>

بين الألم والأمل - البابا تواضروس الثانى

بين الألم والأمل
البابا تواضروس الثانى

فرحة القيامة المجيدة هى أساس مسيحيتنا وإيماننا وحياتنا وهى تضاهى فرحتنا بالنور , ولذا فهذا العيد له ثلاثة أسماء تعبرعن النور.

عيد الفصح Passover : أى العبور والمقصود العبور من ظلمة القبر إلى نور الحياة .( وهى نفسها كلمة بصخة)

عيد القيامة Easter : أى المشرق مصدر النور ولذا هو عيد مشرقى الطابع أى نورانى .

ــ عيد الأحد Sunday : أى يوم الشمس أو النور وهو العيد الأسبوعى للقيامة المجيدة.

ويقف الإنسان أمام حدث القيامة الخالد الذى أشرق على البشرية منذ نحو عشرين قرنا من الزمان , ليعيد الإنسان اكتشاف نفسه . لقد حار كثير من الدارسين والعلماء فى فهم الإنسان وتعريفه .البعض وجد الإنسان قلبا ينبض بالمشاعر والأحاسيس, والبعض وجده عقلا مفكرا مبدعا مبتكرا, وآخرون وجدوه مجموعة من الغرائز والطاقات التى توجه سلوكه, وآخرون رأوا فيه ضميرا يشرع ويراقب ويقضى ويحكم ويدين, والبعض وصفوه انه كائن روحانى فيه الروح تتصل بالله من خلال العبادات والصلوات والأصوام ... وآخرون رأوه عالما صغيرا مقابل العالم الكبير الذى نعيش فيه .

ولكن الحقيقة فإن الإنسان على ضوء القيامة نراه واحدا من اثنين :

إما صانعاً للألم فيمن حوله.

وإما زارعاً للأمل فيمن حوله.

ومن المدهش أن كلمة «أمل» وكلمة «ألم» فى اللغة العربية لهما نفس الحروف الثلاثة التى تبدأ بالحرف الأول «الألف» الذى يقولون عنه : «إنه كان حرفا من الحروف , ولكنه عندما استقام جعلوه أول الحروف», ثم الحرفين «ميم», «لام» مع تبديل موقع كل منهما فى الكلمة . أما من ناحية المعنى فالفارق شاسع للغاية كالفارق بين النور والظلام, وبين الخير والشر أو بين الحياة والموت.

صانعو الألم

هم طائفة من البشر يهوون أن يكونوا سببا فى آلام الآخرين من خلال ما يصنعونه أو يفعلونه على أى مستوى بمعرفة أوبغير معرفة مثل:

الذين ينشرون الأكاذيب والشائعات والضلالات بكلامهم وأقوالهم وأحاديثهم السلبية. الذين يحبون الماديات والأرضيات وكل أحلامهم على مستوى التراب ليحققوا أى منافع خاصة سواء بالعنف أو الجريمة أو الأعمال الشريرة.

الذين يتسمون بالعناد الشديد والرفض لكل عمل والقساوة تملأ قلوبهم وأحكامهم على الآخرين، بل وكثيراً ما يقومون بتشويه الواقع والسخرية منه.

الذين يبثون الشكوك وصور اليأس سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الشعوب مما يصيب الجميع بحالات الإحباط والقلق والخوف.

هؤلاء وغيرهم نسميهم صانعو الاضطراب Trouble makers وهذه كلهـا تدور تحت نوعيات الخطية التى هى عـار الشعوب أنظـروا معى «هيرودس الملك» فى أحداث قصة ميلاد السيد المسيح وكيف خاف على ملكه من هذا المولود وأمر بقتل جميع الصبيان الذين فى بيت لحم وفى كل تخومها وصنع آلاما قاسية ودموعا مرة ملأت أرجاء المكان (متى 2 : 13-18) . ومثال آخر اليهود الذين حاكموا السيد المسيح ثم صلبوه فى زمن بيلاط البنطى الوالى الضعيف على اليهودية وكيف تسببوا فى آلامات عديدة جسدية ونفسية ومعنوية حتى مات المسيح على خشبة الصليب ( متى 27 ).

ومثال ثالث ؛ يهوذا تلميذ المسيح الذى كان واحداً من الاثنى عشر تلميذاً له نفس كرامتهم ومكانتهم , ولكنه صنع آلام الخيانة الرهيبة وباع سيده بثلاثين من الفضة ( متى 26 :14-16 ).

ومثال رابع ؛ شاول الطرسوسى ذلك الفريسى اليهودى الذى كان مفترياً على كنيسة الله الناشئة وآثار قتلاً وخوفاً على المسيحيين فى أورشليم وغيرها وصنع آلاماً مبرحة بالقتل والتعذيب فى نفوس المئات وذلك قبل اهتدائه وتحوله إلى المسيح (أعمال الرسل 8و9 ) .

زارعو الأمل

كانت قيامـة السيد المسيح هى أقوى حـدث تم على الأرض يزرع الأمـل فى نفوس البشـر وقد اختبـر القديس بولـس الرسـول اختبـار القيامـة حين قـال «لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته» (فيلبى 3: 10 ) .

ولأننا فى إيمان القيامة لا نرى اليد التى تصنع الألم ولا اليد التى تخون أو تعتدي, ولكننا نرى المسيح القائم الذى يُنهض الأمل والرجاء فى نفوسنا, كما قال يوسف الصديق لأخوته « أنتم قصدتم بى شراً أما الله فقصد بى خيرا»ً ( تكوين 50 : 20 ) . والأمثلة كثيرة منها:

جماعة التلاميذ الذين كانوا أسرى الخوف واليأس من أحداث الصليب المؤلمة, وخلف الأبواب المغلقة , جاءهم السيد المسيح طاردا كل خوف وهلع , مانحاً إياهم سلاماً وفرحاً لا يعبر عنه «ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب» ( يوحنا 20:20) .

القيامة تزرع أملاً دائماً يغلب كل هموم الزمان وكل ألوان الإحباط والتجارب الأليمة . وهذا هو سر تحية القيامة «اخريستوس آنيستى ...اليثوس آنيستى» المسيح قام !... بالحقيقة قد قام «والتى نرددها صباحاً ومساء طوال احتفالنا بالقيامة لمدة خمسين يوماً مقدسة لتصير نمط حياة عبر العام كله».

وهناك تلميذا عمواس, تلك الضاحية البعيدة قليلا عن أورشليم, حيث كانا يتحاوران عن أحداث الصليب والآلام وهما عابسان وفى حالة من اليأس والشك والحيرة البالغة وبلا رجاء .. وقد ظهر لهما المسيح القائم وصار يمشى معهما .. وشرح لهما بكل استفاضة ما حدث .. ولكنهما لم يفهما..والعجب أنه بعد أن تركهما قالا لبعضهما: زألم يكن قلبنـا ملتهباً فينا إذ كان يكلمنــا فى الطريق ويوضح لنا الكتـب، ( لوقا 24 : 13-35 ).

ومثال ثالث عن مريم المجدلية التى اخرج منها السيد المسيح سبعة شياطين وصارت تخدم المسيح وترتبط به روحياً ولكن عندما صُلب على الصليب ومات, وقعت فى بالوعة اليأس وفقدت كل رجاء فى الحياة , حتى أنها ذهبت للقبر فجر أحد القيامة باحثةً عن الجسد الميت وليس عن الحياة.

وعندما أدركت قيامة المسيح , أوصاها بأن تنقل رسالة القيامة إلى الرسل الخائفين وتبشرهم بالفرح والأمل ( يوحنا 20: 11-18 ) .

إن روح القيامة أن تزرع الأمل فيمن حولك بكل وسيلة ممكنة سواء بالكلمة المشجعة أو بصنع السلام أو بمسامحة الآخرين أو بكل تصرف إيجابى فى سلوكيات حياتنا اليومية وكل أفعال زراعة الأمل بين أسرتك وعائلتك وبين جيرانك وأصدقائك وفى محيط مجتمعك ووطنك ..واعلم أنه بدون قيامة لا توجد سوى الآلام, ومع القيامة تحل الآمال والرجاء والثقة.

إننا نصلى من أجل وطننا الغالى مصر وننتهز الفرصة لنهنئ فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى على ثقة الشعب المصرى العظيم به لفترة رئاسية ثانية مكللة بالأعمال الكبيرة فى نهضة البناء والتعمير والتنمية , ونصلى من أجل كل المسئولين فى بلادنا الغالية ومن أجل السلام فى كل ربوعها، كما نرفع صلواتنا من اجل أبطالنا فى القوات المسلحة والشرطة الوطنية الذين يبذلون كل الجهد فى الدفاع عن الوطن وتطهيره من كل معتدى .

وليحفظ الله حياتكم بكل أمل وسلام على الدوام ..



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا