>

القوَّالُون ومقامات الوجد

د . أمانى الجندى

لون من ألوان الفن الشعبي.. الفن الإلهي.. وأعني به الغناء الذى فاضت به مواجد الصوفية فى خلوات التأمل والفكر، ومحافل الإنشاد والذكر، وحضرات الشهود والمكاشفة، ثم فاضت نفحاته الربانية على جموع العامة فى مختلف البيئات الشعبية، فجذبت أرواحهم. واسترقت قلوبهم، وأفعمت وجدانهم بالحنان والأمل، فعاشوا بهذه النفحات فى تيه الحياة مخمورين، وعلى مكاره العيش صابرين.
فعلى طريق الوصول إلى الله أقام الصوفية للفن الغنائى دولة لها طابعها الخاص وشخصيتها المميزة، ولها تأثيرها وسحرها فى النفوس والقلوب.

فحياة الصوفية كلها شعر وغناء وضرب وسماع، وهم فى هذه الحياة لم يعيشوا منعزلين عن المجتمع، منقطعين عن الناس، بل إليهم وحدهم يرجع الفضل فى الخروج بالغناء والموسيقى من حفلات القصور وسمر الخاصة إلى محافل العامة، وتأصيل الفن فى البيئات الشعبية. فقبل أن يعرف الناس وسائل الإذاعة التى استشرت هذه الأيام لم تكن جموع وجماهير العامة تتذوق الغناء والموسيقى إلا فى مواسم الأولياء والصالحين، وفى حلقات الذكر التى يقيمها شيوخ الطرق فى القرى لأهل الطرق السالفين. والناس على اختلاف طبائعهم يغنون ويسمعون ويشغفون بالنغم الحلو والصوت الحنون، إمتاعا للحِس، وإشباعا للنفس، واستجماما لرحلة الحياة الشاقة المضنية، كما تنشط الابل على صوت الحادى فى رحلة الصحراء القاسية.

أما الصوفية، فإنهم يغنون ويسمعون ويرقصون وجدا وصبابة وهم فى غيبة عن حواسهم ونفوسهم، ويحدهم إلى ذلك نار الشوق إلى الله التى تحترق بها قلوبهم، ونور العشق الذى تهيم فيه أرواحهم، فقلوبهم كما يقول الغزالى من ملاحظتة سبحات الجلال وألهة حيرى، وأرواحهم من تتسم روح الوصال سكرى، فكل غايتهم أن يتحقق وجودهم فى الوصول إلى الله.

ذلك ان الصوفية يعتبرون الغناء والسماع أحد المقامات على الطريق فى الوصول إلى الله، وهم يسمون هذا الطريق بسفر، أو حج، ولأجل تحقيق الوصول فى هذا السفر لابد من المجاهدة فى قطع عدة مقامات، كل مقام منها أشبه بمرحلة، وكل مرحلة قائمة على التى تقدمتها، وهى على التوالى مقامات التوبة، والورع والزهد، والفقر، والصبر، والتوكل، والرضا، وهذا المقام الأخير يسمونه. راحة النفس، أو السلام الروحى، والتوصل إليه يكون بالوجد والحبور، والغناء والسماع، والحبور عندهم هو السماع، وبهذا المعنى يفسرون قول الله تعالى «فهم فى روضة يحبرون» أى يسمعون.

ويفلسف الصوفية مآربهم من السماع فيقولون أنهم يسمعون «الهاتف السماوي» فى آية قرأنية ترتل، أو شعر ينشد، أو موسيقى تردد، فإن الله أوحى إلى مخلوقاته كلها أن تسبحه بلسان الحال أو بلسان المقال، فالإنسان والطير والحيوان والأشجار كلها تردد نشيدا عاما به تسبح الله، وعلى هذا فالموسيقى «هاتف سماوي» يحدو بالمرء إلى التوجه والسعى نحو الله، فمن أعارها سمعه وهو راغب فى الشهوات وقع فى الخطيئة، وارتطم فى حمأة الشهوات.

الحق أن الصوفية قد أحاطو السماع بحدود وقيود رهيبة من الآداب لا يحتملها الا أولو العزم من الرجال، منعا من الانزلاق فى ذلك مع هوى النفس، ولذة الحِس، وفى مؤلفات الصوفية فصول مطولة عن هذه الحدود والآداب وخلاصة القول فى ذلك أنه لابد أن يصحب الغناء والسماع انحلال الشهوات والرغبات، وانصراف الذهن عن كل الموجودات، والغيبة عن كل شئ ليتحقق الوجود مع الله وفى هذا يقول شاعرهم:

وجودى أن أغيب عن الوجود بما يبدو على من الشهود

وهذا هو ما يسمونه فى اصطلاحهم بفناء البقاء أى انعدام النفس بالبقاء مع الله، وعلامة هذا عندهم أنه ضرب الشخص وهو فى هذه الحالة بالسيف فإنه لا يبالى ذلك ولا يحسه ومن أقوالهم:

لا يصلح السماع إلا لمن كانت له نفس ميتة وقلب حى. فنفسه ذبحت بسيوف المجاهدة، وقلبه حى بنور الموافقة، وذلك عندهم أعلى درجات الحياة.

هذا هو الأصل الذى قامت عليه فلسفة الصوفية فى الغناء والسماع، والواقع أن هذا الأصل لم يثبت على حاله أمام تطور الحياة فى البيئة الصوفية، وأن الآداب والحدود التى رسموها للغناء والسماع لم تقدر على انتزاع الناس من طبائعهم الفطرية، والخروج بهم من ملذات الحس وشهوات النفس إلى ذلك الغناء أو الوجود الروحى الصرف، وإذا كان بعض الصوفية ممن ساروا على السمت الأول احتملوا هذا، وأن يعيشوا فى الغناء والسماع على الفهم والتفكير الوحيد بعيدين عن لذة النفس والحس كما يقولون، فأن الأمر لم يلبث أن اتسع نطاقه وأفلت زمامه، وانطلق أهل الطريق على طبائعهم وغرائزهم، وبخاصة بعد أن تحول التصوف إلى دروشة، وجمعت الطرق الصوفية العامة وأصحاب الحرف وأهل البطالة والحرمان فى البيئات الشعبية وما أكثرهم، وقد ساعد على ذلك توسيع الصوفية فى استخدام المعازف والمضارب والأوتار، وإيثارهم فى أشعارهم وأغانيهم الألفاظ التى تعبر عن لذة الحِس وشهوة النفس، مثل الحب والعشق والتولة والهُيام، ومثل الخمر والدِن والسُكر والندامى، فكان العامة يفهمون هذه الألفاظ فى واقعها الدارج، لا فى حقائقها المعنوية عند الصوفية الأوائل، ثم زاد الطين بلة كما يقول المثل إدمان بعض أهل الطرق القهوة والشاى، والحشيشة والأفيون، وإباحة هذه الآفات التى تلهب الحواس والشهوات.

وعلى أية حال فإن فلسفة الصوفية فى السماع والغناء لا ترجع إلى أصول إسلامية صحيحة، وليست لها شواهد وأدلة واضحة صريحة، لكنها ثمرة فكر طارىء على الثقافة الإسلامية وإن حاول علماء الصوفية أن يلبسوا لها الشواهد والأدلة الإسلامية بالتمحل والتأويل ومن رأى المستشرق «نيكلسون» أن الصوفية تأثروا فى هذا بآراء أفلاطون وفيثاغورس وغيرهما من فلاسفة اليونان. ومجمل هذه الأراء أن الموسيقى تثير فى النفس ذكرى الأناشيد السماوية التى كانت تسمعها الروح يوم أن كانت متصلة بالخالق – وقبل نفيها فى هذا الجسد، ولكنى أرى أن الصوفية تأثروا فى هذا، وفى كثير من فلسفتهم وأرائهم الروحية، بالهند أكثر مما تأثروا بأى مصدر خارجى آخر، بل أن نظرية «الفناء الروحي» التى هى قوام الفلسفة الصوفية قد نقلت إلى المجتمع الصوفى برمتها من الهند، أما عن طريق النقل فى مدرسة «جند يسابور» أو مباشرة من الهند بطريق الاتصال والمخالطة ويبدو هذا التأثير أوضح ما يكون عند الصوفية من أبناء فارس لقربهم ولصلتهم الطويلة بالشعب الهند

القوَّالُون

الصوفية يسمون المغنى الذى ينشد الأشعار فى المحافل بالقوَّال. وآثر المتصوفة هذه التسمية تحرزا من أستعمال كلمة المُغنِّى التى اقترنت فى أذهان الناس بمعنى اللهو والمتعة الحسية، ولأنهم يستمدون الدليل على الشغف بالغناء والسماع من قول الله تعالى: «فبشر عبادى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه»، ويقولون إن الألف واللام فى كلمة القول للتعميم والاستغراق فهى تشمل كل قول. وذاع هذا الاصطلاح الصوفى بين جماعات الصوفية فى جميع الأقطار حتى وصلت إلى الهند. ومازالوا فى الهند إلى اليوم يسمون مجالس الغناء والطرب التى يعقدها الصوفية «قوالي» وهى مأخوذة من كلمة قوال العربية، وكم فى لغة الهند من كلمات عربية دخلت إليها عن طريق الاتصال والتمازج بين رجال الطرق الصوفية فى البيئات الإسلامية.

وكانت مجالس القوالين لانشاد الشعر أول ما عرف الصوفية من محافل الغناء والسماع، وكان القوال شيخ الجماعة، فهو يقول وهم يسمعون ويتواجدون كل وفقا لحاله والمعنى الذى يتصل بقلبه من سماع ما ينشده القوال. ويشترط الجنيد أن يكون القوال بدون أجر. ويقول أبو طالب المكى: يجب أن يكون القوال شيخ الجماعة، فهو الذى يمدهم، وينشد لهم من دور الشعر مايناسب حالهم، وتقوى به قلوبهم على السير الى المقامات العلية، وعبارة «مايناسب حالهم فى كلام أبى طالب لها مدلولها عند الصوفية، فالحال عندهم معنى يرد على القلب من طرب أو حزن، أو قبض، أو شوق أو انزعاج، أو هيبة، أو احتياج، على ألا يكون شىء من ذلك تعمدا أو افتعالا، فلابد أن يتحرى القول فيما ينشد لهم من الشعر الحال التى هم فيها حتى يقع القول موقعه من قلوبهم، وبذلك يكون القول لهم مددا للترقى فى أحوالهم، ومن أقوالهم: الصوت الحسن لا يدخل فى القلب شيئا، وانما يحرك من القلب ما فيه.

وكان من عادتهم إذا أخذ القوَّال فى انشاد الشعر وقفوا يتواجدون ويتصايحون. يروى أن جماعة من الصوفية اجتمعوا فى ليلة عند الشيعي، فقال القوال شيئا، فصاح الشيعى وتواجد وهو قاعد، فقالوا له ما بالك يا أبا بكر من بين الجماعة قاعدا؟ فقام وتواجد وهو يقول:

لى سكرتان وللندمان واحدة

شىء خصصت به من بينهم وحدى

ويروى عن الرقى أنه سمع القوال ينشد :

بالله فاردد فؤاد مكتئب

ليس له من حبيبه خلف

فقالم ليله الى الصباح وهو يقوم ويسقط على سماع هذا البيت، والناس قيام يبكون.

وفى كتب الصوفية أنه لما دخل ذو النون المصرى بغداد اجتمع إليه الصوفية ومعهم قوال، فاستأذنوه فى أن يقول بين يديه شيئا، فأذن، فابتدأ القوال بنشد:

صغير هواك عذبنى

فكيف به اذا احتنكا

وأنت جمعت فى قلبى

هوى قد كان مشتركا

أما ترثى لمكتئب

اذا ضحك الخلى بكى

فسقط ذو النون على وجهه والدم يقطر من جبينه.والاشعارالتى كان ينشدها القوالون فى محافل الصوفية لم تكن الا مقطوغات من الغزل والحب، والهيام والعشق، والخمر والسكر، حتى فى المجون والتبذل. ولكن الصوفية كانوا يحملون ذلك المعنى الذى يقع فى قلوبهم، ويصادف الحال التى هم عليها كما قلت لك من قبل، وهم يذكرون أن قوالا أنشد فى مجلس ركن الدين ابن الأسمر:

لو كان لى مسعد بالراح يسعدنى

لما انتظرت لشرب الراح أفكارا

الراح شىء شريف أنت شاربه

فاشرب ولو حملتك الراح اوزارا

يامن يلوم على الصهباء صافية

خذ الجنان ودعنى أسكن النارا

فأنكر أحد الفقهاء انشاد هذا الشعر، فقال ركن الدين، دعوه فانه رجل محجوب لايفهم إلا الشراب الحسى دون المعنوي.

ويذكرون فى هذا أيضا أن ابن الجوزى سمع يوما فائلا يقول :

إذا العشرون من شعبان ولت

فواصل شرب ليلك بالنهار

ولا تشرب بأقداح صغار

فقد ضاق الزمان عن الصغار

فانطلق هائما على وجهه إلى مكة، ولم يزل بها يعبد الله حتى مات، لأنهفهم من قول الشاعر أن العمر قد ولى، وأن الزمان قد ضاق ولم تعد هناك بقية للهفوات.

وتصدى الشيخ الشعرانى فى كتابه «لطائف المنن الى شرح هذا الفهم المعنوى عند الصوفية فقال: واعلم أن هذه المفهومات المعنوية الخارجة عن الفهم الطاهر ليست بإحالة اللفط عن مفهومه، بل هو فهم زائد على الفهم العام , يهبه الله لهذه الطائفة من أرباب القلوب، وفى الحق أن «الفهم القلبي» أو الوجدانى أمر قرره الأدباء قبل أن يقول به الصوفية. ومما يروى أن أحد المنشدين أنشد فى مجلس أبى عثمان الجاحظ قول أبى العتاهية:

ياللشباب المرح التصابي

روائح الجنة فى الشباب



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا