>

تدمير الموصل مع سبق الاصرار والترصد - ولاء سعيد السامرائي

تدمير الموصل مع سبق الاصرار والترصد
ولاء سعيد السامرائي

يجري تدمير أكبر مدينة عراقية على مرأى العالم ومسمعه، وبحجة 'داعش' من قوات الاحتلال الأميركي، وبمساعدة الطيران البريطاني والفرنسي، تتقدمها القوات الحكومية منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، فيقتل أهلها ويهجر سكانها ويشرّد رجالها ويعتقلون في معسكراتٍ، وكل ما حظيت به المجزرة التي قُتل فيها، أخيرا، 551 مدنيا، منهم 180 طفلا، من اهتمام في الإعلام، هو نسبتها خطأ للعسكريين العراقيين.

وعلى الرغم مما قيل بشأن التحضير الإغاثي لعملية الموصل والهرج الإعلامي للمنظمات الإنسانية، فإن هذه كانت بعيدة عن تنفيذ بياناتها الموجهة 'لطمأنة' الرأي العام. وبينما توجد المنظمات الصحية، المعروفه بتبعيتها الأطلسية، للعناية بجرحى قوات حكومة الاحتلال، مثل منظمتي أطباء بلا حدود وأطباء العالم، تعتقل شرطة رئيس الحكومة العراقية، حيدر العبادي، بعض من تبقوا من أطباء المستشفيات، مثل الدكتور جاسم، أمام المنظمات الدولية، بحجة تعاملهم مع 'داعش' (مجلة باري ماتش الفرنسية)، فلماذا لم يوفر مأوى للمدنيين، أو ممرا آمنا، كما فعلت فرنسا بطلب من وزير خارجيتها الأسبق برنار كوشنير يوماً، في شمال العراق، بدل تركهم يبادون جماعياً. أيهما أسهل، تهجير فئات معينة من مواطني الموصل، وإرسالهم إلى فرنسا وأستراليا وكندا أم إسكانهم في أربيل أو السليمانية أو غيرها من مدن العراق حتى انتهاء المواجهات؟

لا يختلف أحد على أن الحروب تخلف آثاراً كبيرة في مناطق اندلاعها، على سكانها وعلى البنى التحتية. لكن، هل ما يجري في الموصل هو فعلا حرب تحرير أم عملية تدمير متعمد، مع سبق الإصرار والترصّد؟ ما يجري اليوم، ومنذ بداية عملية 'قادمون يا نينوى'، هو تدمير متعمّد لنشر الخراب والدمار وتجريف ممنهج للمدينة وبناها التحتية بالكامل، وهو عمل مهنيين وعسكريين محترفين بدرجات عاليةٍ من الكفاءة والتنظيم، في أوقات الحروب الكبرى، كما هي الحرب على العراق، وليس لمجموعة متطوعين يفتقرون للخبرة العسكرية والهندسية التي تتطلبها مثل هذه الأفعال أو لشباب عاطلين عن العمل، جندوا من هنا وهناك، للحصول على راتبٍ يعيلون به عوائلهم الميتّمة والمنكوبة أو لشباب بسيط من العشائر التحق لكسب العيش، فقتل المدنيين وقصف المدينة لم يبدأ أخيرا مع المجزرة التي وصفت بأنها خطأ إحداثيات من القوات العراقية. ماذا عن كل عمليات القصف الأخرى التي استهدفت المدينة بأكملها منذ أشهر، ولمناطق يقول عنها السكان إنها خالية تماما من 'داعش'؟

ولعل الأهم حول ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية، هو كيف تركت سلطات الاحتلال العسكرية المسيطرة على العراق، والتي تعرف كل صغيرة وكبيرة تدور فيه دخول هؤلاء المقاتلين بعشرات العربات، وفي وضح النهار، وترك أبو بكر البغدادي يلقي خطاباً في أحد أهم مساجد المدينة؟ وهل قامت قوات الاحتلال بمعالجة خطر العدو بالتموضع 'والتمدّد والبقاء'، كما تقول شعاراتهم؟ كيف سمح جنرالات الاحتلال والقوات الحكومية 'لتنظيم وحشي' بالدخول إلى المدينة وإحكام قبضته عليها وبناء دفاعاته بمحاذاتها؟ أليس غريبا أن القيادات العسكرية لأكبر جيش في العالم لم تحرّك ساكنا منذ البداية، ومنذ عامين، أمام تنظيم صغير، قالت عنه إنه لا يتعدى بضع مئات، غالبيتهم أجانب جاءوا من وراء الحدود؟ ولماذا حظي هذا التنظيم بتغطية إعلامية دولية واسعة؟ وهل صحيح ما يردّده الإعلام أن 'داعش' يريد إقامة دولة إسلامية وإعادة الخلافة؟

لو غضضنا البصر عن عبور هؤلاء بغفلةٍ من الرادارات والكاميرات التي تمتلئ بها سماء العراق، فكيف يسمح بترك 'بضعة مئات' يتموضعون ويتمركزون ويبنون الدفاعات من كل نوع وشكل، ويجنّدون الشباب بسهولة، وبالقرب من القواعد العسكرية الأميركية (قاعدة الشرقاط)، بينما تقول أساسيات العلوم العسكرية، في مثل هذه الحالة، بتشتيت العدو وضربه في الحال، وعدم السماح له بالانتشار والتوسع. لماذا لم ترسل الولايات المتحدة أهم فرق جيشها المجوقلة 101 الموجودة اليوم في العراق لإنهاء هذا التنظيم حالا بعد دخول 'داعش'؟ هل الولايات المتحدة التي غزت العراق، واحتلته في فترة وجيزة، والتي تنتشر قواعدها الـ 775 في العالم عاجزة فعلا عن إنهاء بضع مئات من الأشخاص؟ ليس هذا فحسب، بل سلطات الاحتلال هي من أوعزت لرئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، بإعطاء الأوامر لقطعاته بالانسحاب الفوري من الموصل، وترك الأسلحة والعتاد. وعلى الرغم من أن البرلمان شكل لجنة للتحقيق في هذا الأمر، واتهم فيه 38 مسؤولا حكوميا، لكن أحدا منهم لم يحاسب إلى يومنا؟

أما سردية الأعلام الغربي ومعاهده ومؤسساته السياسية ودور نشره بخصوص 'داعش'، والتي سارت بالتزامن مع الرواية السياسية، فهي الأخرى هدف يمكن مساءلة غالبية أدبياته، بدءا من الصور المنشورة من دون مصدر أو من مصدر مجهول، إلى اقتباس مشاهد من أفلام معينة، وصور لمناسبات دينية نسبت إلى التنظيم، إلى الأفلام المصنوعة والمرسلة إليه من الخارج، والمواقع على النت، وسيل الكتب المنشورة. تتمحور المساءلة هنا حول 'ثلاثية' عناصر القصة التي ترافق مثل هذه الحروب، كما يقول أحد الصحافيين الفرنسيين الذي سبق له أن غطى الحروب في أفغانستان وكوسوفو، وعايش صرامة الضباط الأميركيين في توجيه الصحافيين الأجانب إلى قول ما يريدون هم، وليس ما يجري في الواقع وعلى الأرض.

يجب أن تتوفر، في 'خريطة الطريق الإعلامية' لهذه المناسبات، ضحية ومجرم ومنقذ. وهذا ما حدث في الموصل، إذ لم يمر شهران على دخول 'داعش' الموصل إلا وبدت الضحية تبرز شيئا فشيئا للإعلام على شكل اضطهاد الأيزيدية، فانشغلت الصحافة بإبراز المظلومية، وقامت 'نخب اللوبي' الفرنسية، المعروفة بإيصال شابة منهم إلى الاتحاد الأوروبي لعرض 'المأساة' على الدول الغربية التي تبنت 'القضية' بسرعة، ولتصبح 'الفتاة'، بعد فترة، سفيرة الأمم المتحدة للقضايا الإنسانية، بينما لم يستطع أي عراقي مظلوم أو مجموعة عراقية قانونية، جمعت قرائن عن جرائم حرب وتعذيب وتهجير، وغيرها من الجرائم المقترفة في العراق منذ 2003 الوصول إلى الاتحاد الأوروبي.

لقد خدمت قصة 'اضطهاد الأيزيدية' مشروع تهجير سكان مدينة سنجار والاستيلاء على أراضيهم، وباعت كثيراً منها وكالات وبنوك غربية. وقد جرى الأمر نفسه لأهلنا العراقيين من المسيحيين الذين هجّروا سريعا عن طريق كنائس إيطالية وفرنسية وهندية. هذه شهادة مواطن عراقي على هذه الأحداث: 'الأمم المتحدة قامت بتسهيل عملية ترحيل المسيحيين إلى أستراليا وكندا عن طريق الكنائس الإيطالية والهندية، حتى لا تتم عودة السكان الأصليين. وكنت أشرف بنفسي على ترحيل المسيحيين وسفرهم'. وأيضا شهادة امرأة عراقية من الموصل: لم يجب أحد عن سبب منع عودة أهالي سهل نينوى، ولماذا ومن خرّب ويخرّب مناطقهم ومنشآتهم الحيوية، على الرغم من عدم وجود 'داعش' أصلا في تل السقف وباقوفا، ومن أحرق ودمر باطنايا، ومن يمنع أهالي تلكيف من العودة، بعد أن زارها بطريرك الكلدان مع رجال الدين. اليوم ممنوع على مسيحييها الدخول من البشمركة، فلماذا هربوا وتركونا لقمة سائغة؟ لماذا لا يسمحون لدوائر الدولة بالعودة والموظفين الحكوميين بالذهاب إلى أعمالهم، وحدها الكنيسة تعمل. وفي اليوم الثاني، يذهب الأهالي، ويجدون محولات الكهرباء والجهود مدمرة محطمة... هل من مجيب؟'. لقد عرّت عملية الموصل حكومة المنطقة الخضراء وأحزابها المتهافتة على المناصب والمنافع التي لن تتورع عن مشاركة سلطات الاحتلال في ضرب ما بقي من مدن أخرى، لإخضاعها وإسكات صوتها، وبعمليات تضليلية وخدع مشابهة. ولم يعد أمام شعبنا من حل إلا الدفاع عن نفسه ووجوده بكل الطرق، فالحرية وكسر سلاسل العبودية لا تنالها الشعوب إلا بالتضحيات.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا