهمون بالإرهاب كثيرون، لكن الإرهابيين الحقيقيين والراعين للإرهاب، يمارسون هوايتهم في سعة من أمرهم، كما أن الكذابين السذج يملؤون السجون كما يقول تشارلز فورد. أما المحترفون فينعمون بحياتهم خارجها.

وقف سمو الأمير محمد بن نايف على منصة الأمم المتحدة يؤكد بالأرقام والحقائق موقف المملكة من الإرهاب منذ كان الناس نيام أو يتناومون، ومنذ كانت دول تطالب لندن وواشنطن بتسليم أبوقتادة، وأبوحمزة المصري، وعمر عبدالرحمن، وغيرهم من المحرضين على الإرهاب في أوطانهم ولم يجدوا آذانًا صاغية، إلى درجة أن أبوحمزة المصري أعلن من خلال إحدى القنوات التلفزيونية ومن قلب لندن، عن رغبته في إطلاق بالونات محملة بالمتفجرات لاصطياد الطائرات المدنية على ارتفاعات شاهقة. تحركت أوروبا وأمريكا متأخرة بعد أن تجرعت سم الإرهابيين.

الساسة والإعلاميون الغربيون يجهدون أنفسهم في البحث عن عبارات مجتزأة في التراث الإسلامي وإلحاقها بما يسمونه الوهابية أو السلفية، ويتركون إيران التي تتصدر قائمة الخارجية الأمريكية للدول الراعية للإرهاب. يجتهدون في إلصاق تهمة الإرهاب بالسعودية، متأولين نصوصًا وعاسفين عسفًا في ليّ رقاب الحقائق، ويتركون إيران التي ينص دستورها صراحةً على رعاية الإرهاب وتصديره. يتفحصون مقرراتنا الدراسية كلمة كلمة للبحث عن مفردات الكراهية، ويتغافلون عن لعن أمريكا وإسرائيل ولعن اليهود في كل المناسبات الإيرانية وتوابعها. يتحدثون عن عقيدة الولاء والبراء عند السعوديين تحديدًا، وأنها مرحك للهجمات الإرهابية، وينسون أن أساس خلافنا مع إيران في مواسم الحج منذ قامت ولاية الفقيه، هي رغبتهم في تنظيم تظاهرات ينتظم فيها كافة الحجاج للبراءة من الكفار، تهتف بكل بعبارات الكراهية ضد غير المسلمين وضد كل من يرتبط معهم بعلاقات حسنة، كالسعودية ودول الخليج، وهو ما تبناه أسامة بن لادن لاحقًا من إخراج الكفار من جزيرة العرب.

الغرب -ومعهم روسيا- منشغلون بتعداد السعوديين الذين التحقوا بداعش في بلاد الشام والعراق، والذين تجرم بلادهم نفيرهم لها، ويغضون الطرف عن فيلق القدس والحرس الثوري وحزب الله، وهي منظمات مصنفة أمريكيًّا وأوروبيًّا على أنها إرهابية. يعني يبصرون سَمَّ المخيط ولا يرون المخيط ذاته.

وأمام هذه الحالة نسال: هل الأولى التعبير عن استهجان المعايير الغربية المزدوجة؟ أم التنبه لمشروع استهداف الإسلام في أرضه، وإضعاف الدولة التي تخدم مقدساته تمهيدًا لبعثرة المسلمين ونصب محاكم التفتيش التي بدأت بعض بوادرها في دول أوروبية؟ هل الأمر أبسط من كل ذلك وليس علينا سوى التعبير عن الإعجاب بمكنة الكذب الإيرانية التي أعمت العالم وأصمته؟! هل نحن أمام خيارات التخلي عن المبدأ، وولوج عالم الكذب المحترف من أجل إقناع الغرب بصواب توجهاتنا؟ أم أننا قبل ذلك بحاجة إلى إيقاف الأكاذيب الساذجة التي تنتشر في الإعلام الغربي على ألسنة مصادر رسمية غير معلنة تتفنن في إدانة الإسلام والمجتمع السعودي وتورط الدولة كذبًا وبهتانًا؟ وكيف استطاعت العقلية الغربية أن تجمع في قرارها الكذب الإيراني المحترف بجانب كذب الهواة ممن يتمسحون بالثقافة والفكر من اللاجئين الاجتماعيين الذين يصفون حساباتهم مع التيارات المخالفة لهم في بلدهم، وتصوير القرار الرسمي على أنه مختطف من قبل مجموعة من المتشددين؟ إذا كان الخطاب يسيء للسعودية فإنه مرحب به ومقبول من الإعلام والنخب السياسية الغربية، سواء أكان بجودة كذب إيران أو في مستوى سذاجة ربعنا. أما إذا كانت الرسلة متعلقة ببيان الحقائق، فإن الوعي الغربي يصاب بعسر الفهم، فيوصد قلبه عن قبول الحق، ويُعتقَل لسانه عن النطق به.

من أشنع الأكاذيب التي نتعامل معها وكأنها مسلمات هي حزب الله، وأنصار الله، وفيلق القدس، والحشد الشعبي. وبدلًا من التركيز عليها في ذاتها أصبحنا نميل إلى مناقشة ممارساتها التي ننعتها بأقذع الأوصاف. متى كانت تنظيمات إرهابية ناصرة لله أو في حزب الله الذي يدعونا إلى السلم والسلام ويرأف بالناس أكثر من رأفتهم بنفوسهم؟! ننتقد سلوك آيات إيران ونحن نتعامل مع الكذبة ذاتها بدون مناقشة؛ فمن سمى ذاك روح الله العظمى؟! ومن سمى هذا آية الله؟! نحن نترك الأكاذيب الكبرى ونركز على مخرجاتها. وقس على ذلك سياسات إيران المعلنة من مقاومة الاستكبار العالمي، وتحرير القدس، ودعم الثورات والتحرر، وعداء أمريكا وإسرائيل المبدئي، وهي جميعها ساقطة بحكم المنطق والواقع الذي يسجل أن أمريكا أقرب إلى إيران من جيرانها المسلمين، وأنها تفتح أرضها للروس لقصف الثائرين على الظلم، وأنها تقف بجانب الطاغوت في وجه ناشدي الحرية في سوريا والمطالبين بحقوقهم، وأنها تتبرأ من الكفار لتعكير موسم الحج، ثم تتقرب إليهم في كل بلدان العالم الغربية والشرقية.

علماء النفس درسوا الكذب، ونشرت كتب وأبحاث عديدة لخصها المدون جف وايز في وصفات سرية للكذب المحترف. منها "الاقتصاد في الكذب". والخطاب الإيراني مختصر جدًّا، يركز على "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود"، ثم السعودية، والوهابية، والسلفية، وتمرر في أوقات السلم والحرب، الصلح والخصومة. أما خطابنا فخاضع للظروف، وغير منسجم مع نفسه، ورغم صدقه فإنه مشتت. كما أن التخطيط الممنهج للتدليس -وليس اعتباطه عند الحاجة- هو سمة أصيلة في الخطاب الإيراني. أما الخطاب المضاد فغير مؤسس، وليست له أهداف بعيدة المدى. ويمتاز الكذب المحترف بقول الحقيقة بطريقة ملتوية، ويدرس الجمهور المستهدف بعناية، ويواصل الكذب في ذات الموضوع، وهي استراتيجية جوبلز. وقد تمسك الإيرانيون بمكونات خطابهم الرئيسة على مدى 37 عامًا. ويتسم خطابهم بالتركيز على الجوهر. أما نحن فتصرفنا فقضايا متشعبة، كجرائم حزب الله مثلًا. ويمارس خطاب إيران المشحون بالأكاذيب الضغط العاطفي وحشد المشاعر الجياشة عندما يرى أن موقف الخصم قوي، وقد لجأ الإيرانيون إلى هذا الأسلوب قبل موسم الحج ببضعة أيام.

لا أقصد تقديم درس في فنون الكذب، لكن الذي هدفت إليه -كما فعل المدون ذاته- هو أن أطرح معيارًا يقاس عليه كذب إيران؛ فلعله يساعدنا في قول الحقائق بطرق علمية.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا