>

السنة الثالثة لترامب.. سياسة واضحة ولكن! - د.عبد الرحمن الحبيب

السنة الثالثة لترامب.. سياسة واضحة ولكن!
د.عبد الرحمن الحبيب

من المألوف وصف سياسة ترامب الخارجية بغير المتوقعة، لكن مع نهاية السنة الثانية ودخول الثالثة لتوليه الرئاسة أصبح ممكناً «تحديد سياسة خارجية لإدارته»، حسبما جاء في مقدمة عدد خاص بهذه المناسبة لمجلة فورين أفيرز. فكيف بدأت هذه السياسة وكيف سارت وإلى أين ستتجه؟ هذا ما سنستخلصه من ذلك العدد.

يذكر توماس رايت (معهد بروكينغز) أن القول بأن سياسة ترامب غير متوقعه يسيء فهمها، فمواقفه المثيرة للجدل تتفق مع أقواله وآرائه كالتساؤلات حول الناتو والاتفاقات الدولية ورفض التحالفات الأمنية باعتبارها غير عادلة وتقريباً جميع الصفقات التجارية وبدء الحروب التجارية والانسحابات من مناطق الحروب العسكرية.. وكثير منها ثابت منذ الثمانينات، إضافة لبعض القضايا الجديدة كالهجرة والتجارة مع الصين.. فترامب يتمتع بغرائز سياسة خارجية واضحة ومتسقة، أما عدم القدرة على التنبؤ بالسياسة الخارجية للإدارة الأمريكية فلم يكن بسبب مواقف ترامب، بل بسبب الخلاف بينه ومستشاريه السياسيين من جهة ومؤسسة الأمن القومي من جهة أخرى.

لذا يمكن تمييز مرحلتين مرت بهما السياسة الخارجية لإدارة ترامب.. المرحلة الأولى بدأت منذ تبوأ ترامب منصبه في يناير حتى أغسطس 2017 .. تلك مرحلة قيَّدت ترامب مما اضطرته للتنازل لمستشاريه والإبقاء على الاتفاقات الدولية لكنه أعلن مراراً عن استيائه. مع نهاية ذلك العام بدأت المرحلة الثانية وما تزال، حيث أصبح يتخذ خياراته متجاوزاً عملية التداول بين الوكالات في عملية صنع القرار وصارت لديه خياراته..

لتسهيل هذا التحول، احتاج ترامب لفريق جديد لتمكينه وليس الوقوف في طريقه قام به خلال 2018.. واستمر هذا الاتجاه برحيل سفيرة الأمم المتحدة نيكي هالي واختتم باستقالة وزير الدفاع ماتيس في ديسمبر عقب إعلان ترامب عن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا. الآن، لدى ترامب فريق يسعى إلى عدم التقليل من تأثير قراراته، بل إلى تعظيمها، وصارت السياسة الخارجية موحَّدة.

فما هي هذه السياسة؟ تُبنى هذه السياسة على علاقة ضيقة من تعاملات تجارية مع الدول، ونزعة اقتصادية للسياسة الدولية، وتعزيز القومية والأحادية على حساب تعددية الأطراف، حسب رايت، حيث لا يوجد لدى إدارة ترامب أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، بل معاملات تجارية مع جميع الدول، عبر قيمة قليلة للعلاقات التاريخية والحلفاء والشركاء، وتحقيق فوائد فورية تتراوح بين التجارة والمشتريات والدعم الدبلوماسي.

ثمة أزمة بناء في السياسة الخارجية الأمريكية، حسبما كتب أستاذ الدراسات الإستراتيجية إليوت كوهين (جامعة جونز هوبكنز) معتبراً أن ترامب أحد أعراضها. يذكر كوهين أن ترامب أوضح رؤية مختلفة للسياسة الخارجية لا تثق بالحلفاء، وتستهزئ بالمؤسسات الدولية، ولا تبالي أو ترفض النظام الدولي الذي حافظت عليه قرابة ثمانية عقود.. وأصبحت أمريكا تقبل بدور أكثر تواضعاً بالشؤون العالمية. لكن الدفع باتجاه انسحاب أمريكا من العالم لم يبدأ بالرئيس ترامب ولن ينتهي بمخرجه، فأزمة السياسة الخارجية لأمريكا بدأت منذ فترة ما بعد الحرب الباردة وستستمر إلى ما بعد ترامب.

أما الباحثان جيمس ليبوفيتش (جامعة جورج واشنطن) وإليزابيث سوندرز (جامعة جورجتاون) فينتقلان لموضوع آخر مختلف تماماً، لم يُنتبه إليه: «ترامب لا يحب السفر.. هذا سيئ للدبلوماسية.» إحدى وجهات النظر الثابتة للرئيس ترامب للسياسة الخارجية هي أنه بدلاً من الصفقات الكبرى متعددة الأطراف يجب إحلال صفقات ثنائية أكثر ملاءمة. ولكن بعد مرور عامين من توليه الرئاسة، كانت النتائج متواضعة مع كثير من الدول لا سيما الصين وكندا والمكسيك وكوريا الشمالية، رغم جهوده الرامية لتنمية العلاقات الشخصية مع قادة الدول.. فن الصفقة الذي اشتهر به ترامب قد انخفض. ليس صعباً معرفة السبب، فطريقة ترامب تقود لتفكيك الصفقات أكثر من صنع صفقات جديدة؛ حسب الباحثين.

لكن هناك مشكلة أكثر أساسية في دبلوماسيته، في نظر الباحثَين، وهي أنه لا يأخذ بالاعتبار أهمية السفر لعقد الصفقات الثنائية، إنه يسافر قليلاً إلى الخارج مقارنة بجميع أسلافه من الرؤساء، والرحلات التي يقوم بها قلما ينتهي بها المطاف لتحقيق ما يريد؛ من أجل إنجاح الصفقات الثنائية عليه تعلم الدرس الرئيسي للدبلوماسية رفيعة المستوى: إنها ما تفعله أثناء الزيارة، هي التي تُحسب وليس الصور التذكارية.

في هذا الشهر بدأت المرحلة الثالثة لإدارة ترامب فيما أصبحت مواقفها الخارجية موحَّدة.. وهنا، يذكر رايت أنه من المفارقات أن يؤدي ظهور سياسة خارجية أمريكية موحَّدة وأكثر تكاملاً وقابلية للتنبؤ إلى إضعاف النفوذ الأمريكي وزعزعة استقرار النظام الدولي، خلافاً لما كان عليه الوضع عندما كانت تلك السياسة الخارجية غير موحَّدة وغير قابلة للتوقع..

قبل أيام، في خطاب حالة الاتحاد السنوي أمام الكونغرس، وعد ترامب بنهج جديد للحروب التي تقودها أمريكا، قائلاً: «أعد بنهج جديد.. الدول العظمية لا تقاتل في حروب لا نهاية لها.».. ذاكراً أنه حان وقت العودة إلى الوطن والانسحاب من سوريا وأفغانستان. لكن إذا كانت سياسة ترامب أصبحت واضحة وموحَّدة داخل إدارته، فإنه يواجه تحدياً من الكونجرس الذي طرح، بنفس يوم الخطاب، تعديلاً لخططه بالانسحاب من سوريا وأفغانستان.. وستواجه كثير من قراراته صعوبة في إقناع الكونغرس والعكس صحيح.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا