>

النهاية المحتومة للأحزاب الطائفية في العراق


النهاية التاريخية للطائفية وأحزابها متحققة حتى وإن كانت هي التي تحكم العراق اليوم بعد أن انتزعها الجمهور من عاطفته الجمعية، وقد وصلت إلى نهاياتها بعد أن أطبق عليها الفساد والاستبداد.
العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 31/05/2016، العدد: 10292، ص(8)]

لو أطلق مثل هذا الشعار (نهاية الطائفية) عام 2004 و2005 حين كانت جذوة العاطفة الشعبية المذهبية متقدة ومدعومة بحرارة من مرجعية السيستاني في قوائم الأحزاب الطائفية خلال الانتخابات لما تم تصديق ذلك، ولكن اليوم وبعد ثلاثة عشر عاما مما حصده حكم الاحتلال والطائفية يصبح مثل هذا الشعار مقبولا عند الناس قبل السياسيين.
فالنهاية التاريخية للطائفية وأحزابها متحققة حتى وإن كانت هي التي تحكم العراق اليوم بعد أن انتزعها الجمهور من عاطفته الجمعية، لقد كانت ومازالت تجربة حكم الأحزاب الطائفية قاسية على تلك الأحزاب قبل الناس، وقد وصلت إلى نهاياتها بعد أن أطبق عليها الفساد والاستبداد. لقد اختصرت تلك الأحزاب الطائفية بحزب الدعوة لأنه فرض هيمنته على كل من التكتلين الشيعيين المهمين في الحياة السياسية الراهنة (مجلس الحكيم والتيار الصدري)، ولهذا فالحزب يتحمل المسؤولية التاريخية في ما وصل إليه الحكم الشيعي في العراق من نهاية مفجعة، ولا بد من التذكير بأن قيادة الاحتلال الأميركي لم تسمح في بداية عهد ذلك الاحتلال المر بعد عام 2003 لأي تنظيم سياسي بأن ينشط إلا إذا كان خاضعا للعبة الطائفية، إلى درجة أن أمين سر الحزب الشيوعي العراقي، حميد مجيد، وضع تحت لافتة “شيعية” لكي يتمكن من دخول انتخابات العام 2006، ومعلوم أن حزب البعث كان قبل الاحتلال منفردا في قيادة السلطة والنظام السياسي الذي نسب إلى صدام حسين لهذا تم اجتثاثه وملاحقة منتسبيه في أقسى عملية ثأرية في التاريخ.

نقل لي أحد المقربين من الحاكم الأميركي بول بريمر بأنه كان يسأل عن الشخص المرشح لمسؤولية ما هل هذا الشخص بعثي وإن أجيب بالنفي يكرر التأكيد إن كان سنيا أم لا؟ لأن نمطا خاصا من السياسيين السنة مقبول بالعملية السياسية، كان ربط الأميركان للبعث بالطائفة السنية مدفوعا من تيارات اليمين المتطرف في واشنطن وبنصائح عملائهم العراقيين، علما بأن البعث له أيديولوجيته العلمانية حتى أن الأحزاب الدينية تصفه بالحزب الكافر مثل وصفها للحزب الشيوعي قبل أن تهادنه اليوم، كما أن النسبة الكبيرة من البعثيين قبل عام 2003 كانت من الشيعة ولهذا السبب تم استثناء عدد منهم من قانون الاجتثاث واضطروا للانتساب إلى حزب الدعوة بدوافع الخوف والنفعية مثلما حصل للآلاف من المنتسبين لحزب البعث قبل 2003.

ولعل الأميركان كانوا متعمدين هذه الخلطة الطائفية، فمنذ الأيام الأولى للاحتلال استبعدوا الكثير من السياسيين والمثقفين والإعلاميين من العرب السنة رغم أنهم علمانيون وغير طائفيين وكانوا معارضين لنظام صدام وجاؤوا معهم، وحاولوا تسويق العهد الأميركي الجديد ظنا منهم بأنه سيبني “الديمقراطية الفريدة” في المنطقة. لكن ماكنتهم السياسية عطلت، وتراجعوا بعد أن قبضوا المال من الأميركان وتركوا الملعب لأصحاب المشروع الطائفي، بعد أن علموا بأن الأميركان لا يعطون الفرصة سوى لأصحاب المشروع الطائفي، ولأن اللعبة الطائفية بالنسبة إلى الأميركان ميدان حيوي للفرقة والفوضى وكان ذلك مفيدا لمشروع الشرق الأوسط الكبير والذي اندحر وفشل بعد فشل مشروع الاحتلال العسكري بالعراق على يد المقاومة العراقية. وبعض هؤلاء الليبراليين يحاولون اليوم تجريب حظهم بالعودة للعب دور فاشل باسم الاعتدال والوسطية، ويعتقدون بأن العمل السياسي من داخل البيت الشيعي وهو في أوهن حال سيقود إلى تحقيق مشروع الاعتدال والوسطية، مع أن الواقع سيفضي إلى توظيف هذا الدور الليبرالي الهامشي لصالح الحكم الطائفي.

ألا يتذكر الجميع دور أياد علاوي الليبرالي الذي لم يستمر حكمه أكثر من عام في السلطة قبل تسليمها لإبراهيم الجعفري، وكيف تم استعجال قيام الحكم الطائفي ودعمه بالدستور والانتخابات، إضافة إلى الدعم اللامحدود من إيران. حكم أياد علاوي رُفض أميركيا وإيرانيا لأنه كان يفضي إلى احتمالات إرساء نظام مدني ليبرالي عراقي بعد صياغة دستور مؤقت لتنظيم الحياة النيابية ويؤطر هوية العراق الوطنية والعروبية، ويحرّم الطائفية ولا يعطيها فرصة النمو، ورغم ملاحظاتنا الكثيرة حول تلك الحقبة القصيرة ومن بينها تورط علاوي وتحت ضغط الأميركان في الهجوم العسكري الأول على مدينة الفلوجة الباسلة حين كانت مركزاً للمقاومة العراقية ضد الاحتلال الأميركي، وقد ندم على قراره ذلك. كما كانت فرصته كبيرة لا يستطيع أي داعية ليبرالي اليوم الحصول عليها، لكن إيران تجد في النظام الليبرالي عدوها الأول، والعراقيون بطبعهم ليسوا طائفيين: السني يتزوج من الشيعية، والشيعية تتزوج من السني، والعشائر فيها السني والشيعي، وهناك طبقة واعية نشأت لدى العراقيين من السنة والشيعة عبر العقود الأخيرة كانت قادرة على بناء دولة مدنية راقية، كانت تنقصها الحرية وعدم تسلط الحزب الواحد، ولو سمع نظام صدام نصائح الكثير من الوطنيين العراقيين، وبينهم بعثيون انشقوا عنه، بضرورة قيام تعددية سياسية حقيقية وانتخابات حرة لا تستثني أحدا حتى حزب الدعوة لما حصل ما حصل في العراق.

وقد وقع الأميركان تحت هيمنة الغش الإيراني مرتين: الأولى حينما أكدوا لهم دعمهم وعدم عرقلة احتلالهم للعراق، ومرة ثانية حين لم يخبر الإيرانيون الأميركان ماهية الحكم الطائفي في العراق، خدعوهم حين قالوا لهم “إن شيعة العراق وهم الغالبية مضطهدون من حكم صدام، وبعد القضاء عليه لا بد أن يحكموا العراق”، وقبل الأميركان هذه المقايضة، وحين وضعوا صيغة “المشاركة الطائفية” كانوا يسوّقون فكرة “الحكم الشيعي” وتنتهي مقولة “المظلومية الطائفية” ولم يدرك الأميركان بقبولهم تلك المقايضة الرخيصة والمؤلمة لشعب العراق بأن الطائفية السياسية تزداد خطورتها حينما تدعمها دولة مثلما حصل مع إيران التي وجدت أن طموحاتها ونظرية “تصدير الثورة” سيكون مجالها الحيوي هو العراق، ولا نعرف بالتحديد مدى العلاقة الاستراتيجية ما بين نظرية “تصدير الثورة الإيرانية” وبين مشروع الشرق الأوسط الكبير، اللذين سوقا للمنطقة في فترة واحدة. قد يكونان مشروعين متصارعين، لكن كليهما اعتمد على فكرة التفكيك والصراع الطائفي، لكن ما يميز المشروع الإيراني عن المشروع الأميركي هو أنه يدعو إلى تسيّد الطائفة زيفا، لأن الطائفة الشيعية أصبحت أكثر اضطهادا وحرمانا في ظل الحكم الطائفي الذي يدعو كذلك إلى بناء نظام يضطهد الطائفة الأخرى ويحطمها، ويهين كرامة أبنائها مستثمرا شعارات متجددة وجاهزة مثلما يسوق اليوم شعار “محاربة داعش” حيث تهان كرامة العرب السنة في ظله ويصبحون “داعشيين” لكي لا يتعاطف معهم أحد وتتم إبادتهم بشتى أنواع الأسلحة ويساق شبابهم إلى الموت.

واليوم تحرق الفلوجة وتهدم مساجدها تحت شعار تحريرها من داعش، ويشارك في هذه اللعبة الدموية الطائفية بعض المرتزقة أنصاف السياسيين والمحليين العشائريين من السنة لكن من يقف على مشارف الفلوجة هو القائد الإيراني قاسم سليماني مثلما وقف على مشارف صلاح الدين قبل عام، ولا نعرف علاقته بتحرير العراقيين لأرضهم، وكأنه لا يوجد قائد عراقي يحرر مدنه وقراه من القتلة الإرهابيين الدواعش غير قائد إيراني.

الطائفية في العراق لم تعد نزعة فردية أو جماعية استثمرت المذهب سياسيا لكي تحمي نفسها، لقد أصبحت منظومة سلطوية حاكمة ومتشابكة تتعاون مع امبراطورية الفساد في العراق. وما زالت تختفي حول المذهب والطائفة لحماية نفسها، ولهذا يدعي الطائفيون السياسيون أن من يتعرض لواجهاتهم ومنظوماتهم السياسية فكأنما يتعرض للمذهب، والمذهب براء من الطائفية، أو يصبح داعشيا، ولعل مثال الحراك الشعبي منذ عام ولحد اليوم والذي تبلور إلى حالة قريبة من الانتفاضة والثورة الشعبية ضد الحكم الطائفي قد جوبه بقوة لأنه يستهدف هذا الكيان المهلهل الذي أصبح على حافة السقوط، واستنفرت قوى عديدة محلية وإقليمية ودولية للمحافظة على هذا الكيان الطائفي الهزيل، فمن يستهدف الفساد جديا معناه يستهدف النظام الطائفي الذي تحميه شبكات الفساد. ولهذا يجدد الأميركان بقوة حمايتهم للنظام الطائفي من السقوط وكذلك إيران، وهم غير مكترثين بالحرص على هذا الاسم السياسي أو ذاك بل إن ما يهمهم هو النظام، لكن فرصة استمرار بقاء الأحزاب الطائفية بالحكم أصبحت معدومة، فمظاهر الحكومات لا تغرن أحدا فخلال العقد الأخير سقطت عروش – لم يتخيل أحد سقوطها – كأوراق الخريف.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا