>

الاستعداد لصفقة القرن - د. عبد المنعم سعيد

الاستعداد لصفقة القرن
د. عبد المنعم سعيد

كثر المراسلون الأجانب والسفراء فى القاهرة الذين يبحثون ويتساءلون عن رد الفعل المصرى والعربى تجاه صفقة القرن التى سوف تطرحها الولايات المتحدة على دول المنطقة عقب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. وفى سابقة لم أشهدها طوال حياتى العملية أن البحث والتساؤل يجريان مع تسليم كامل بأن لا أحد يعرف ما هى صفقة القرن على وجه التحديد، اللهم إلا مجموعة من الأحاديث الصحفية التى أجراها جاريد كوتشنر صهر الرئيس الأمريكى ترامب إلى صحف عربية وإسرائيلية وأمريكية تحدث فيها عن صفقة شاملة سوف يشعر بعدها الجميع، حتى الفلسطينيون، بالسعادة الغامرة.

وبحكم قاعدة أنه بضدها تعرف الأشياء فإننا نعرف بعضا مما هو ليس فى صفقة القرن، فالقدس باتت عاصمة موحدة للدولة الإسرائيلية، وبالنسبة للفلسطينيين فإن تعريف المدينة صار المسجد الأقصى الذى من الممكن أن يوضع تحت الإدارة المشتركة للفلسطينيين والأردنيين والإسرائيليين أيضا. نعرف أن موضوع اللاجئين الفلسطينيين لم يعد موضوعا فى الصفقة، لأن وكالة غوث اللاجئين التى تمثل مصدر المعرفة عنهم لم يعد، مع باقى مؤسسات الأمم المتحدة وقراراتها، جزءا من الصفقة.

ونعرف أيضا أنه لا شيء حصلت عليه إسرائيل بالفعل من أرض لمستوطنات، أو أرض تعتبرها جزءا أساسيا من أمنها القومى سوف يكون موضوعا للتفاوض. ونعرف كذلك أن غزة فى هذه المرحلة خارج منطقة المفاوضات لأن حماس تحكمها، والسلطة الوطنية الفلسطينية ليس لها يد فيها، ولا أحد فى السلطة يريد العودة بينما حماس باقية مع سلاحها مهيمنة على القطاع.

وأخيرا فإننا نعرف أن هناك مكونا اقتصاديا للمشروع يقوم على استثمارات كبيرة سوف يجرى توزيعها على الفلسطينيين، وأن بعضا قليلا منها على مصر والأردن على الأرجح معظمها سوف يكون من الدول العربية فى الخليج، فالمقترحات الأمريكية تعتمد على أموال غيرها. المؤكد أنه لا يوجد نقطة واحدة تخص الأراضى المصرية كما أكدنا فى مقالات سابقة، وتشارك مصر فى المفاوضات بحكم ثقلها الجيوسياسى فى المنطقة، وتاريخها فى حل الصراع العربى ــ الإسرائيلي.

حسنا، وإذا لم يكن هناك صفقة معلومة، فعلام يكون الاستعداد إذن؟ وهل الأجدى أن نتخبط فى هواء غير المعلوم، أم الأفضل الانتظار حتى تأتى الولايات المتحدة بمشروعها حتى نعرف الصالح من الطالح؛ وعلى الأغلب فإنه سوف يكون منحازا لإسرائيل إلى الدرجة التى تجعل قبول التفاوض فيه توجها غير مأمون، فينفض السامر وتنتهى الصفقة قبل أن تبدأ. ومع ذلك فإن الاستعداد واجب، ولعلى لا أضيف جديدا أن الدبلوماسية المصرية لديها من الخبرة والأدوات ما يجعلها مستعدة دائما لجولات التفاوض التى لا تنفك كل إدارة أمريكية فى البحث عنها.

ترامب ليس استثناء فى تاريخ الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ إدارة نيكسون فى سبعينيات القرن الماضى وحتى إدارة أوباما بالنسبة للبحث عن التسوية لصراع الشرق الأوسط؛ وهو فى الحقيقة من المعتقدين بأن المفاوضات والصفقات قادرة على حل كل المشكلات والمعضلات الدولية، وفى الوقت الراهن فإنه يسير فى مفاوضات بالغة الدقة مع كوريا الشمالية لنزع سلاحها النووي، ومع الصين من أجل التجارة. ولولا التحقيقات الجارية فى الولايات المتحدة عن الدور الروسى فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 والتى تمس الرئيس شخصيا لكان ترامب مع بوتين فى مقدمة المتفاوضين حول قضايا كثيرة سواء كان أوكرانيا أو سوريا.

كان هذا ما نوه عنه ترامب فى أثناء حملته الانتخابية، فإذا ما ظهرت نتيجة التحقيقات، ولم تكن صارمة الاتهام وهو المرجح، فإن أبواب التفاوض مع موسكو سوف تكون مفتوحة. وصحيح أن ترامب متشدد مع إيران، ولكن قراءة التشدد يمكن إدراجه داخل استراتيجيات التفاوض التى يسير عليها ترامب، حيث تكون البداية دائما فيها الكثير من التهديد والوعيد وتنتهى إلى أشكال من الصداقة الخاصة وتبادل المنافع.

هناك شيء ما قادم لا شك فيها، ولكن قضيتنا ليس التفاوض عليه، وإنما أن يكون استعدادنا قائما أولا على المشروع العربى الخاص بالسلام فى المنطقة الذى يقوم على المبادرة العربية فى عام 2002 وما لحقها من تأكيد. المسألة هنا ليست تحديد ما نقبله وما نرفضه فى العرض الأمريكي، وإنما أن يكون هناك عرض عربى خالص ومحدد ومقدم ليس فقط إلى الرئيس الأمريكى والقيادة الإسرائيلية أيا كانت وإنما أيضا إلى الشعب الإسرائيلي. ببساطة فإن العرض العربى يترجم المبادرة العربية إلى خطوات محددة يتعامل مع الحقائق ليس فقط الجغرافية المتعلقة بالحدود، وإنما أيضا الديموغرافية المتعلقة بالبشر، الفلسطينيون منهم والإسرائيليون.

وما بين نهر الأردن والبحر المتوسط يوجد 12 مليون نسمة نصفهم من اليهود والنصف الآخر من الفلسطينيين الذين يوجد منهم مليون وستمائة ألف فلسطينى داخل الخط الأخضر.

ورغم العداء والكراهية المتبادلة، فإن الجانبين يعتمدون على عملة واحدة، ونظام جمركى واحد، وسياسات أمنية واحدة، وسوق عمل واقتصاد مشترك. ثانيا إن المفاوضات ليست جديدة على المنطقة، وكثيرا منها جرى طوال العقدين الماضيين، وهناك اتفاقات جرت بالفعل بين القيادة الفلسطينية والأخرى الإسرائيلية آخرها ما جرى بين الرئيس الفلسطينى محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلى يهود ولمرت وما سبقها فى كامب دافيد ومقترحات كلينتون، وهذه فى مجموعها تشكل إطارا للتسوية يوافق عليها الطرفان سواء فى إقامة الدولة الفلسطينية أو تبادل الأراضي. مثل هذه التوافقات ينبغى لها أن تخرج للعلن، فلعلها تشكل الفرصة الحقيقية لإقامة الدولة الفلسطينية. وثالثها إن الجانب العربى (مصر والسعودية والأردن وفلسطين) يمكنه لحل الكثير من القضايا المعلقة بحث قيام دولة كونفيدرالية تضم فلسطين وإسرائيل معا بدلا من وجود دولة واحدة واقعة بالفعل وواقعيا وتحكمها إسرائيل بين نهر الأردن والبحر المتوسط. هذا المدخل يعطى الفلسطينيين دولتهم، ولإسرائيل دولة يتمتع فيها اليهود بالأغلبية، وهو مطلب إسرائيلى دائم. ورابعها إن قيام منتدى شرق البحر الأبيض المتوسط وتشارك فيه فلسطين وإسرائيل يدفع فى اتجاه تخطيط الحدود البحرية مع كليهما، ولعلها سوف تكون أول حدود لدولة فلسطينية عرفها التاريخ.

وما ينطبق على الغاز يمكن أن ينطبق على أمور كثيرة غيرها.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا