>

الحرب والسلام - ولاء سعيد السامرائي

الحرب والسلام

أحتفلت الدول المشاركة في الحرب العالمية الأولى في باريس بالهدنة التي وقعتها قبل قرن لأنهاء الحرب بينها،
وعقد في هذه الأثناء منتدى أطلق عليه “منتدى السلام” ؟. كانت الحرب الأولى مجزرة حقيقية للشعوب الأوربية تعلن عن بداية قرن دموي وحروب جديدة تختلف بأسلحتها عن حروب القرن الماضي وعن استراتيجيات جديدة خطط لها مسبقا تستهدف وضع اليد على الطاقة المكتشفة حديثا في الشرق الأوسط. الحرب الأولى هي الحرب الشاملة الأولى من اجل الطاقة والنفط ومن اجل قمع اي تحرك شعبي في اوربا بعد حدوث ثورة اوكتوبر في روسيا وتطور مطالب الأحزاب الأشتراكية والنقابات في كل من فرنسا والمانيا للحصول على حقوق لملايين من اليد العاملة في المصانع. بل انها بداية لحرب شاملة هائلة شهدها كل القرن العشرين وما يزال مع بقيتها التي اشتعلت مع حرب افغانستان وغزو العراق.
رغم كثرة الأدبيات حول هذه الحرب التي تعد بمئات الآلآف، تتجاهل هذه الدول حتى يومنا هذا الكلام عنها بشكل موضوعي وحقيقي بل انها ترفض اي بحث جدي يتناول خفايا أتفاقات الحرب السرية التي دارت في وقتها او يتناول تفاهم كل الدول الأستعمارية المتفاهمة والمتصارعة فيما بينها للحصول على حصتها من الغنائم ودعم كل هذه الدول للتيارات الفاشية والنازية لأخافة الشعوب بعدو وبنفس الوقت ادعاء محاربتها وأختلاف قيمها مع التطرف والتعصب والعنصرية.
ان نظره على الأحداث التي أفتتحت به الدول الأستعمارية الألفية الثالثة تدفع الباحثيين والصحفيين والمتخصصين بتاريخ الحروب وتاريخ هذه الدول الى المقارنة والمشابهة الكبيرة بين تلك الحروب وبين هذه التي تقع اليوم تحت اعيننا. الحرب العالمية الأولى هي اول حرب امبريالية جاءت بعد أول أزمة رأسمالية شهدها عام 1873 بسبب التطور الصناعي والمالي للقوى الصاعدة التي ستخوض حربا مستمرة وطويلة في القرن العشرين للهيمنة على عدد كبير من بلدان العالم . وهي اول حرب شنت من اجل وضع اليد على موارد الطاقة من النفط في العالم وخاصة على نفط العراق كما الحرب العالمية الثانية . هذا التاريخ هو بداية لترسيخ وتاسيس لطموحات الولايات المتحدة للهيمنة على العالم وما يطلق عليه “ باستراتيجية المحيط “ بدءا بالشرق الاوسط ومعاهدة سايكس بيكو ومعاهدة لوزان لترسيم حدود الدولة التركية الجديدة والقارة الأوربية حيث أدت الى انهاء وجود ثلاث اكبر امبراطوريات هي العثمانية والألمانية والنمساوية الهنغارية وحولتها الى دول بحدود فصلت بمقص مصالحها، وتمدد نفوذها الأقتصادي وتأثيرها الفعال في مجال المال المتمثل بالقروض الذي سيصبح احد اهم أدوات الولايات المتحدة في فرض شروطها العسكرية اولا لأيقاف او تمديد امد الحرب والأقتصادية في اعادة الأعمار وتصنيع اوربا لحساب شركاتها الكبرى متعددة الجنسية التي كانت المانيا اول اهدافها.
وقد كشف عدد من أساتذة الجامعة المؤرخين والباحثيين الأوربيين في السنوات الأخيرة ممن عملوا على أرشيف هذه الأحداث على أن نخب وبرجوازيات والشركات الكبرى لهذه الدول كانت تنسق فيما بينها قبل واثناء وبعد الحرب كما جاء في كتاب الأستاذة في جامعة باريس السابعة والباحثة آني لاكروا ريز في كتابها “النخب الفرنسية بين 1940و 1944 والتعاون مع المانيا الى التحالف مع الأمريكان” . .ليس ذلك فحسب بل ان الأرشيف وخاصة أرشيف الشرطة قد كشف بحسب الكاتبة المختصة بالحرب بأن هذه النخب كانت تمول المنظمات والجمعيات والروابط المتطرفة والعنصرية منذ العشرينات ومنها المليشيات النازية في المانيا وغيرها لتكون فزاعة وأداة ردع – ثورة مضادة-للمطالب المشروعة للنقابات وللعمال المناهضون للحرب. ولعل المشهد الأوربي اليوم لأكبر دليل على ذلك ، فما يحفظه الأرشيف لتلك العقود والحروب يشاهد اليوم بالعين وبالصوت والصورة كيفيية خلق أحزاب اليمين العنصري الفاشي وجعله أداة لفوز نخب رأس المال والبنوك من ناحية وليكون في الأخرى “صوتا” عنصريا ضد “الأجنبي” تحاربه نفس الحكومات دفاعا عن “حقوق الأنسان” وعن “قيم الجمهورية والديمقراطية”. ولنا في نشأة وتطور الجبهة الوطنية الفرنسية-اليمين المتطرف - بزعامة جان ماري لوبين وابنته مارين أكبر مثال على هذه الأحزاب المنتشرة اليوم في كل دول اوربا تقريبا والتي يمكن مقاربة دورها بادوار “أحزاب الأسلام السياسي” المحلي والمصنوع خارجيا اليوم في الشرق الأوسط لأداء نفس المهمات. فمنذ اعلان الحرب الأمريكية -الأطلسية الشاملة على ما سمى” بالأرهاب الأسلامي ” عام 2001 تلى ذلك غزو العراق غير الشرعي التي هي حرب شاملة اخرى لنفس نخب حروب الأقتصاد والمال الغربي للحربيين العالميتين لترسيم خرائط “الشرق الأوسط الكبير” وتمزيق دولا مثل العراق وليبيا ودول منطقة الشرق الأوسط كاملة ، تحارب الدول المسماة بالتحالف “الأرهاب الأسلامي” من جهة وتضع “أسلاميها” على رأس الحكومات من جهة اخرى كما حدث في ليبيا. ولعل ابسط مثل يلخص ما حدث في ليبيا ويبرز تلاقي مصالح النخب الأقتصادية والسياسية المتحاربة والتنسيق بينها مشهد القاء أحد اعضاء الحكومة الجديدة خطاب التحرير المترجم من الفرنسية كتبه برنار هنري ليفي-مدعي العلمانية والمحارب الشرس للأسلام في فرنسا - مستشار الرئيس الفرنسي السابق نيكولا سركوزي، ليكشف بعدها وجود أرتباط عائلي ومالي وشركات استثمارات في افريقيا بين ليفي واحد اهم من جاءت بهم حكومة الأنقلاب من رجال الاعمال الليبيين. أما في العراق فقد تركت الولايات المتحدة “أعدائها عمائم ايران ووكلائهم ” تعبث بالعراق ومجتمعه لأحكام السيطرة عليه وتدميره كما فعلت أبان الثورة الأيرانية عندما تدخلت لتغليب انتصار جناح العمائم واستحواذه على السلطة دون باقي التيارات المشاركة بالثورة ودعمت الثورة المضادة وتصفية التيارات المدنية واليسارية بضمنها تسليم قوائم الشيوعيين من حزب تودة الى السلطات الدينية التي رفضت أيقاف الحرب مع العراق -تصريح بني صدر-معتبرة ذلك فرصة ذهبية سانحة لتصفية خصومها واتباعهم فتم قتل 400 الف مدني ايراني لتثبيت حكم الملالي بعد الانقلاب على حكومة الرئيس بني صدر التي ارادت الموافقة على أيقاف الحرب مع العراق.
في كتاب صدر قبل ايام بعنوان “تجار الأخبار “ تشكك مؤلفته أستاذة الأدب الفرنسي انغريد ريكرو بالروايات عن ما سماه الأعلام الغربي “بتنظيم الدولة اللأسلامية” وعن تعامل الأعلام الفرنسي مع الأخبار المتعلقة به . وهي تفكك خطاب الصحافة والقنوات التلفزيونية بطريقة علمية تتعجب وتتسائل حول التعاطي المزدوج مع التنظيم في سورية المعاكس للتعاطي له في الموصل. فتقول ان الصحفيين يتناولون التنظيم “بطريقة طبيعية” -اي لا يشيطنوا التنظيم- في سوريه بعكس تناولهم له في الموصل حيث يتم تضخيم ما يحصل باستعمال عبارات التحرير واعادة فتح مدينة الموصل . ولعل الكاتبة تضع هنا يدها وتلمس هي نفسها “غموض” “معالجات” اعلام السلطة والنخب الحربية لهذا التنظيم المقنع بالأسلام لتقول ان الصحفيين اليوم يرددون كالببغاءات نفس المواضيع في كل اجهزة الأعلام وهو ما كان مدانا في التوتاليتارية السوفيتية سابقا، ويشيطن كما تقول الكاتبة كل صحفي يتكلم بطريقة مختلفة عن زملائه او تتكلم شخصية ما بطريقة مختلفة لا يناسب كلامها الأعلام المهيمن . والمعروف ان الأعلاميين والفضائيات الحكومية التي تعطي الضوء للخط التحريري للدولة يتلقون تعليماتهم من ساسة ورجال اعمال وبنوك يجمعهم ما يسمى بجمعية القرن يصل اعضائها الى اكثر من 500 عضو منهم روؤساء جمهورية سابقين ووزراء ومدراء بنوك.
نخب الحرب سببت مقتل ملايين عسكريين ومدنيين واعاقة مئات الآف من مواطنيها ويتمت مئات آلآف اخرى من الأطفال ، دمرت امبراطوريات ورسمت بمشرطها ومبضعها حدودا بدماء ملايين من البشر في اوربا واسيا وافريقيا على مدى قرن من الزمان. لم تنته ولن تنته حروبها في منطقتنا منذ سايكس بيكو ووعد بلفور المشوؤم والواعد بالحروب والأغتصاب والهيمنة.نخب الحرب مهندسوا الفوضى الخلاقه في العراق وافغانستان يعيشون على الحرب وما تدره من مليارات يستعملون كل الوسائل في الكذب والخداع واالسرقه والفساد لكي تستمر حروبهم وتستمر خزائن بنوكهم بتكديس الأموال..
أنهم صناع الحروب وليس السلام .

ولاء سعيد السامرائي
باريس في 18/11/2018














شارك اصدقائك


اقرأ أيضا