>

الحج .. والمحاصصة - شاكـر محمود الفلاحـي

الحج .. والمحاصصة
شاكـر محمود الفلاحـي

غزتنا المحاصصة وغزت حياتنا بصحبة الغزو الأميركي البغيض حتى باتت مفردة شمولية التداول فلا يكاد يمر يومٌ علينا لا بل ولا ساعة إلا وتشنف أسماعنا هذه المفردة البائسة بؤس من أتى بها إلينا. كنا نأمل ألا تدخل سوى حياتنا السياسية لكنها سرعان ما تغلغلت بأدق تفاصيل حياتنا اليومية تغلغل الماء بالإسفنج.
قديماً قيل المستحيل ثلاثة : الغول والعنقاء والخل الوفي، وكان البعض يضيف لها محال رابع كما يحلو له وما يظنه صعب المنال والتحقق.
في حقبة السبعينات من القرن الماضي كانت تأتينا الصحف العربية والأجنبية في قسم المراسم بوزارة الثقافة والإعلام العراقية ... كان الجميع يتسابق لقراءة بابٍ في صحيفة الأهرام القاهرية بعنوان ( صدق أو لا تصدق ) كان هذا الباب يتناول كل ما لم يحتمله العقل ويصدقه - في تلك الفترة طبعاً- من أحداث أو وقائع.
مر كل هذا الشريط من الذكريات أمامي وأنا أتطلع إلى الجمع البشري من الشيب والشباب وهم يتجمهرون أمام شركة من الشركات التي تتعهد بنقل الحجاج إلى الديار المقدسه لأداء شعيرة من الشعائر المقدسة التي فرضها رب العزة والجلالة على من استطاع إليها سبيلاً بانتظار استلام أوراقهم وكان هذا تحديداً في اليوم الأول من شهر ذي الحجة المبارك الحالي . إن المعنى الظاهر لكلام الله سبحانه وتعالى عن الاستطاعة - والله أعلم لأني لا أدعي التفسير ولا أنا أهل له - القدرة المالية والبدنية والنفسية وليس قدرة أخرى سنأتي عليها لاحقا.
معلوم للقاصي والداني أن فريضة الحج من الشعائر التي تحوي معانٍ ودلالاتٍ كثيرة لسنا بصدد ذكرها هنا ولكن ما يتعلق بموضوعنا هو أهمها وأولها ترسيخ العدل والعدالة في النفس البشرية المسلمة المؤمنة حيث يتساوى الوزير والخفير في ملبسه ووقفته أمام الواحد الديان وترى الكل رئيساً ومرؤوسين يتحلقون حول بيت الله الحرام يدعون ربهم طالبين المغفره والرضا.
نعود إلى المحاصصة التي بدأنا حديثنا عنها والغرائب والعجائب وعلاقتهما بالحج هذه الشعيرة التي فرضها رب العباد على العباد لمن استطاع وتمكن من الذهاب لبيته الحرام ليعود كيوم ولدته أمه معافى من ذنوب الدنيا وأدناسها.
قبل أن يطأ الاحتلال أرض بلادي حيث لم تكن للمحاصصة طعما أو لونا أو رائحة كانت وزارة الأوقاف العراقية - وكما معروف للجميع - وحيث كانت الأوقاف موحدة ( لا وقف لفلان أو وقف لعلان ) هي من يتولى تنظيم الحجيج في العراق ويهتم بشؤونهم، كان يعلن عن الحج على الملأ ويتم التقديم إلى الوزارة وضمن ضوابط عمرية معروفة، كما وتراعى ضوابط أخرى غير ذلك مثل منع التقدم لمن حج سابقا والكثير من الضوابط الأخرى التي تنظم العملية وتمنع التلاعب بها، ويحق لمن يرى أنه قد غبن الاعتراض رسميا لدى وزير الأوقاف. ولم تكن هناك حصة بالمئات إن لم تقترب من الألف لمنتسبي هيئة الحج لوحدها ناهيك عن الحصص الأخرى, برلمانية ووزارية ووو... بل كانت بعثة الحج بمختلف دوائرها (صحية وإعلامية ووقفية ) لا تتجاوز النيف من العشرات على أحسن أحوالها.
وياللأسف دخلت المحاصصة على هذه الشعيرة المقدسة وهذا ما لم يكن بالحسبان والتصور ومالم نكن قد قرأناه حتى بباب العجائب والغرائب لا في الأهرام ولا في غيرها إذ كنا نتصور أن المسلم ومن يدعي الإسلام حتى لو كان ادعاء ظاهرياً فقط سيقيم وزناً لهذه الشعائر والمقدسات وقوفاً عند حدود الله ... إلا أن هذا ما حصل وبات واقعاً مفروضاً وتقبلناه رغم أنوفنا.
ولعل أسوأ تطبيق للمحاصصة كان في فريضة الحج عندما ظهرت في السنوات الأخيرة بدعة إعطاء حصص لمكون معين, وهذه خصصت بالأساس لمساعدة من هاجروا خارج البلاد ولم يعد بإمكانهم التقديم والحصول على مقعد داخل البلد لأداء هذه الفريضة المقدسة للأسباب المعروفة .. هذه الحصص أعطيت لقادة وشخصيات وكيانات سياسية تنظيمية دينية أو علمانية من الجهات السعودية المختصة بطريقة أو بأخرى. ولكن المؤسف والمؤلم أن هذه التخصيصات لم تراعي قدسية وحرمة هذه الشعيرة في واحدة من أبسط دلائلها ألا وهي العدل في التوزيع.
لا أجد تفسيراً لإعطاء هذه الحصص لشخص ما لمجرد أنه قائد تنظيم أو حزب دون مراعاة للشروط والضوابط الأساسية خصوصاً وقد أشيع عن أحدهم – والله أعلم – أنه لا يصلي أصلا وأخر أتهم أخوانه ببيع الاستمارات الخاصه بالحج، وكليهما من العلمانيين، وأنا هنا أتحدث عما حدث من سنيين خلت. أما ما حدث هذه السنه فهو حصول الأحباب والأقارب والمريدين على المقاعد دون غيرهم بغض النظر عن العمر والحاجة ... وأستحضر لكم هذه الصورة التي آلمتني، صورة رجل مسن قد قارب العقد السابع بأشهر قليلة تنهمر دموعه حسرة لأنه لم يتمكن من الحصول على مقعد رغم الوعود التي قطعت له وظل منتظراً حتى قبيل السفر بيوم واحد ثم أحبط بفقدان أمله وعلى الجانب الأخر ترى شاباً يافعاً لم يصل العقد الثالث بعد ضاحكاً مستبشراً لفوزه بالمقعد المسروق من أمثال ذلك المسن.
وهنا أتساءل - كحال الكثيرين من أمثالي ممن صاروا أدنى إلى حتفهم - هل الأمور السياسية والتنظيمية لها دور فعال هنا وهي ما حدى بأصحاب الكيانات والتنظيمات كسب الشباب بهكذا سبيل لضمان ديمومة واستمرار تنظيمهم الشاب على حساب دموع الشيب وأمالهم. ولمن يشكك فعليه التأكد من مصداقية كلامي من الشركات المتعهدة وأتمنى على السلطات السعودية الاستفسار من سفارتيها في عمان وبغداد عن صحة ما ذهبت إليه وعن أعمار غالبية من منحت لهم مقاعد الحج وصلتهم وقرابتهم من صاحب المقاعد.
وأخيراً وليس آخراً .. ولأن هذه المشكلة قد لا تبقى وقفاً على العراق .. لذا وقبل أن تتنشر عدوى المحاصصة إلى البلاد الأخرى, أتمنى مخلصاً على الحكومة السعودية مناشداً خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده سمو الأمير محمد , إعادة النظر في أمر هذه المنح , ليتم توزيعها بعدالة .. كأن ترسل هيئة خاصة من قبل وزارة الحج السعوديه أو أن تتولى سفارة بلدهم في (عمان وغيرها), توزيع هذه المنح على مستحقيها ضمن ضوابط وشروط معينة دون تدخلٍ من كيانات وتنظيمات مهما كان لونها أومشربها, والله من وراء القصد.
27 آب 2017





شارك اصدقائك


اقرأ أيضا