>

تركة أوباما لترامب

د.عبد الرحمن الحبيب


اللغة الدبلوماسية يعتمد تأثيرها على قوة الكلمة التي لا تقال، لكن أوباما وسعها في الأفعال منتهجاً مبدأ «ألا تعمل أفضل من أن تعمل»، كما طبقه في سوريا وليبيا والعراق. اللغة الدبلوماسية تستخدم الكلمات الخفية أو المراوغة لكن العمل السياسي يتطلب الفعل.
أهمية تقييم تركة أوباما ليست للتسجيل التاريخي، بل لمعرفة العلاقة بين القول والفعل في أداء الإدارات الأمريكية، ومن ثم الإدارة القادمة بعد أيام التي تم الحكم عليها سلفاً من خلال ما تقوله على أساس أنه ما ستفعله. هذا تقييم مستعجل حين نتوقع الأفعال على أساس الأقوال فقط. ففي الأقوال، أوباما خطيب بليغ تكلم قليلاً وفعل كثيراً في الاقتصاد، وعلى النقيض تكلم كثيراً وفعل قليلاً في السياسة العالمية. قال إن أمريكا لن تتخلى عن حلفائها في الشرق الأوسط، لكنه لم يفعل شيئاً ذا بال.. لو أنه قال منذ البداية أن أمريكا لن تتدخل لاتضحت الرؤية، رغم أن المشكلة ستظل قائمة..
لماذا انتهج أوباما ذلك، ربما رغبة منه بأن يُقيَّم نهجه السياسي بعدد الحروب التي لم يخضها؛ وبالغ البعض بأنه يريد أن يذكره التاريخ كجدير بجائزة نوبل للسلام. هذا منطق لا أراه موضوعياً، بل أرى أنه اتبع استراتيجية الأمن القومي الأمريكي المعلنة عامي 2010 و2015 التي أعطت أولوية الأمن الأمريكي للتهديد الاقتصادي من الشرق (الصين، الهند، نمور آسيا، روسيا..).
لكي يكتمل تصورنا لأداء أوباما خلال سنواته الثماني، سأحاول تلخيص أهم أطروحات مؤسسات الفكر والرأي الأمريكية، وكيف تقيِّمه لا سيما بعد مقابلته الأخيرة الذائعة الصيت التي أتت في مقالة طويلة جداً (تسعة عشر ألف كلمة!) لجيفري غولدبرغ في مجلة «أتلانتيك» بعنوان «عقيدة أوباما» التي ظلت لغزاً حير كثيرين يرون أنها أضرت بمصداقية دبلوماسيته، وكان ينبغي أن تظهر في بداية عهده..
إذا كانت نجاحات أوباما الداخلية واضحة خاصة في الاقتصاد والصحة، فإن سياسته الخارجية سجلت إخفاقات عديدة؛ بداية من أفغانستان حين أرسل لها ستين ألف جندي عام 2009 (رغم أنه وعد بالنقيض) وقال إنها مؤقتة ضد طالبان. والآن طالبان تمددت أكثر والقوات الأمريكية لا تزال جاثمة هناك، وليس انتهاءً بوعده بالوصول لعقد معاهدة سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل والآن هذا السلام أبعد مما كان عندما وعد بذلك. أما تعامل أوباما مع اضطرابات المنطقة العربية فحدث ولا حرج.. قال: إن على الأسد أن يرحل، ولم يحدد الطريقة ولا البديل.. والآن سوريا في خراب ونظام الأسد تدعمه روسيا وصار في حال أفضل. قال بأن استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي خط أحمر وتبين أنه خط رمادي عندما استخدم النظام السوري غاز السارين ضد المدنيين عام 2013..
الآن، الشرق الأوسط، بصورة عامة، في حال أسوأ مما كان عندما أطلق أوباما وعوده. لا تلام على ذلك سياسة إدارته وحدها إلا أن أداءها ساعد على الفوضى ونفور شركائها منها في المنطقة حسب رأي قطاع كبير من الباحثين الأمريكان.. أما في تعاملها مع روسيا في أوكرانيا فقد كان متخبطاً أدى لإحراج القوة الأمريكية ووضع أوروبا في حالة خطر.. لتصبح موضوعاً جديداً شائكاً في الأجندة الأمريكية (ستيفن ولت، فورين بولسي).
حسب مقالة اتلانتك الأخيرة.. يعتقد أوباما أن أمريكا آمنة، وأن تهديدها على المدى المنظور يكمن في الإرهاب النووي وتغير المناخ؛ معتقداً ارتفاع الأهمية الاستراتيجية لشرق آسيا اقتصادياً وعسكريًا، مقابل انخفاض أهمية الشرق الأوسط. أما فكرة حاجة أمريكا لخوض حروب «حمقاء» من أجل الحفاظ على «مصداقية» سليمة فهو في رأيه هراء خطير، مشدداً على «بناء الأمة من الداخل» كأساس للأمن الأمريكي ونفوذه الدولي. أوباما يعتقد أن قوة أمريكا استثنائية وأن قيادتها للعالم لا غنى عنها، لكنه يؤكد أن هناك حدوداً لهذه القوة وأنها قد تتعرض للخطر عند التدخل، فينبغي ألا تتدخل إلا عندما تتعرض المصالح الحيوية الأمريكية للخطر أو عند التوقع أن يسفر التدخل عن نتائج إيجابية.
هنا ينتقده الباحثون الأمريكان بأنه لم يسبق أن طرح عليهم هذه الرؤية الشاملة، ولم يحدد بوضوح ما هي المصالح الحيوية لأمريكا، ولا المناطق التي تقع خارج نطاق هذه المصالح؛ بل ردد استعارات مألوفة وكلاماً عاماً عن أهمية التدخل الأمريكي. لكن كيف قرر التدخل في أماكن والإحجام عن أخرى فقد ظل لغزاً حتى للباحثين الأمريكان المختصين. تناقض سياسة أوباما شمل أيضاً العلاقات مع حلفاء أمريكا، فقد تفاخر كثيراً بحمايتهم، وبذل جهداً في إقناعهم بالتعويل على أمريكا، ثم راح يتذمر منهم مستخدماً عبارة «الركاب بالمجان»! لو أن أوباما لم يعدهم بالحماية فقد يشعرون بخيبة أمل ولكن على الأقل كانوا قد عرفوا الموقف الأمريكي وأين يقفون منه.
هنا، من حق «الحلفاء» أن يتساءلوا عن أي معنى لهذا التحالف الذي يقصده أوباما، وهل يمتلك أفضل من الخطب البلاغية لسياسته الخارجية؟ قريباً، ستجيب على ذلك الإدارة الأمريكية القادمة التي ستديرها قيادة جديدة تجمع بين رجال الأعمال ورجال ذوي خلفية عسكرية في تركيبة جديدة لم تعهدها الإدارات الأمريكية السابقة.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا