>

القرار الأمريكى وتقسيم الأدوار وتكاملها - أحمد الجمال

القرار الأمريكى وتقسيم الأدوار وتكاملها
أحمد الجمال

كنت قد أنهيت كتابة مقال اعتمدت فى مادته على كتاب للعلامة القانونى والسياسى المفكر الراحل الدكتور عصمت سيف الدولة، وعنوان الكتاب هو: رأسماليون وطنيون.. ورأسمالية خائنة، ثم وضعت ما كتب جانبًا لأكتب عن قرار ترامب الذى يعترف بضم مرتفعات الجولان للدولة الصهيونية.

وبداية أقول إنه لا جديد فى السياسة الأمريكية بهذا القرار، اللهم إلا اختلاف درجة الانحياز المفضوح الواضح لليهود. فمنذ رفض أو اعتذر الرئيس الأمريكى ولسون عن عدم استقبال الوفد المصرى الذى تشكل لعرض قضية استقلال مصر وإنهاء الاحتلال البريطانى فى مؤتمر الصلح، عند انتهاء الحرب العالمية الأولى إلى الآن، والخبرة السياسية المصرية بل وعلى مستوى العالم الثالث كله ومعه العديد من الدول الأخرى من خارجه, تقول: إن الإدارات الأمريكية لديها ثوابت شبه مقدسة، ترقى عند أمريكيين كثيرين إلى مستوى المعتقد الدينى والوطنى الذى لا يجوز المساس به من قريب أو بعيد.

ومن تلك الثوابت تأييد ومناصرة وتقوية وشراكة الدولة الصهيونية، حتى إن اصطدم ذلك بالشرعية الدولية وبكل ما هو قانونى أو من الأعراف الإنسانية المستقرة فى الوجدان البشري، وإذا كان ثمة استثناء فهو نزوع الرئيس جون كنيدى إلى تفهم إمكانية وجود وجاهة فى وجهة النظر المصرية والعربية، ولم يكن مصرعه مقتولًا أو مغتالًا بمعزل عن تصميم جهات كثيرة على وأد أى محاولة خروج عن المسار الصهيوأمريكي. وهناك وجهات نظر فكرية وسياسية لبعض المفكرين والسياسيين الأمريكيين حاولت وتحاول انتقاد هذا المسار وذلك الانحياز المطلق، إلا أنها كلها تصادر ويتعرض أصحابها للاضطهاد والعزل والتشويه.

ويأتى قرار ترامب ليدفعنا إلى تأمل بعض الظواهر التى نراها ونعايشها، وقد نكون جزءا منها، لنربط بين ما يحدث فى أمريكا وفى مصر وفى المنطقة العربية! ولا أبالغ إذا قلت إننى أعلم مسبقًا بأن هناك من سيصف هذه السطور بأنها شكل من أشكال التفكير التآمرى الساذج، وإذا قلت إننى سأمتنع عن ذكر الأسماء، التى هى يقينا طرف أصيل فى التخطيط الأمريكى والصهيوني، ومصدر الامتناع هو احترام ضوابط النشر. لقد مضت الولايات المتحدة والتحالف الأطلسى والدولة الصهيونية فى تصفية حركات التحرر الوطنى فى العالم كله، وقوّضت كل المحاولات التى كانت تبحث عن طريق ثالث إبان الحرب الباردة، ونجحوا فى ذلك، ثم انتقلوا إلى ضرب التجارب الوطنية فى الحكم وتقويض كل مضامين التحرر السياسى والاجتماعى واغتيال سمعة وشخصية هذا التوجه بمفكريه وناشطيه وقواه الاجتماعية، وتم استدعاء البعد الديني، خاصة السلفى الأصولى بمضامينه ونصوصه ودعاته وتنظيماته والدول المنتجة والراعية له، ليصبح سلاحًا ماضيًا وقويًا للإجهاز على ما تبقى من فكر وحركة تحرريين، وهو ما ذكره ولى العهد السعودى منذ شهور!. وبالخبرة المتوارثة منذ أدركت بريطانيا أن أى تخطيط لتدمير الوحدة الوطنية المصرية لا بد أن ينهض به مصريون، فكان إنشاء وتبنى وتمويل جماعة الإخوان المسلمين منذ عام 1928، فإن الأمريكان والتحالف الأطلسى والصهيونى اعتمدوا على هذه الخبرة البريطانية العتيدة، فتم الاعتماد على من هم من أبناء المنطقة للمساهمة الفعالة فى إتمام اغتيال كل ما هو فكرى وثقافى وسياسى واجتماعي، يحمل فى ملامحه وخطابه ومواقفه أى استمرارية للتحرر الوطنى والتحرر الاجتماعى ومواجهة الاستعمار الجديد والتصدى للصهيونية، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من أبشع أنواع ودرجات الاستعمار الاستيطانى العنصري. وتعالوا بنا نتأمل الإصرار المستميت من صحفيين وكتاب ومراكز أبحاث وصحف خاصة ومؤتمرات وندوات، على الاستمرار فى الهجوم الضارى على النموذج المصرى والعربى والعالمى الذى ظهر فى الخمسينيات والستينيات، وكانت مصر ثورة يوليو هى أبرز من قاد تلك الفترة.. والمدهش أنه رغم تراكم الزمن وتعاظم المتغيرات ورغم ما أحرزه التحالف الصهيوـ أمريكى الأطلسى من انتصار فى ذلك المضمار الذى نتحدث فيه، ورغم وجود عشرات القضايا والمشكلات التى تستحق صرف الجهد إليها، فإن فلانًا وعلانًا وترتانًا - ولا أريد أن أذكر الأسماء - ما زالوا يواصلون الحرب والقصف والاغتيال، بل إن أحدهم أوغل فى مهمته لدرجة الهذيان، فطالب بتغيير تاريخ عيد الاستقلال.. ولا يمر شهر أو أسبوع إلا وتراه قد فتح النار على يوليو والتحرر والعروبة والاشتراكية وغيرها، وطالب آخر- يبدو أنه متدرب فى الورشة ذاتها- بتغيير العلم الوطنى وتغيير اسم الدولة، ولو ظللت أحصى النماذج فلن أنتهي.

هو إذن تقسيم أدوار أو قل إنها معركة الأسلحة المشتركة، فالأمريكان والصهاينة بالطيران والسلاح الثقيل.. وبعض دول المنطقة بالمال والإيواء والرعاية، وهى ومعها طابور طويل ممن يعملون فى مجال الأبحاث والصحافة والإعلام، يقدمون الأسس والمضامين الفكرية التى تبدو كمروحة واسعة تمتد من فقه ابن حنبل وابن تيمية وابن عبد الوهاب إلى البنا وقطب والإخوان، إلى ما يبدو ظاهريًا أنه النقيض العلمانى الحديث، لكنه يتكامل بحكم طبيعة المهمة مع الطرف ذى المرجعية الدينية!

قرار ترامب بالقدس عاصمة وبضم الجولان لم يأت من فراغ، وإنما هو محصلة لتخطيط وجهود طويلى الأمد، ولن يتوقف ذلك الطابور عن مهمته التى تدر أموالًا ومناصب وأدوارًا، ويالفاجعة أمة فى حاضرها ومستقبلها عندما تصبح الخيانة وجهة نظر.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا