>

التسوية التاريخية” مؤامرة جديدة على العراق

د.ولاء سعيد السامرائي

ليست هذه المرة الأولى التي تطرح فيها أحزاب العملية السياسية مبادرات مصالحة ، تستلمها مباشرة من سفارة سلطة الأحتلال الأمريكي وتطلقها باسم احزابها.فقد طرح التحالف الوطني برئاسة عمار الحكيم ما سماها “تفخيما” بمبادرة “التسوية التاريخية” بين القوى العراقية في خارج العراق واربيل وبين “أعضاء من حزب البعث” وقادة عسكريين من الجيش الوطني السابق ، وصفت بأنها من اجل المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب العراقي. وسبق هذه الورقة مبادرات اخرى، منها لنوري المالكي رئيس الوزراء السابق ومبادرة الجامعة العربية ووثيقة مكة وميثاق الشرف الذي طرحه مقتدى الصدر. ربما من الضروري ، بعد مضي 13 عشر عاما من احتلال العراق، وصدور هذه التسوية ان نسأل أين ذهبت المبادرات السابقة واين بنودها التي سوقت للشعب العراقي ولماذا لم نرى لها أثرا في ممارسات الحكومة واحزابها وعمليتها السياسية على ارض الواقع ان كانت نوايا هذه العملية السياسية صادقة. لا بل ان ما شهده العراق هو تماما عكس أدعاءات كل هذه المصالحه واخواتها السابقات.لذا من حقنا ان نسأل أذن ما هي حقيقة واهداف هذه المبادرات وتوقيتاتها في كل مرة ؟
بدءا فأن مسلسل مبادرات المصالحة جاءت كلها بعد مغادرة بول بريمر الحاكم المدني للعراق، ومع هزيمة الأحتلال الأمريكي في العراق أمام المقاومة العراقية بكل فصائلها ولم تطرح اي مبادرة الا بعد ان وجد الأحتلال وقواته أنه في مأزق كبير في هذه البلد لا يسعه الخروج منه عسكريا والسيطرة عليه الآ بعمل سياسي . لذا طرحت المبادرة تلو الأخرى آخرها -من قبل التحالف الوطني – حسب جدول ورغبة أدارة الأحتلال .ورغم تعاقب الجمهوريين والديمقراطيين على البيت الأبيض من بوش الى اوباما، فأن هذه المبادرات لم تختلف مضمونا لمن يعتمد القوة المتوحشة في حل أزماته والذي يدفع بالقوة الناعمة لمعالجة ما يستعصي حله.بل ان عمل احدهما مكملا للآخر. أن أيا من احزاب العملية السياسية لا علاقه لها بأي من هذه المبادرات فهي بالنسبة لسلطة الأحتلال مجموعات وضعت في هذا المكان لتنفيذ خطط الولايات المتحدة واهدافه في العراق لا غير. ولا يغير من الأمر شيء اذا تم طرح هذه المبادرة من المالكي او الحكيم او الصدر او غيرهم. بل ان هذه المبادرات كانت مناسبات دعاية لهذه الأحزاب وشخصيات العملية السياسية للمساجلة والظهور في الأعلام وعقد الندوات والمؤتمرات ودعوة عشائر من هنا ومن هناك لرشوتها وأستمالة من لم يدخل الى العملية الأمريكية بالتلويح له بمناصب او امتيازات او وضع بعض ملايين في جيب هذا وذاك. وبهذه المناسبات انشأت لجان في البرلمان للمصالحة وخصصت لها اموالا وموظفين لسنوات وقام نوري المالكي بأيجاد وزارة لشؤون المصالحة يرأسها شخص مقرب له هو عامر الخزاعي كل هدفها كان في تطبيع العملية السياسية وتسويقها وفرض اجندتها على من يرفضها.
قبل معركة الفلوجة الثانية في عام 2004 وحينما بدأت الأدارة الأمريكية بوضع ثقلها لتكريس عملية سياسية تجذر تقسيم العراق وتفتيت نسيجه الأجتماعي، طلب أياد علاوي من الشيخ حارث الضاري بالدخول الى العملية السياسية مقابل عدم دخول القوات الأمريكية الى الفلوجة.لكن الولايات المتحدة دخلت الفلوجة ولم تحارب حربا تقليديه فيها بل قصفت المدينة وسكانها المدنيين بالأسلحة المحرمة دوليا من الفوسفور الأبيض والقنابل العنقودية لكي تخضعها وتكسر شوكة المقاومة التي واجهت أكبر قوة في التاريخ ومنعتها من احتلال مدينتهم .
وفي نوفمبر من عام 2005 وفي أوج تصاعد المقاومة ضد الولايات المتحدة جاءت مبادرة الجامعة العربية ورئيسها عمرو موسى وبعض الدول العربية التي تتقاطع مصالحها مع الأحتلال الأمريكي ليعقد مؤتمر وفاق وطني دعي له “المكون السني” للمشاركة في العملية السياسية هدفه الضغط على الأطراف التي لم تدخل العملية السياسية الأمريكية لأنهاء المقاومة بكل اشكالها مقابل بعض المناصب والأمتيازات . وبعد أشهر على هذا المؤتمر قامت أيران بأشراف الولايات المتحدة بتفجير مرقدي الأماميين العسكريين في مدينة سامراء -باعتراف الجنرال كيسي- لكي تحول أنظار الناس عن مقاومة الأحتلال وتفرض على العراقيين حرب وفتنة مذهبيه لكي يتاح لسلطة الأحتلال الأمريكي بملاحقة المقاومة بغطاء طائفي وابادة الرجال العراقيين وخاصة ابادة الجيش الوطني العراقي بمعية مليشيات الأحزاب الدينية والمخبر السري. بأشعال فتنة طائفيه-لم يستجب لها الشعب العراقي- قدمت ايران خدمة خبيثة وكبيرة ، للأحتلال الأمريكي أستمر بأستخدامها الى اليوم في حربه على العراقيين ومدنهم المقاومة، ليست أقل من فتوى السيستاني بعدم مقاتلة الأحتلال الأمريكي .
وكانت حكومة المالكي لفترتين أداة التنفيذ لهذا المشروع الذي ما يزال ينزف منه شعبنا العراقي ليومنا هذا فقد أصبحت الطائفية سلاح حكومات الأحتلال المتعاقبة وحجتها بل أنها أسست مليشيات تعد بالعشرات على هذا الأساس في خرق للدستور لتقترف بحق شعبنا جرائم السجن والقتل والتهجير والتعذيب والأجرام العشوائي في المكان الذي تختاره دون ان يتم محاسبة او مقاضاة أيا من هذه المليشيات؛ حتى أن البرلمان قد اقر أخيرا قانون تشكيل هيئة الحشد رسميا لتحصينها من المساءلة والعدالة.بل ان الحكومة عمدت الى أكثر من ذلك فأنشأت مليشيات مسيحية في شمال العراق تابعة لمليشاتها تحارب بأسم الدين المسيحي ضد ما يسمى” بالدولة الأسلامية” وقد شهد احد المقاتلين الأكراد اخيرا حول هذه المليشيات بقوله ان التحالف يدفع هذه المليشيات للحرب باسم الدين المسيحي ضد الأسلام كما يدفعون “المليشيات الشيعية” بالحرب على باقي العراقيين باسم الطائفة.
كانت عمليات المقاومة تهز يوميا ارجاء العاصمة لتذكر الغزاة بأن جذوة المقاومة ما تزال مشتعلة وبقوة.حينما اطلق نوري المالكي رئيس الوزراء السابق والمعين من قبل كونداليزا رايس بتوافق امريكي -ايراني “مبادرة مصالحة” من 24 نقطة في نهاية شهر تموز من عام 2006. وشكل المالكي من اجلها لجان ووزارة تتابع ملف هذه الورقة للتلويح بها في أوقات الحاجة التي يتعين فيها عليه الظهور بمظهر رئيس وزراء كل العراقيين وليس بمظهر الطائفي الذي سنراه في ولايته الثانية التي تفرعن بها على مؤيديه كما على خصومه واصبح يحلم بولاية ثالثة ورابعة مغازلا مشاعر الطائفية عند البسطاء والعامة معتبرا نفسه قائدا لجيش الحسين ومن يحاربهم هم أبناء يزيد. المالكي الذي أختير بديلا عن علاوي الفائز بالأنتخابات أراد ان يثبت كما يقول بنفسه في مقابلة تلفزيونية لقناة الميادين انه الرجل المناسب للأحتلال وذلك “ بقتله اولا الشيعة في البصرة قبل السنة “ليشهد العراق في ولايته الأولى تصعيدا أجراميا هائلا من الصدمة والترويع ضد العراقيين ليس في مدينة البصرة فحسب بل وفي بغداد وكربلاء وديالى وسامراء والأنبار وغيرها من المدن التي استعصت على الغزاة لكي يرسم الأحتلال صفحة جديدة في خريطة العراق تحت سيطرته وبدم ابنائه.
فأرتفع عدد العمليات الأرهابية ضد منتسبي الجيش العراقي وسادت الأغتيالات للضباط والطيارين وانتشرت الجثث الملقاة والمسماة دون هوية بينما هي جثث لمغتاليين ومعذبيين وامتلأت السجون بالمدنيين والأبرياء تحت مسمى الأعتقال الأداري حتى وصلت اعدادهم الى ارقام مخيفة وأزداد عدد المختطفيين حتى وصل الى طلاب الجامعات والموظفين في دوائر الدولة.كان الجيش الأمريكي يدخل الى بيوت العراقيين منطقة منطقة وحيا حيا وشارعا شارع بمعية ملثميين من مترجمين ومليشيات مدربة وطائفية تابعة للأحزاب السياسية وتعتقل الرجال وتضعهم في السجن دون محاكمات وتسلب بيوتهم وما بها من اموال وما خف حمله. وبعد أشهر من هذه المبادرة وخلال شهر اوكتوبر 2006 ذهبت شخصيات دينية من أتباع العملية السياسية وموظفين في خدمة الأحتلال الى الرياض لتوقيع مصالحة اخرى سميت بوثيقة مكة التي أرادت “حقن الدم العراقي وأخماد الفتنة” التي اشعلها الأحتلال وربيبته أيران بمعية حكومة المنطقة الخضراء. ولم تكن هذه الوثيقة بأفضل من سابقاتها للشعب العراقي لأنها مجرد تحرك سياسي أرادته الأدارة الأمريكية ان يكون عبر السعودية للضغط مجددا على سنة العراق بالدخول الى مخطط العملية السياسية ونبذ المقاومة. ومن ثم شهد العام 2007 مجيء الوصفة الناعمة مع وصول الديمقراطيين للحكم في البيت الأبيض وتسلم الجنرال دافيد بترايوس ملف المقاومة العراقية ومحاربتها. تفتق فكر بتراويس عن فكرة الصحوات التي جذبت اعدادا من العراقيين الذين لم يكونوا اصلا من فصائل المقاومة لكن سلطات الأحتلال أستعملتهم شرطة لتتبع المقاومين مقابل رواتب بسيطة لتبدأ بعدها حكومة المالكي بتصفيتهم واحدا بعد الآخر.. واعقبت مبادرة المالكي ورقه ميثاق الشرف الوطني التي طرحها التيار الصدري عام 2011 . وقد تزامنت هذه الورقة مع محاولة اعتقال طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية بتهمة الأرهاب وهروبه الى الخارج. لكن هذا الميثاق بقي حبرا على ورق رغم زيادة العنف الطائفي والتدخل العلني الأيراني بعد هذا التاريخ . أن التسوية الجديدة التي تقدم عن طريق التحالف الوطني بالتزامن مع العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش-الذي أدخله المالكي- وتدمير الموصل وتهجير أهلها لا تختلف ابدا عن مضامين المبادرات السابقة بل ان اسسها تلخص كل ما سبقها وكل ما يسعى الأحتلال الى تحقيقه في العراق من أستسلام المقاومة وجلوس قادتها مع ادارة الأحتلال وتوقيع صك الوجود الأمريكي في العراق كما جاءت بنص المبادرة التي تزعم: أنها “التسويه الشاملة وليس التنازل أحادي الجانب .مبدأ لا غالب ولا مغلوب . تصفير الأزمات بين الأطراف العراقية ورفض أستخدام العنف كورقة بتحقيق التسويات السياسية”.
هذه المبادرة كما سابقاتها مؤامرة جديدة لفرض الأمر الواقع بالسياسة وبالحرب معا لأبقاء العراق تحت قبضة الولايات المتحدة بعد غزو غير شرعي ، وانهاء اي مقاومة وقوى رافضة للوجود الأمريكي ؛ وهي دليل آخر على فشل الأحتلال في أخضاع الشعب العراقي ومقاومته، ممثله الشرعي والوحيد التي لن تتنازل عن حقوق شعبنا وبلدنا ولن تقبل باي مبادرة من هذا النوع واي تسوية تشرع الأحتلال وتدميره وعمليته السياسية التي لفظها شعبنا.
كاتبة عراقية



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا