>

الاستقطاب الموازى للأزمة الروسية - الإسرائيلية - د. محمد السعيد إدريس

الاستقطاب الموازى للأزمة الروسية - الإسرائيلية
د. محمد السعيد إدريس

قد يكون أسبوع التوتر الروسي- الإسرائيلى قد مر دون أن تقع أحداث ساخنة بين روسيا وإسرائيل، لكن الحقيقة تؤكد أن نيران الأزمة مازالت ملتهبة تحت رمادها الذى لم يهدأ بعد. هذه النيران يبدو أنها توظف لإنضاج خرائط تحالفات جديدة أكثر صلابة بدرجة تفوق ما سبقها من تحالفات سواء كانت على مسار التحالف الروسي- الإيرانى الذى ظل طيلة السنوات الثلاث الماضية من عمر الأزمة السورية تحالفاً هشاً ومشكوكاً فى صلابته نظراً لعدم تطابق المصالح والأهداف الروسية فى سوريا مع نظيرتها الإيرانية، أو على مسار التحالف الأمريكى مع أطراف عربية كان التردد هو أبرز سماته، ربما لشبح إسرائيل الذى يستتر من ورائه.

إسرائيل رفضت الاستجابة للطلب الروسى بمحاكمة ومعاقبة ضباط الطائرات الإسرائيلية الأربع (اف 16) الذين اتهمتهم موسكو بالتسبب فى إسقاط طائرتها (ايليوشن 20) قبالة اللاذقية فجر الثلاثاء (18/9/2018) ومعهم قائد السرب الذى أطلق هذه الطائرات، وبدلاً من استرضاء روسيا وجدت إسرائيل نفسها عاجزة عن إخفاء ضجرها من القرارات الروسية غير المسبوقة التى جاءت كرد فعل على تردد إسرائيل فى الاستجابة للطلب الروسي.

أرادت إسرائيل أن تظهر، ولو شكلياً ومعنوياً، قدرتها على تحدى النتائج التى قد تترتب على هذه القرارات ميدانياً، وأن تظهر جدية ما كان قد ورد على لسان قائد سلاح الجو الإسرائيلى فى لقائه مع نظيره الروسى فى موسكو بعد أيام من سقوط الطائرة الروسية فى رده على تهديدات القائد الروسى للانتقام لسقوط الطائرة. ففى مساء الأحد (30/9/2018) ظهر أفيجدور ليبرمان وزير الحرب الإسرائيلى على شاشة تليفزيون «سي.بي.سي» الأمريكى فى برنامج يحمل اسم «50 دقيقة من الحوار الساخن» ليعلن أن الطيران الإسرائيلى سيستمر فى قصف الأراضى السورية، مهما يكن موقف روسيا، وأن الطائرات الإسرائيلية ستقوم بإسقاط الطائرات الروسية إذا تصدت لها، وزاد أنه «إذا كان لدى روسيا قاعدة جوية فى الساحل السورى وفيها ثمانون طائرة، فإن لدى سلاح الجو الإسرائيلى 63 قاعدة جوية فى إسرائيل، ولديها ألف طائرة وأكثر، من أفضل طائرات العالم، كما أن الطيارين الإسرائيليين يتفوقون على الطيارين فى سوريا وفرنسا وبريطانيا وروسيا من خلال مناورات جرت»، وأنهى مداخلته بالقول: «إن سلاح الجو الإسرائيلى وأسلحته الحديثة وأمهر الطيارين هم الذين يسيطرون على الأجواء، وليس الطيارين الروس، الذين ليست لديهم خبرة قتالية إلا قصف مواقع التكفيريين فى سوريا، وليس لديهم خبرة مثل الطيارين الحربيين الإسرائيليين».

جاء الرد الروسى بعد ساعة واحدة على التليفزيون الروسى مع نشرة الأخبار المسائية عبر مشاركة وزير الدفاع الروسى نفسه ومعه قائد القوات الجوية الروسية وقائد سلاح الصواريخ الروسية، وجاء الرد موجزاً وحاسماً فى زمن لم يتجاوز 12 دقيقة، أكدوا فيه أن طياريهم هم الأكفأ فى العالم وأن طائراتهم وصواريخهم الباليستية، وغواصاتهم النووية المرابطة قبالة السواحل الإسرائيلية قادرة «ومستعدة لتدمير إسرائيل خلال ثلاث ساعات فقط تدميراً كاملاً، وفق ما جاء على لسان قائد سلاح الجو الروسي.

تصعيد «ردعي» روسى غير مسبوق، لكنه يكشف نهاية باتت حتمية للتفاهمات الروسية- الإسرائيلية- الأمريكية فى سوريا التى جرى التأكيد عليها عبر زيارات متكررة قام بها رئيس الحكومة الإسرائيلية لموسكو، وعبر القمة الروسية- الأمريكية الأخيرة فى هلسنكى بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب (يوليو 2018) وتتضمن أمرين: «أمن إسرائيل وإخراج إيران من سوريا». فقد أعطت هذه التفاهمات لإسرائيل ضوءاً أخضر لضرب مواقع لإيران و«حزب الله» داخل سوريا شرط الإبلاغ المسبق للروس لتفادى الاحتكاكات الجوية بين الطائرات الروسية والإسرائيلية، كما التزمت روسيا بأن تقوم بمهمة إبعاد الإيرانيين عن الحدود السورية- الإسرائيلية فى جبهة الجولان بمسافة لا تقل عن 100كم.

سقوط هذه التفاهمات قد يكون خطوة أولى من شأنها أن تمنع إسرائيل من شن أى اعتداءات جديدة على الأراضى السورية ضد الجيش السورى أو ضد قوات إيرانية، وهذا مكسب مهم لإيران، لكن الأهم هو التوجه الروسى لمزيد من التنسيق مع إيران وحلفائها فى سوريا، خصوصاً بعد إعلان واشنطن على لسان جون بولتون مستشار الأمن القومى الأمريكى عزمها البقاء فى سوريا طالما استمر الوجود الإيراني، ما يعنى ربط الرحيل الأمريكى بالرحيل الإيراني، وهذا معناه قرار أمريكى لإفشال المشروع الروسى فى سوريا، ولن تجد روسيا أمامها بدائل للرد على هذا التصعيد الأمريكى غير تكثيف التعاون والتنسيق مع إيران، التى باتت تسعى لتأسيس تحالف أوسع للمقاومة بربطها بكل من العراق وسوريا و«حزب الله»، ما يعنى أن روسيا ستجد نفسها أقرب إلى هذا التحالف أكثر من أى وقت مضى.

وبموازاة هذا المسار التحالفى المحتمل تتجه الولايات المتحدة لتأسيس شراكة، قد ترقى إلى مستوى التحالف لمواجهة «تهديدات إيران ضد المنطقة والولايات المتحدة». جاء هذا التوجه بعد ساعات من توعد «الحرس الثورى الإيراني» بـ«الثأر من واشنطن وحلفاءها» أثر الاعتداء الذى وقع على استعراض كانت تقوم به وحدات من الحرس الثوري. فقد التقى مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكى فى نيويورك مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجى ومصر والأردن على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وصدر بيان للخارجية الأمريكية عقب الاجتماع أشار إلى أن «جميع المشاركين اتفقوا على ضرورة مواجهة تهديدات إيران للمنطقة وللولايات المتحدة».

مساران للتحالف يفرضان نفسيهما فى تطور من شأنه أن يعيد الاستقطاب الدولي- الإقليمى مجدداً بين الولايات المتحدة وروسيا على الأرض العربية، وهو الاستقطاب الذى دفع الشعب العربي، تاريخياً، أثمانه الفادحة، فمن سيدفع أثمان هذا الاستقطاب الجديد؟



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا