>

الحكومة تكافح الإرهاب عبر بوابة احكام الإعدام بمنظور سياسي


الدكتور
عبد القادر القيسي

في اجتماعات المعارضة العراقية، بلندن، وحتى يوم الغزو في عام 2003، كانت صورة 'العراق الجديد' التي قدمها سياسيو المعارضة، على اختلاف تشكيلاتهم، فسفورية مشرقة لفرط نقائها ونزاهتها، ديمقراطية يحتل احترام حقوق الانسان فيها اولوية لا يجوز انتهاكها.
قد نجحت وزارة العدل والحكومة ومعها الأحزاب الحاكمة في تسجيل ارقام قياسية في اولمبياد التصريحات الحماسية الإعلامية السياسية والمخالفة للدستور والتي تفقد عمل الدولة من أي مضمون حقيقي، وتجعلها ساحة للمواجهات أو المجاملات والمساجلات السياسية، والتناقض الذي قد يصل الى الكذب الجزافي وبطريقة لا تؤدي الى بنيان دولة مؤسسات، كلها لأجل توظيف الاحكام القضائية والمسائل القانونية، وتغليفها بالفواجع والمأسي لتحقيق مأرب سياسية.
تصريحات وزارة العدل بعد تفجير الكرادة الدامي وفي 5/7/2016 بأنها (ترفض رفضا قاطعاً) أي تدخل دولي في تنفيذ الإعدامات، ولن تقبل سماع أي حديث من منظور حقوق الإنسان يناهض عقوبة الإعدام، وأنه ثمة 3000 سجين تحت طائلة الإعدام لم تتم المصادقة على أحكامهم من قبل رئاسة الجمهورية، ويتم بعد التفجير تنفيذ حكم الإعدام بحق (مدانين) وأعتبرت رئاسة الجمهورية اتهامات وزارة العدل لا أساس لها من الصحة، وأكدت في 5/7/2016 بان "رئيس الجمهورية صادق على جميع مراسيم الاعدام المتعلقة بالإرهاب... ووجود اكثر من 170 ملف اعدام تمت المصادقة عليه قبل اكثر من سنتين وارسل للحكومة ولم يتم تنفيذها... "، وبعدها وبعد انتقادات حادة من منظمة هيومن رايتس؛ عاد وزير العدل في مؤتمر صحفي يوم 6/7/2016، يؤكد ان احكام الإعدام لم تكن ردة فعل على تفجيرات الكرادة وانه لم يؤخر أي حكم اعدام وهناك مراسيم معطلة بسبب إجراءات قانونية، وبعدها لحقها بتصريحين أيضا حول أحكام الإعدام وتنفيذها، وكأن المحكومين بالإعدام هم من خططوا وامروا بتنفيذ تفجير الكرادة وغيره من داخل سجونهم، وان صحت هذه الفضية المزعومة فان الخلل بمن سهل لهؤلاء المحكومين بالاتصالات والتنسيق مع الخارج، مع العلم ان هناك مراسيم اعدام موقعة وجاهزة للتنفيذ لإرهابين قبل تفجيرات الكرادة، ولم يتم تنفيذها لحد الان لأسباب سياسية وطائفية.
واثباتا بان التأخير لدى الوزارة، أبلغ وزير العدل الحالي اللجنة القانونية النيابية في18/10/ 2015 بصدور “المرسوم يتضمن تنفيذ حكم الإعدام بحق 160 مدانا بالإرهاب”، لافتة إلى “تنفيذ 24 حكم إعدام من أصل 160” وان اللجنة القانونية استضافة الوزير لمعرفة إلى أسباب تأخير تنفيذ احكام الإعدام والتي اكد الوزير “وجود لجان داخل الوزارة منها أمنية وصحية توقع على إجراءات التنفيذ قبل تنفيذ أحكام الإعدام بحق الإرهابيين”، ولحد تصريح الوزير الأخير في 5/7/2016 لم يتم تنفيذ احكام الإعدام ب(160) محكوم جاهزة مراسيمهم، وهذا يضعنا امام تساؤل لماذا استخدمت الوزارة مسالة توجيه الاتهامات الى رئاسة الجمهورية في حين ان الخلل لديها وباعتراف وزيرها؟؟؟؟
وختمت متوالية التصريحات حول تنفيذ احكام الإعدام، وأنها السبب الرئيسي للإرهاب الذي يجتاح العراق منذ سنوات، بتصريح لوزارة العدل في 25/ 7/2016 وتصريح مهم لمكتب رئاسة الوزراء في 23/7/2016 يؤكد فيه تشكيل لجنة من ممثلين عن امانة مجلس الوزراء ومجلس القضاء الأعلى ورئاسة الجمهورية ووزارة العدل، تتولى حسم “ملف المحكومين بالإعدام وتحديد المعوقات والأسباب التي تؤدي إلى تأخير تنفيذ أحكام الإعدام”.
وبذا أصبحت احكام الإعدام الشغل الشاغل للحكومة، ولا اعرف ما هي الالية التي سيتم وضعها للإسراع بتنفيذ احكام الإعدام، وهي احكام قضائية قطعية محكومة بالية ضمن نصوص قانونية ودستورية لا مجال للاجتهاد فيها من خلال تشكيل لجان تنفيذية إدارية.
ان الإعدام؛ قرار قضائي فاصل بين الحياة والموت، وعليه ينبغي أن يكون هذا الحكم دقيقاً، وسائراً وفقاً للإجراءات القضائية، وبعيداً عن الضغوط السياسية والبرلمانية والإدارية، وأن تصدر مجرّدة من أي توجهات سياسية، لأنّها مسؤوليّة كبيرة يجب أن تكون السلطة القضائيّة على قدرها، ويرافقها مسؤولية أكبر في المصادقة عليها وتتعاظم هذه المسؤولية لدى السلطة التنفيذية في مراعاة القانون في تنفيذ احكام الإعدام بعيدا عن الضغوط السياسية والطائفية، ومن ملاحظة تصريحات وزير العدل العراقي والحكومة في اعلاها نصل الى نتيجة مفادها ان الحكومة والأحزاب المشاركة في السلطة وظفت مآسي العراقيين بشكل يدفع لمزيد من التشنّج، فبعد الغضب الشعبي المتصاعد في بغداد تجاه الحكومة والأحزاب السياسية المشاركة في السلطة، عقب تفجير الكرادة الدامي، سعت الحكومة والأحزاب إلى التخفيف من نقمة الشارع عبر قرارات ودعوات وبخاصة عبر بوابة قضية احكام الإعدام، والتي لا يُمكنها أن تؤدي لاستتباب الأمن بالعاصمة، أو تردع الإرهاب، وتصريحات وزارة العدل ورئاسة الوزراء المشار اليها انفا ليست ببعيدة عن تصريحات سابقة بنفس الموضوع ،أهمها::
الف- صرح وزير العدل السابق (حسن الشمري) في 16/ أبريل/ 2013 بصدد تنفيذ احكام الإعدام ب(21) مدان وكانت أيضا ردا على تفجيرات حصلت في وقتها في الوزارة، حيث اكد ان( حكومته مستمرة بتنفيذ أحكام الإعدام ضد المدانين حتى لو كلف ذلك العراق أن يكون في المرتبة الأولى عالميا في تنفيذ عقوبة الإعدام).
باء-مطالبة موفق الربيعي مستشار الأمن القومي السابق، رئيس الجمهورية إلى الإسراع بالمصادقة على أحكام الإعدام، “مراعاة للدستور وخفضا للنفقات”
جيم- تصريح عدنان الأسدي بان “هناك 7 الاف ارهابي صادرة بحقهم احكام بالإعدام ورئيس الجمهورية يمتنع عن المصادقة على قرار اعدامهم”
دال- صدور عدة تصريحات لا يمكن احصاءها لكثرتها واخرها توعد الأمين العام لقوات ابي الفضل العباس بتنفيذ احكام الإعدام دون الرجوع للدولة، وتلك التصريحات تشير إلى غياب الدولة والقانون عن الواجهة في التعامل مع الأحداث.
وتصريحات أخرى كثيرة تتذرع بالأوضاع الأمنية التي تتطلب في رأيهم صرامة ضد المحكومين في قضايا الإرهاب، متناسين ان الاستهانة بانتقادات المجتمع الدولي يكلفنا وكلفنا الكثير من سمعتنا الى الحد الذي اتهمنا فيه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون العراق العام الماضي باستخدام أحكام الإعدام بشكل طائفي.
جميعهم يرفع شعار الوطن، ويزايد باسم الوطنية، لكنهم يتناسون ان القانون هو ركيزة الدولة الحديثة، هو سلوكها، وخطابها في الآن نفسه، تلجأ الدولة إلى القانون وتعمل على سيادته وتطبيقه؛ ولا يصح أو يجوز أن تتحدث الدولة عن ثأر ما، وإن فعلت، تتحول من دولة إلى مجرد عصابة.
والأكثر اثارة للفجيعة، على مدى سنوات الاحتلال، هو صمت السياسيين والمستفيدين على جرائم كانوا يذكرون العالم بها بكرة واصيلا ولا ينفكون مقرعين العالم على سكوته بصددها ايام النظام السابق، بينما يتغافلون واجهزة الاعلام، الآن، على تناقل اخبار ما يتعرض له النازحين ومدنهم واخرها ما تعرضه له المدنيين في الفلوجة وغيرها، من تعذيب جسدي ونفسي فعلي عجزت عن الوصول اليه مخيلة سياسيي ومثقفي العراق الديمقراطي الجديد حين كانوا في صفوف المعارضة وينشطون في كتابة سيناريوهات التعذيب (مثل أكذوبة مفرمة لحم المعتقلين في سجن ابو غريب التي أعلنتها النائبة البريطانية آن كلويد باكية في البرلمان البريطاني إعتمادا على 'تقارير' المعارضة العراقية وقتها) لصالح الادارة الامريكية.
وأخيرا، يقول الوردي: (أن شخصية الفرد العراقي تتسم بالازدواجية، فنجد أن العراقي المسلم هو من أشدّ الناس غضباً على من يفطر برمضان علنا ولكنه هو من أكثرهم إفطارا وأن العراقي، سامحه الله، أكثر من غيره هياماً بالمثل العليا ودعوة إليها في خطاباته وكتاباته، ولكنه في الوقت نفسه من أكثر الناس انحرافا عن هذه المثل في واقع حياته، وأنه أقل الناس تمسكا بالدين، وأكثرهم انغماسا في النزاع بين المذاهب الدينية، فتراه ملحدا من ناحية وطائفيا من ناحية أخرى).



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا