>

ترامب والإخوان - هشام النجار


نحن فى حاجة للتأنى وتوسيع دائرة الرؤية لتشكيل تصور متكامل بشأن مستقبل العلاقة بين جماعة الإخوان وإدارة الرئيس الأمريكى الجديد دونالد ترامب، ولا مفر من وضع جملة من المحددات فلا تجرفنا انطباعات البعض فضلًا عن ألاعيب الساسة واستغفال الجماعات نحو الركون لاستنتاجات معلبة تم إنتاجها لتدعيم مواقف هذا الطرف أو ذاك فى الساحة السياسية.

قبل قبول منطق عداء الإدارة الأمريكية الجديدة للأيديولوجيا الإسلامية واتخاذها إجراءات حملت قدرًا من الغلو والتشدد ضد المسلمين بدافع الهواجس من المنظمات المتطرفة، ينبغى ألا تأخذنا نشوة توجيه اللوم لواشنطن بعيدًا عن أصل وجذور المشكلة؛ فنحن أمام منهج تم تشويهه من فئة بعينها، ونظرية «الحكم الإسلامي» لم يشوهها ترامب إنما فعلت ذلك جماعة الإخوان عندما تسرعت فى تعريضها للاختبار دون تفكيك وبلورة كاملة وعصرنة ودون امتلاك برنامج، وخبرات التاريخ دالة على أن فشل المشروع السياسى يؤدى لانهيار نظرية الحكم المستند إليها؛ كما حدث فى المسيحية بعد إخفاق حكم الكنيسة، وللماركسية بعد فشل الحزب الشيوعى وللفاشية بعد هزيمة الدولة النازية فى الحرب، فالأصولية الحزبية الطامعة والمتسرعة التى قادها هواة وخطباء مساجد فى بلادنا تتحمل مسئولية الاتهامات والمواقف العدائية الموجهة لتحقيق مصالح سياسية للغرب.

هناك خلل كبير نشأ أساسًا من تقوية تيار التشدد داخل العالم العربى والإسلامى بزعم مواجهة الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية، وكان هناك طمع فى الوصول للسلطة والاستمرار بها من خلال استبداد دينى منذ ضياء الحق فى باكستان الذى أقنع أمريكا بما اسماه «الحزام الأخضر» لمواجهة الخطر السوفيتى وجاء بعده مهووسون على نفس الشاكلة فى غالبية الدول العربية.

وفى المقابل وجدت الولايات المتحدة مصالحها فى استغلال هذه المطامع الفارغة من المواهب، وإذا كنا نحملها مسئولية ما جرى بالعراق وليبيا وسوريا..إلخ، فلا أحد يأتى على ذكر مئات «المعارضين» العرب الذين قابلوا السفراء الأجانب وتعاونوا مع أجهزة الاستخبارات الغربية وقدموا خدماتهم للخارج بغرض إسقاط الأنظمة بالدعم الغربى ومن ثم القفز على السلطة، وأمريكا لا تلام فتلك هى تركيبتها وهى أولًا وأخيرًا قوة عظمى تسعى لترسيخ نفوذها وتحقيق مصالحها بالأسلوب الذى يتيسر لها، وما ينبغى علينا فعله هو الاشتغال على أمراضنا وسقطاتنا وثغراتنا نحن.

لدينا نماذج دول دينية أو تسعى لتكون كذلك فهناك إسرائيل وهناك إيران وأخيرًا تركيا بعد انطلاق ما سمى ثورات الربيع العربي، ولن يفكك الإرهاب ويعالج بشكل كامل طالما هناك دول قائمة على أساس دينى وترفض التعددية، والناظر لتلك المراحل منذ قيام إسرائيل إلى الثورة الخومينية إلى ما عُرف بـ «ثورات الربيع» التى جرفت تركيا نحو القالب الدينى بهدف التوسع فى المشرق العربي، يكتشف أنها المحطات الرئيسية التى غذت التطرف والعنف والتنظيمات الإرهابية فى عالمنا.

هذا هو ملعب مناورات أمريكا وصولًا لتحقيق الأهداف الكبرى لها ولإسرائيل، وقد تغاضت عن ممارسات أردوغان القمعية ضد معارضيه السياسيين ورحبت به للعب دور نشيط بالساحة الإقليمية وغضت بصرها عن عملياته العسكرية بشمال سوريا والعراق تحت لافتة محاربة داعش، وسمحت قبل ذلك لإيران بالسيطرة على شئون العراق ومررت نشاطها السياسى والعسكرى المتصاعد فى المنطقة العربية، بهدف تمكين النموذج الدينى لشرعنة حضور إسرائيل كدولة دينية وجعل الحضور العربى مفككًا تابعًا لتلك النماذج، ليأتى الحديث عن إجراءات فى مواجهة إيران وأخرى ضد الإخوان لمجرد إعادة ضبط الأوضاع وموازين القوى والمكاسب على الساحتين السورية والعراقية فى مرحلة التسويات والتصفيات النهائية وسيتم ذلك بمزيد من الحمولات على الأطراف العربية، وحتى لو تم اتخاذ إجراءات فستكون شكلية محدودة التأثير وستظل هناك دولة إقليمية تحتضن وتدعم الإخوان وأخرى دينية ترعى التطرف الشيعى لمواصلة إضعاف وإنهاك القوى العربية، مقابل علاقات مميزة بين كل من روسيا وتركيا بإسرائيل.

وأولوية إدارة ترامب هزيمة «الإرهاب الإسلامي» والضغط لتطوير التفاهم مع إيران بصفقة مضافة بشأن العراق والتدخل للتفاهم مع روسيا على مستقبل سوريا، وجميع هذه المسارات يحكمها تأمين بيئة إستراتيجية آمنة لإسرائيل لعقود قادمة، وهو ما يتطلب استغلال تولية ترامب وما وصل له حال سوريا والعراق و«المقاومة» سواء فى فلسطين أو لبنان لفرض ما تريده إسرائيل على الجميع، ليأتى مشروع التسوية الإسرائيلية الفلسطينية تتويجًا لتلك الترتيبات الإقليمية الشاملة. بالنسبة لأوضاع الإخوان فى تركيا وبعض الدول العربية فمن الواضح أنها لن تتأثر بما تم التلويح به ضد التنظيم بتصنيفه إرهابيًا؛ وكانت الرسالة واضحة ومقروءة عندما رفض أردوغان وصف «الإرهاب الإسلامي» على لسان المستشارة الألمانية، وراشد الغنوشى فى وقت واحد عندما أكد أنه وحزبه لا يشعران بأى خطر.

أما فلسفة هذا التوجه الأمريكى فى هذا التوقيت فتتلخص فى أمرين؛ الأول وضع جماعة الإخوان فى مصر وفى الولايات المتحدة وبعض دول الغرب، ومشروع كهذا إذا تم إقراره لن يفوت على الأمريكان والغربيين المزيد من المكاسب والمصالح، بالنظر إلى أن تجربة الإسلام السياسى قد انتهت فى مصر وتكاد تكون حسمت بعد أن قدمت خدمات جليلة للغرب وإسرائيل، والثانى وضع مصر من القضية الفلسطينية؛ وما دامت الإدارة الأمريكية الجديدة قد عزمت على تسوية الصراع الإسرائيلى الفلسطينى فلا غنى عن الدور المصري، ومن المتوقع أن تكون هناك مساومات بأوراق عدة أملًا فى تسوية ترضى اليمين الإسرائيلى الرافض لحل الدولتين. المرحلة المقبلة لن تشهد توافقًا على طول الخط بين إدارة ترامب ومصر رسميًا وشعبيًا، فإذا كان هناك ترحيب بتعاون وتنسيق فى مواجهة الإرهاب وتوجه للحد من نشاط الإخوان فى الغرب، فهذا لن يكون يقينًا على حساب الحقوق والثوابت العربية والمصرية والفلسطينية.

واع : ننتظر الانتقال لموقعنا الجديد الدائم باي لحظة



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا