>

الأصولية اليهودية والخيرية التوراتية - صلاح سالم

الأصولية اليهودية والخيرية التوراتية
صلاح سالم

تعكس الأصولية اليهودية عقدتين وجوديتين تتجليان على صعيدى السلطة السياسية والهوية الحضارية، حيث أسهم المفهوم القبلى للإلوهية فى تحويل اليهودية إلى دين عنصرى، يقوم على العرق، فلم يتحول إلى نمط حضارى جذاب طيلة تاريخه الممتد لثلاثة آلاف عام، رغم تكوين مملكتين سياسيتين بداية الألف الأول قبل الميلاد، أو ممارسة نوع من الحكم الذاتى فى عصر المكابيين (القوميين اليهود) فى نهايته، قبل أن ينتهى وجودهم التاريخى المستقل بتحطم الهيكل الثانى على يدى القائد الرومانى تيتوس عام 70 م، وبداية حقبة الشتات لأكثر من ألفى عام. وعلى هذا لا توجد تجربة تاريخية خارج الكتاب المقدس تشى بالعلاقة بين الدين والسلطة، ولكن التراث العبرى يؤكد أن التوهج الروحى لدى اليهود، أى مدى قربهم من الله، والتزامهم بتوحيده، غالبا ما ارتبط بزمن الضعف السياسى والشتات الجغرافى، خصوصا عقب السبى البابلى. أما عندما كانوا يعيشون فى دولة مستقلة، فكانوا يجدون صعوبات كبرى فى حفظ عقيدتهم نقية. فثمة انهيار أخلاقى ودينى وقع أثناء حكم يشوع الذى خلف موسى على رأس اليهود ودخل بهم إلى أرض كنعان بعد زمن التيه فى سيناء. وثمة عبادة للوثنية ظهرت فى أثناء حكم النبى/ الملك سليمان وكذلك فى المملكتين: الشمالية والجنوبية، نزوعا إلى التجسيد والتشبيه، وهو الأمر الذى فسره إرميا، أحد أنبياء اليهود الكبار، بأن وجود دولة يهودية مستقلة إنما هو من عمل إبليس، وليس من عمل الله.

هذا الفهم الإنسانى هو نفسه ما عبر عنه النبى حزقيال، زمن النفى، عندما بشر اليهود بأن الله سيعيدهم إليه - ليس إلى الأرض - ويجعلهم من جديد شعباً له: وأعطيهم قلبا واحدا وأجعل فى داخلهم روحا جديدا وأنزع قلب الحجر من لحمهم وأعطيهم قلب لحم لكى يسلكوا فى فرائضى ويحفظوا أحكامى ويعملوا بها ويكونوا لى شعبا فأكون لهم إلها (حزقيال، 11: 19، 20). وهكذا تصير أرض الميعاد الحقيقية، كما ستصبح فى مفهوم المسيح بعد ذلك، هى الأرض بكاملها، إذ يتحقق فيها وعد الله بأن تتبارك بذرية إبراهيم، فتتحول جميع قبائل الأرض وشعوبها إلى شعب واحد لله يؤول تنوع عناصره لا إلى صراع واقتتال بل إلى تناغم وتكامل.

غير أن رفض اليهود للمسيح ثم استقلال المسيحية كدين له كنيسته وطقوسه، قد أفضى لتوقف اليهود عن الإسهام فى الحضارة الإنسانية كجماعة عرقية أو ثقافية، وإن ظل هذا الإسهام متاحا لليهودى باعتباره فردا، سواء فى الإطار الحضارى الإسلامى، أو فى السياق الأوروبى الذى ساد تعامله مع اليهود توترا واضطرابا دفعهم نحو العزلة، حتى أصبح الجيتو هو عالمهم المستقل منذ مطلع القرن السادس عشر. ولم يتحسن وضعهم إلا بنضوج فلسفة التنوير الأوروبى التى ولدت فى سياقها حركة تنوير يهودى «الهسكالا» حاولت تحرير العقل اليهودى من عقدة الاستعلاء الناجمة عن مقولة الاختيار العنصرية، ومشاعر الاضطهاد الناجمة عن طول تجربة الشتات، وتفكيك عالم الجيتو الذى لم يعد متناسبا لا مع المجتمع الرأسمالى الصاعد بقوة، ولا مع النزعة الفردية الكامنة فى قلب الحداثة السياسية، خصوصا وقد أثَّرت «الهاسكالا» فى العبادات اليهودية نفسها فى اتجاه يوازى تأثيرات حركة الإصلاح البروتستانتى فى الكنيسة الكاثوليكية، مثلما اتخذت اتجاها اجتماعيا يحارب الظلم معتمدة على أن حركة لوثر لم تكن حركة دينية فحسب، بل حركة تجديد شاملة لكل مكونات المجتمع، ومن ثم أخذ اليهود يشاركون فى الحركات اليسارية، والتيارات التقدمية طيلة القرن التاسع عشر، خصوصا بعد نجاح الثورة الفرنسية، حيث جرى تشكيل نموذج اليهودى العلمانى، المندرج فى تيار الوعى الإنسانى.

غير أن المفارقة، التى يمكن اعتبارها نوعا من دهاء التاريخ، تمثلت فى ميلاد الصهيونية، التى أجهضت الحركة التنويرية ونزعتها الاندماجية وسعت، فى المقابل، إلى إنشاء دولة استيطانية استلهاما لأيديولوجية عدوانية، استعادت المقولات العنصرية من قبيل أن سوء النية والعداء والتربص باليهودى صفات أزلية فى غير اليهود تدفعهم إلى التنكيل باليهودى مع أول فرصة متاحة. وبالتالى يصبح الحل هو تخلى اليهودى عن موقفه المسالم، والتسلح بالعنف، والمبادرة به كنوع من الوقاية التى تقطع على الآخرين محاولة العدوان عليه. وأخيرا انفصال اليهود عن المجتمعات التى يعيشون فيها، والتجمع معا فى إطار خاص يضمهم ويحميهم. بالتالي، وحسب الوعد التوراتي، تصير الأرض الفلسطينية من جديد هى المكان الطبيعى لتجمع اليهود، ويصبح استيطانها والدفاع عنها بكل شراسة هو غاية التاريخ ومغزى الوجود اليهودى. وهكذا نهضت إسرائيل، كدولة، من ركام تاريخ أسطورى، وخاضت حروبها الأولى ضد العرب والفلسطينيين من أرضية صهيونية علمانية، أجادت توظيف المقدس، حتى أخذت تغرق فيه، لتنمو فى قلبها صهيونية جديدة دينية أكثر عنفا وتطرفا، إذ تجعل من عقد كالخيرية والتفوق، بعد تسليحها بكل منتجات الحداثة التقنية، مانيفستو للعدوانية الشاملة.

ورغم ميلاد تيار ما بعد الصهيونية من رحم حركة المؤرخين الجدد ليقدم، منذ ثمانينيات القرن العشرين، النقد الأهم للأساطير الصهيونية، عن الشعب الذى بلا أرض، والأرض التى بلا شعب، مستعيدا روح «الهسكالا»، متبنيا رواية تاريخية توائم بين الرؤيتين: العربية واليهودية شديدتى التناقض لعلاقة كلتيهما بالأرض، فإن هذا التيار يبقى هامشا على متن عريض تختلط فيه الصهيونية التقليدية بالصهيونية الدينية. وكما هزمت الهسكالا أمام الصهيونية التقليدية منذ أكثر من القرن، يبدو أن تيار ما بعد الصهيونية، الذى شهد ذروة صعوده فى تسعينيات القرن العشرين بفعل دفق تيار العولمة، وفى ظل اتفاقات سلام أوسلو وأوهام التعاون الإقليمي، يوشك على الهزيمة النهائية أمام الصهيونية الدينية المتصاعدة، وضغوط الحركات الحريدية، لتبقى إسرائيل بعد سبعين عاما من نشأتها، دولة استيطانية عنصرية، تحتل فى القرن الحادى والعشرين من ميلاد المسيح أراضى الآخرين بعهد توراتى يسبق هذا الميلاد بأكثر من ألف عام، ولا تزال تطمح إلى ضم أراض أخرى سواء بإعلان القدس الموحدة عاصمة لها أو بقانون قومية الدولة على نحو ينهى أوهام السلام، ويؤكد حكمة التاريخ وهى: كلما عاش اليهود كفرد، كان إضافة للحضارة، وكلما نحى إلى إعادة تشكيل وجوده الجمعى كان رمزا للعدوانية والغطرسة.

salahmsalem@hotmail.com



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا