>

بدون اللغة العربية نصبح كالعراة حضاريا - د. سليمان عبد المنعم

بدون اللغة العربية نصبح كالعراة حضاريا
د. سليمان عبد المنعم

مؤلمٌ ومقلقُ أن يطالع المرء الدعوات التى تروّج للعامية المصرية وتنتقد مجمع اللغة العربية فيما يعكف على إعداده من مشروع قانون لحماية لغة الضاد وحظر استخدام لغة أجنبية فى المكاتبات الرسمية. بالطبع نحترم حرية الرأى ونضعها فوق رءوسنا لكن حين تضج الرءوس بالالتباس والخلط فى تشخيص قضية اللغة العربية فإن البحث عن الحقيقة يبدو مطلوباً ومُلحّاً. وابتداء فنحن نحتاج إلى معرفة رأى علماء اللغة والاجتماع وأهل الثقافة بشأن مقولة إن العامية المصرية وليس اللغة العربية الفصيحة هى من (أولى) مقوّمات الهوية المصرية؟ وهل يعد مشروع القانون الذى يعكف عليه مجمع اللغة العربية والذى يستهدف حماية العربية وإعلاء شأنها بدعةً أم أن كل دول العالم ذات اللغات العريقة مثل فرنسا وألمانيا والصين واليابان تفعل الشيء ذاته فى حماية لغاتها الوطنية والغيرة عليها وربما بنجاعة أكبر مما نفعل؟

وبعيداً عن المناظرات الفكرية الحالية بين أنصار اللغة العربية ودعاة استخدام العامية المصرية، وهى إعادة إنتاج لدعوات قديمة، ثمة سؤال ينبغى مواجهته بصراحة وشجاعة: ماذا يتبقى لنا كعرب من مساهمة فى الحضارة الإنسانية غير ما أنجزناه باللغة العربية فى العلم والفكر والشعر والرواية والمسرح؟ هل لدينا دليل تاريخى على ما قدمناه من إنجاز للبشرية سوى كتب ومؤلفات ابن خلدون فى علم الاجتماع وابن سينا فى الطب والفارابى فى الفيزياء وابن الهيثم فى البصريات والخوارزمى فى علم الجبر وابن رشد فى الفلسفة وألف ليلة وليلة فى الأدب، ونجيب محفوظ فى الرواية، وكلها كتب تُرجمت إلى لغات أجنبية منذ مئات السنين؟ لولا اللغة العربية التى كُتبت بها هذه المنجزات العلمية والفكرية الكبرى لما وُجد هذا الدليل التاريخي. ولهذا حين تسود العاميات من مصرية وغيرها وتصبح العربية بفعل الزمن غريبة وربما مهجورة فى ديارها فهذا يجعلنا كالعراة فى مشهد الحضارة الإنسانية. صحيحٌ أننا كمصريين ننتسب إلى الحضارة الفرعونية ونعتز بها لكنها تبدو اليوم ماضياً بعيداً وسحيقاً لم يقدّر لها الاستمرار والتواصل ولغتها التى تحفظ أمجادها ومنجزاتها مجرد أشكال تصويرية لا يمكن بعثها كأبجدية معاصرة وإن ظلت مبعث افتخارنا.

بوسعنا أن نتفهم حنين البعض وتقديره للعامية الشعرية والغنائية لدى صلاح جاهين أو أحمد رامى أو بيرم التونسى أو الأبنودى الذين اتسمت لغتهم العامية بدرجة كبيرة من الفصاحة والرقى اللغوي، لكن ليس من المنطقى تعميم هذا الحنين الصادر عن ذائقة شخصية لإعلاء العامية فى مواجهة الفصحى. فكما تجاوب المصريون مع عامية جاهين وبيرم والأبنودى فإنهم تجاوبوا أيضاً (بمن فيهم الأميون وقليلو التعليم) مع فصحى إبراهيم ناجى فى الأطلال لأم كلثوم، وقصائد نزار قبانى لكاظم الساهر، وروائع فيروز وعبد الحليم حافظ بالفصحى فى الكثير من الأغنيات.

الترويج للعامية على حساب العربية الفصيحة رؤية لا تخلو من خطأ وخطورة معاً. وجه الخطأ أن عامية أحمد رامى أو بيرم التونسى أو الأخين الشناوى لم تكن أبداً هى العامية القبيحة العرجاء التى تسرح اليوم وتمرح على الألسنة ويتنافس على الانحطاط بها المطربون فى زمن أصبح للقبح اللغوى معجبون ومفتونون (هذه حقيقة لا مبالغة فيها). وبرغم ما فى العامية المصرية من مفردات عبقرية فلن تنتج فى النهاية سوى الضحالة، لأن اللغة أداة لإنتاج الفكر والتعبيرعنه، يتراجع الفكر بتراجعها بقدر ما تتراجع هى بتراجع الفكر والعلم، وهذه قضية جانبية أخرى.

وجه آخر للخطأ التاريخى هو تصوير اللغة العربية فى بلد مثل مصر وكأنها لغة غازية فُرضت على ألسنة الناس بالحديد والنار إلى درجة قول أحدهم إن الحاكم بأمر الله الفاطمى قد هدّد بقطع لسان كل من يتحدث باللغة المصرية التى كانت سابقة على دخول العربية إلى مصر(!) وكأنه ليس هناك من سند تاريخى موثوق به سوى هذا الحاكم الذى لم يختلف المؤرخون على أحد مثلما اختلفوا حوله، ولعلّ ما قيل عن تحريمه أكل الملوخية والجرجير لا يخلو من دلالة فى هذا السياق! وبصرف النظر عن خلاف أهل التخصص بشأن العديد من الجوانب المتعلقة باللغة المصرية القديمة وعلاقتها بالهيروغليفية واليونانية فإن محاكمة الماضى البعيد بعد أربعة عشر قرناً من الزمان لمناقشة قضية حياتية ومعاصرة مثل اللغة العربية لا يبدو أمراً مجدياً. والمفارقة أن البعض لا ينتبه وسط نبشه المريب فى غياهب الماضى إلى أن العربية الفصحى تدين بالكثير من ثرائها إلى المسيحيين العرب لا سيما مسيحيى الشام. فلا داعى إذن لأسلمة قضية اللغة العربية ولا لقبطنة اللغة المصرية القديمة، فاللغة ظاهرة ثقافية واجتماعية بالأساس، وهى موجودة قبل ظهور الإسلام.

أما وجه الخطورة فى الدعوة إلى سيادة العامية فى مواجهة العربية الفصيحة إلى حد اعتبارها مظهراً للهوية المصرية فهذا يعنى بالمنطق ذاته تشجيع العاميات المحلية الأخرى فى الجزائر والمغرب وليبيا والسعودية والكويت والسودان..الخ، وهو الأمر الذى يُذكرنا بالمصير الذى آلت إليه اللغة اللاتينية حين عانت فى زمنها نفس ما تعانيه العربية اليوم من ازدواجية الفصحى والعامية. كانت اللاتينية لسبعة قرون لغة العلم والدراسة فى أوروبا الوسطى والغربية ثم أصبحت اليوم لغة غير مكتوبة ولا منطوقة فى الحياة اليومية باستثناء كونها اللغة الدينية والرسمية للكرسى الرسولى فى الفاتيكان وقد حلت محلها اليوم لغات أوروبية شتى مثل الرومانية والإيطالية والفرنسية والاسبانية والبرتغالية. فهل هذا هو ما نريده للغة العربية؟

جميعنا يدرك عمق أزمة اللغة العربية فى حياتنا المعاصرة وفى مصر على وجه الخصوص لكن دعونا نحيى ونؤازر كل جهد يبذله مجمع اللغة العربية للنهوض بها وإنقاذها من عثرتها. ولننتظر ظهور مشروع القانون الذى يعكف المجمع على إعداده حتى نقرأ نصوصه بأناة وموضوعية دون خلط ما هو لغوى بغيره من محاكمات تاريخ مضى. ما يمكن قوله الآن إنه ليس بدعة أن يصدر قانون يحمى اللغة العربية ويوجب استخدامها دون غيرها فى المكاتبات الرسمية، أو يحظر كتابة أسماء المحال التجارية ومحتوى الإعلانات التجارية بلغة أجنبية ما لم تكن مقرونةّ باللغة العربية. هكذا تفعل الشعوب والمجتمعات التى لا تعانى عقدة الدونية أو الشعور بالنقص الحضاري.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا