>

العراق: اتهامات الفساد بين المسخرة والمأساة

رأي القدس


كان لاتهامات وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي لرئيس البرلمان سليم الجبوري وعدد من النواب الآخرين بالفساد أن تحظى بمصداقية لو أنها جرت في بلد آخر غير العراق.
الحقيقة التي يجب أن تقال إنه لم يعد في العراق معنى لمصطلحات القانون والقضاء والتشريع والسلطات والنزاهة، أو لكلمات السيادة والوطن والحكومة والدفاع والبرلمان، فهذه المعاني اختلطت كلّها بأشكال انتهاكها واستخدامها النفعيّ بحيث صار التشدّق بها أمراً غير محمود.
القضاء العراقي أعلن أمس تبرئة الجبوري من اتهامات وزير الدفاع له بالفساد والابتزاز على خلفية عقود استيراد أسلحة وتزويد قوات الجيش العراقي بالمؤن «لعدم كفاية الأدلة»، وذلك بعد أن قام البرلمان، بطلب منه شخصياً، برفع الحصانة عنه، بحيث خرج رئيس البرلمان نظيفاً من الاتهامات المروّعة بسرعة البرق، في اليوم نفسه الذي أعلنت «هيئة النزاهة في العراق» (وهي المؤسسة الرسمية المخولة مهمة كشف الفساد) صدور حكم بسجن مسؤول صغير لا يستطيع، كما وزير الدفاع أو رئيس البرلمان، الدفاع عن نفسه.
الجرم الكبير الذي أدين المسؤول الصغير على فعله هو، كما شرحت المحكمة، «تجاوز صلاحياته الوظيفية عن طريق تحديده تخصيصات للطلبة العراقيين المرشحين للدراسة في كلية قطر لعلوم الطيران من دون سند قانوني يخوّله ذلك»، ولكي يكون هذا المسؤول عبرة لمن اعتبر (من المسؤولين الأصغر منه طبعاً) فقد قضت المحكمة أيضاً بالحجز على أمواله المنقولة وغير المنقولة!
هذا الحكم يعتبر مجرد تفصيل صغير يصلح لاعتباره مسنّناً في آلة التناقضات الكبرى التي تحكم العراق، وستكون الصورة أكثر جلاء لو دقّقنا قليلاً في التفاصيل المسلّية الكثيرة التي تتابعت إثر اتهامات العبيدي للجبوري وخمسة نواب آخرين، والتي قد تكون صحيحة لكننا لن نستطيع معرفة صحّتها من زيفها لأن القضاء، مثله مثل كل مؤسسات العراق الأخرى، لا يمكن الوثوق بتمثيله لاسمه.
أحد التفاصيل التي استخدمتها جوقة الدفاع عن وزير الدفاع كان تصريحه عن مخاوفه من الاغتيال (ونحن نتحدّث هنا عن نزاع مفترض بين وزير دفاع في العالم الثالث لديه سلطة على جيوش وقوّات كبيرة مع رئيس برلمان يمثّل قوّة سياسية لا تملك قوى حقيقية على الأرض).
لتخفيف الوزن اللامعقول لتصريحات وزير الدفاع صدر فجأة بيان عن صفة تنظيمية هجينة ولا وجود واقعيّ لها بهذا الاسم هي «جماعة الإخوان المسلمين في مصر والعراق» تهدّد وزير الدفاع بالاغتيال، وهو تهديد لم يصدّقه طبعاً مخترعو البيان ناهيك عن الشخص المهدّد نفسه، ولكن، على ما يبدو، فإن ضرورات الدعاية و»البروباغاندا» حكمت.
وحين لم يقدّم البيان ذاك مفعوله اللازم ظهر خبر جديد أول أمس على لسان وزارة الدفاع التي «أكّدت» أن وزيرها نجا من «محاولة اغتيال» قرب الموصل. عند قراءة الخبر يتبيّن أن الذي حصل (لو حصل فعلاً) هو تعرّض جولة تفقدية للوزير برفقة عدد من كبار ضباط الوزارة «لإطلاق نار بشكل مباشر أعقبه قصف بقذائف الهاون» ولكن الحادث، «لم يسفر عن وقوع أي إصابات بصفوف أفراد الموكب سوى اضرار مختلفة بالعجلات».
العملية نُسبت هذه المرة إلى تنظيم «الدولة الإسلامية» وبهذا اكتمل مجد الوزير الذي حصل خلال أيّام قليلة فقط على تهديد بالاغتيال (من جهة غير موجودة في الواقع) وعلى محاولة اغتيال من تنظيم مستعدّ لنسبة أي عملية تجري في أقصى أنحاء العالم، لنفسه.
خلاصة القصة كلّها أن مسؤولي الدولة الأفذاذ يحاولون توظيف المأساة العراقية في صراعاتهم التي لا نعرف أسبابها (وإن كنا نستطيع تخمينها)، وهي لا تتعلّق بالتأكيد بالمصالح العامّة لشعبهم أو الدفاع عن وطنهم أو تمثيل مواطنيهم الفقراء والمذلّين والمحتقرين في البرلمان.
في محاولتهم لاستغلال المأساة الهائلة لوطنهم تتكشّف الأمور عن مسخرة فظيعة تسيء لكل من يديرون شؤون العراق.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا