>

السنوات المسروقة من العمر - د. نوال السعداوى

السنوات المسروقة من العمر
د. نوال السعداوى

جاءتنى طالبة بكلية الإعلام تعد رسالة دكتوراه عن قضية المرأة المصرية، قالت إن الأستاذ المشرف على بحثها طلب منها مقابلتى لتأخذ رأيى فى الموضوع، كانت الفتاة نسخة من إعلاميات القرن الحادى والعشرين، بمساحيق الوجه وصبغة الشعر، والخصلة النافرة تسقط فوق وجهها لتحجب نصف عين ، ثم تنتفض الى أعلى مع الشهقات لتظهر العين الكاملة ناعسة غارقة فى الكحل، صوتها يتهدج ناعما مع التنهد، مدرب على النقد اللاذع أو التملق، تتلقى الإشارات من قوى عليا خفية، تضع الساق فوق الساق أمام الضيف المنكمش المؤدب، تمشى بخطوة ثقيلة متأرجحة.

لأول وهلة، وأنا أفتح لها الباب، لمحت ذبذبة العصب تحت عينها اليسري, ساعدتنى الكتابة ودقة الملاحظة على رؤية ما يجرى تحت الجلد، وما يخفق تحت الضلوع، مما تحدثه الرهبة فى قلوب المراهقين، عند لقائهم أصحاب السلطة والمشهورين، كنت مثلها، وأنا فى العشرين من عمري، حين قابلت طه حسين لأول مرة، تصورت أنه (من تحت نظارته السوداء) يرى الذبذبة الخفية فى الصدور، نسيت أنه أعمي، وأنها حركة لا يراها المبصرون ثم تذكرت أن بصيرته أقوى من البصر، كانت محاضرته بالقاعة الكبيرة بالجامعة، جلست فى الصف الأول أمامه مباشرة، أدقق النظر لعينيه من خلال الزجاج الأسود، أريد التأكد أنه عاجز عن رؤيتي، وأنا قادرة على رؤيته، كأنما أبغى التفوق عليه فى شيء ما، لمجرد التحرر من رهبة شهرته، وكان أبى منذ طفولتي، يردد قول أبى العلاء المعري، رهين المحبسين: الشهرة لعنة والأضواء تحرق العين.

اندهشت الفتاة وهى تكتشف أننى لا أنتمى للأثرياء من القوم، رمقت الأرض البلاط بطرف أنفها، وحذائى القديم بكعبه المربع، وثوبى المصنوع من الجبردين، بشرتى شاحبة دون ألوان، كالمرضى بالأنيميا أو فقر الدم، لم تعد الفتاة تشعر بالوجل أو الرهبة، بدأت تسترخى فى مقعدها، وانطلق صوتها مرتفعا حادا بعد أن كان ناعما مؤدبا.

نصحنى الأستاذ المشرف أن أقابلك.

هل قرأت شيئا من كتبي؟ نعم

أى كتاب قرأت؟ كتاب... كتاب ..(تلعثمت) المرأة والج..ن..

لم أكتب كتابا بعنوان المرأة والجن

أقصد المرأة والجنس يا دكتورة

قرأت هذا الكتاب فعلا؟

قرأت فقرات منه وما سؤالك؟

هل للمرأة قضية يا دكتورة وعندنا وزيرات وسفيرات وعميدات بالجامعات ورئيسات مؤسسات كبري؟

لم تقرأ الطالبة شيئا عن قضية المرأة فى التاريخ القديم أو الحديث، أو فى الفلسفة والدين واللغة، أو البيولوجيا والطب، أو علم النفس والاجتماع وعلم الإنسان (الأنثروبولجيا) أو السياسة والاقتصاد، وغيرها من العلوم المقررة فى دراسات المرأة بجامعات العالم، كان أستاذها قد اختار لها موضوع المرأة، لأنه سهل فى نظره، هين، هوان النساء، ويمكنها الحصول على الدكتوراه دون عناء .

كانت الفتاة حاصلة على الليسانس والماجستير فى التاريخ، لكنها لم تعرف شيئا عن نضال الشعوب، شرقا وغربا، النساء والعبيد والأجراء، للتحرر من قوانين الرق والعبودية، كانت تريد أن تحصل بسهولة وسرعة على لقب دكتورة، وتصبح معيدة بالكلية ثم أستاذة بالجامعة ثم العميدة أو السفيرة. أشفقت عليها وعلى أمثالها، الذين يحصلون على الشهادات العليا دون أن يكتسبوا من المعارف إلا القليل السطحى المظهري. تذكرت نفسى حين تخرجت فى كلية الطب لا أعرف شيئا عن الصحة بأبعادها المختلفة، أو الأمراض المزمنة فى بلادنا، لم أعرف كيف أعطى حقنة فى العضل أو فى الوريد، تم حشو دماغى بمعلومات نظرية متفرقة تبخرت بعد الامتحان ، وجدتنى أواجه الحياة الحقيقية بلا أسلحة بلا معرفة، أدركت أن الخمس والعشرين سنة الأولى من عمرى ضاعت هباء فى سجن المدارس والجامعات، والربع الثانى من عمرى سرق منى فى سجن الزواج والأسرة، والربع الثالث راح فى سجن النضال لاسترداد نفسى الحقيقية، وفى الربع الأخير، ما زلت أناضل للتعبير عن هذه النفس بالكتابة، رغم العقبات والانتكاسات، وما يحذفه مقص الرقيب الخارجى والداخلي.

وقضيت سنوات المنفى خارج الوطن، أقوم بتدريس قضية المرأة والإبداع فى جامعات العالم، وعدت إلى مصر منذ تسعة أعوام، أحاول إنشاء مركز الإبداع، أو قسم علوم المرأة بإحدى الجامعات، دون جدوي.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا