>

الأكراد ومسألة الأقليات - أحمد الجمال

الأكراد ومسألة الأقليات
أحمد الجمال

تخيلت أنه من السهل الإمساك بالقلم لتتدفق الكلمات عن محفوظ عبد الرحمن المفكر والمبدع والصديق النادر، ثم اكتشفت ضرورة التروي، إذ لن يكون مناسبا كلمات تأبينية فيها إشادة ومديح وذكريات تفصيلية، خاصة أن هذه المساحة من الأهرام شهدت سجالا ساخنا حول الدراما والتاريخ، وبين الكاتب السيناريست وبين المؤرخ وكان مسلسل الجماعة لكاتبه ومؤرخه قوام السجال، ومن ثم أؤجل الكتابة عن صديقى الكبير محفوظ عبدالرحمن، وأكتب عن قضية أظنها مشتركة بيننا ليس لمجرد القناعات الفكرية والثقافية التى انتمينا إليها، ولكن لأن الراحل العزيز ظل مهموما بهموم مصر والأمة كلها حتى وهو فى أمس الحاجة للعناية بصحته.. وهى قضية الأكراد والجدل السياسى الساخن حول انفصالهم عن العراق، تمهيدا للدولة الكردية.

ومنذ أيام قليلة شاهدت لقطات تصور حفل ترحيب بالملا مسعود البرزانى فى الدولة الصهيونية إسرائيل، وقد أطنب مذيع الحفل الإسرائيلى فى وصف العلاقة العميقة والحميمة بين الأكراد وبين إسرائيل واليهود، وأخذ يعدد فى المقابل مساوئ العرب والأتراك والفرس، ويشيد بالأكراد واليهود ويحفز البرزانى للمضى قدما فى الانفصال وإقامة الدولة، وأن إسرائيل ستقف وبقوة فى مساندتهم!.. وجاء الرد الكردى فى الحفل شاكرا ممتنا ومؤكدا العلاقة ومؤكدا المضى فى الاستفتاء ومن ثم الانفصال!

لم أرد بهذا المدخل - وهو وقائع أظن أن كثيرين رأوها - أن أوجه أصابع الخيانة للأكراد وتواطئهم مع الصهاينة ومن ثم فالإدانة المؤكدة هى النتيجة، لأنه من المعلوم أن ثمة علاقات كردية إسرائيلية قديمة منذ أيام الملا مصطفى البرزانى ونظيره الطالباني!

ولكن المعلوم أن قضية الأقليات فى المنطقة بوجه عام تستحق وقفة عاجلة وسليمة، خاصة أنها قضية ممتدة من أقصى الشرق والشمال إلى أقصى الغرب والجنوب..

إذ تتوزع الأقليات العرقية أو الدينية أو المذهبية بين جنبات الدول العربية وإيران وتركيا وإثيوبيا، وربما نجد مجموعة بشرية فى دولة ما تمثل أقلية عرقية ودينية ومذهبية، وهنا تأتى مسألة النظر فى الثقافات الفرعية الداخلة ضمن التكوين الثقافى الشامل لوطن أو بلد ما.

هى قضية قديمة متجددة، وستزداد اشتعالا، رغم أن الموقف الأمريكى والتركى والإيرانى فى قضية الأكراد ضد انفصالهم وضد إقامة دولة كردية، ولكن هذا الموقف الذى قد يتطور للتصدى عمليا لأى خطوة انفصالية لن يلغى المشكلة أو يخفف من وطأتها، لأنها تعقدت على مدى التاريخ بعد أن أهملت الأغلبية ـ إذا جاز المصطلح ـ ومنها دوما السلطة الحاكمة، ما يسمى بلغة السياسة الدولية المعاصرة «حقوق الأقليات» وقد يحق لى أن أسميه من منظور آخر احترام التنوع الإثنى والدينى والمذهبى ومن ثم الثقافى داخل المجتمع وحتمية الاهتمام بكل الثقافات الفرعية، وانعكاس ذلك فى برامج التعليم والإعلام وفى الخدمات وأيضا فى تركيبة الحكم ومفاصله المؤسسية!.. لأن غياب هذا الاحترام عمليا كان من أهم الأسباب التى أدت إلى تعاظم موجات الإرهاب باسم الدين، ونحن نعلم أن العمود الفقرى لفكر هذا الإرهاب هو إنكار الآخر وازدراؤه ونفى وجوده كليا، سواء بالقتل أو بالاستعباد أو باستئصال وجوده المعنوى فكريا وثقافيا وعقائديا!

ولعلى فى هذا السياق المتصل بالأكراد فى العراق أبحث عن إجابة لسؤال هو: لماذا ترفض الولايات المتحدة أحد المحاور التى كانت تسعى الإدارات الأمريكية لتحقيقها، حتى جاءت الإدارة التى صممت وطبقت موجة «الربيع» إياه، وأعنى به محور العمل على تأجيج الصراعات العرقية والدينية والمذهبية وأيضا الاجتماعية، والوصول إلى تفتيت الكيانات المركبة حضاريا مثل العراق والشام ومصر إلى دويلات أو كانتونات، ولتبقى دولة الأقلية اليهودية هى النموذج الأعلى والأسمى والأكثر تفوقا والأشد قوة؟!

وأعود إلى قضية وضع ما يسمى (الأقليات) بين هلالين، لأن هناك تنوعا فى مجتمع كالمجتمع المصرى وتاريخا وحضارة كلها تحول دون الحديث عن أقليات بالمعنى الاصطلاحي، ومع ذلك ورغم هذا الاندماج الحضارى الثقافى الوطنى الفريد، كنا ومازلنا نعانى غياب الاهتمام بمكوناتنا الثقافية المتعددة، ومازالت مناهجنا فى التعليمين العام والجامعى تهمل وتسقط العديد من مكنوناتنا التاريخية والحضارية والثقافية، وقد كتب فى هذا الموضوع الكثير، وانعقدت الندوات والمؤتمرات وتشكلت جمعيات ولجان ولم نحرز تقدما ملحوظا فى هذا الاتجاه. ثم إن علاقة بعض زالأقلياتس بالدولة الصهيونية كان مبعثها فى الأصل البحث عن ظهير إقليمى مساند للحركات السياسية الممثلة للأقليات، ولم تفلت الدولة الصهيونية الفرصة النادرة لتمتد أصابعها الاستخباراتية للعمل على إضعاف الدول العربية التى تواجهها، وكان منها العراق، الذى حاولت بعض نظم حكمه وخاصة على أيام بعث صدام حسين، أن تتعامل مع المسألة الكردية بشكل سليم ولو شكليا، فكان من الأكراد نائب لرئيس الجمهورية إضافة إلى ما يشبه إدارة ذاتية.. ومع ذلك ها هى المشكلة الكردية تتفجر وتمضى بسرعة نحو الانفصال، ومن ثم الدولة التى سوف تكون نواتها - فيما لو أقيمت - عراقية وبعدها تمتد للوطن الكردى الكبير الممتد بدوره فى إيران وسوريا وتركيا، وفيما أظن بعض مناطق أخرى فى آسيا!

ولا أريد أن أستطرد بالحديث عمّا كان يسمى القضية الأمازيغية، ومعها قضية الساقية الحمراء ووادى الذهب، ومعهما قضية جنوب السودان، وقضية المنطقة الشرقية فى المملكة، وأيضا حتى لاندفن رؤوسنا فى رمال المكابرة ما يتصاعد أحيانا عن وضع الأقباط المسيحيين فى مصر!

الموضوع ليس سهلا ولا عابرا، وما لم تتجه الجهود لاحترام كامل وعملى للتنوعات العرقية والدينية والمذهبية وللتعددية الثقافية، فإن العواقب وخيمة.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا