>

اضطهاد الأقليات ومفارقة التحضّر

أيمن الحماد

التحولات الحاصلة في منطقة الشرق الأوسط تنعكس بشكل دراماتيكي على المسلمين في أنحاء العالم، فجزء معتبر من الاضطرابات في المنطقة التي يدين غالبية سكانها بالإسلام، يعود لممارسات متطرفة تم إصباغ صفة الإسلام عليها في حين يرفض أكثرية المسلمين تلك الصفات، ويرون أن إلصاقها بدينهم يحمل صفة اتهامية.

أمام ذلك الوضع المختل استغلت قوى سياسية ودينية في عدد من الدول غير الإسلامية الفرصة لتجيّر الأمر وتستثمره لإحراز أهداف سياسية وثقافية واجتماعية، ولتصفية حسابات قديمة، قد تكون تلك اللحظة التاريخية السوداوية التي تمر بها صورة الإسلام والمسلمين بتشويه حاد فرصة لاغتنامها.

لقد حدث ذلك في عدد من الدول وفي قارات مختلفة، المفارقة أن الوعي أو مستوى التحضر في كل دولة لم يكن حاضراً في مسألة اضطهاد الأقليات المسلمة في تلك الدول أو التعرض لهم أو التضييق عليهم، فقد تجد ذلك يحدث في بلد أوروبي متحضر لا يمت للتخلف بصلة، وقد تجد تلك الممارسات في دولة إفريقية تئن تحت وطأة التخلف والجهل، وهذا يضعنا أمام حالة ارتباك في كيفية التعامل مع هذا الوضع الإنساني المقلق.

تتعالى صيحات المسلمين «الروهينجا» وآخرين في إفريقيا الوسطى من هول عمليات الاضطهاد والتطهير العرقي التي تحصل تحت مرأى ومسمع العالم الذي لا يبالي كثيراً بتلك المآسي التي تتعارض مع قيم وأخلاقيات حقوق الإنسان التي ينادي بها، ففي حقيقة الأمر تواجه القوى الكبرى تحدياً في إثبات أنها غير منغمسة على مستوى دولها في أي نوع من التمييز بغية إثبات أهلية مبادئها التي تروج لها وتُسوقها في العالم، ولعل ما رأيناه مؤخراً بانتخاب مسلم لعمدة لندن وهو منصب مهم في بلد أوروبي عريق، ووصول كذلك محتريم آراس وهي سيدة من أصول تركية إلى منصب رئيسة برلمان ولاية بادن في ألمانيا، كلها مظاهر تستفيد منها الحكومات الغربية في درء أي شبهة عنصرية عنها وعن مجتمعاتها، لكن لا يمكن في الوقت ذاته إهمال صعود اليمين المتطرف في انتخابات عدد من الدول الأوروبية.

إننا أمام هذه التحديات التي يتعرض لها المسلمون في أنحاء العالم مجبرون على مستوى الدول والمنظمات الإسلامية، أن نولي ذلك الأمر العناية والاهتمام الذي يستحق، فتلك المكونات وإن كانت تحمل جنسية دول غير إسلامية أو عربية، لكن انتماءها في المقام الأول وطني لا يمكن التشكيك به، ثم إن انتماءها إثنياً للعالم الإسلامي يعني أن هذا العالم منوط به الذود عن حقوق اتباعه فهو المرجعية التاريخية والثقافية لهم، لا سيما وأن حجم ما تتعرض له تلك الأقليات ليس صراعاً أو تنافساً سياسياً بقدر ما هو محاولة إقصائية - إزاحية.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا