>

اختبار صعب لـ«قواعد اللعبة» الروسية - د. محمد السعيد إدريس

اختبار صعب لـ«قواعد اللعبة» الروسية
د. محمد السعيد إدريس

إذا كانت الولايات المتحدة قد صدمت فى ردود فعل حلفائها جراء قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب سحب قوات بلاده من سوريا، وإذا كانت الولايات المتحدة قد أثبتت عجزها عن إرضاء مطالب هؤلاء الحلفاء المتناقضة وبالتحديد: تركيا وقوات سوريا الديمقراطية الكردية وإسرائيل، فإن روسيا تواجه اختباراً أصعب هى الأخرى بين حلفائها: إيران وتركيا وسوريا، إضافة إلى إسرائيل.

مشكلات ومصاعب الولايات المتحدة أقل وطأة، فهى على كل الأحوال مغادرة، ومن المقرر، كما أعلن مؤخراً، أنه بنهاية شهر أبريل المقبل سيكون الانسحاب الأمريكى قد تم بالكامل، هى إذن مشكلات وتداعيات «المغادرة»، أما روسيا فهى تواجه مشكلات ومصاعب «المقيم» الذى عليه أن يضع «قواعد لعبة» جديدة تؤمن مصالح كل هؤلاء الحلفاء والشركاء، من أجل المستقبل، وهذا يبدو مستحيلاً، ولعل هذا ما يجعل لقاء القمة المقبل بين رؤساء روسيا وتركيا وإيران: فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان وحسن روحانى الذى سيعقد بعد غدٍ الخميس (14/2/2019) فى منتجع «سوتشى» الروسي، محفوفاً بالمخاطر، لأن المصالح المتعارضة لهؤلاء الحلفاء ستكون مطروحة وجهاً لوجه أمام الرئيس الروسي، وعليه أن يرضى كل الأطراف وإلا فقدت روسيا مصداقية تحالفاتها، لكن الأخطر هو احتمال أن يقوم هؤلاء الحلفاء بنسف ما تطرحه روسيا من «قواعد لعبتها فى إدارة الصراعات فى سوريا».

روسيا تواجه معضلة حقيقية فى التوفيق بين الحليف الإيرانى والشريك الإسرائيلى (إن جاز التوصيف) على ضوء الإصرار الإسرائيلى على ضرب قواعد إيران فى سوريا، ومنعها (إيران) من تأسيس أى وجود أو نفوذ لها على الأراضى السورية. كما تواجه روسيا معضلة أخرى فى التوفيق بين الحليف التركى وبين الحليفين السورى والإيرانى فيما يتعلق بـ «أزمة إدلب» وأزمة الإصرار التركى على التمدد العسكرى فى شمال سوريا تحت مسمى إقامة «منطقة أمنية» على الأراضى السورية لاعتبارات أمنية تركية، وهى مطالب مرفوضة من سوريا وإيران.

فروسيا تواجه أصعب اختباراتها فى «سوتشى» ، وربما تواجه العجز الذى واجهه الأمريكيون على ضوء التصعيد الإسرائيلى الأخير ضد إيران فى سوريا، فالاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة التى وقعت فجر الاثنين (21/1/2019) فى محيط مطار دمشق الدولى حملت معانى جديدة بين تل أبيب ودمشق وطهران وموسكو، تعمل كلها على فرض «قواعد لعبة جديدة» من منظور كل طرف من هذه الأطراف على ضوء العديد من الاعتبارات أولها الاعتراف الإسرائيلى غير المسبوق بشن هذه الاعتداءات وما يحمله هذا الاعتراف من إعلان التحدى والمجاهرة به، على نحو ما جاء على لسان رئيس الحكومة بنيامين نيتانياهو بقوله: «وجه سلاح الجو ضربة قوية ضد أهداف إيرانية فى سوريا، بعد ما أطلقت إيران صاروخاً من هناك فى اتجاه إسرائيل» وأضاف «لن نسمح بمثل هذه الأعمال العدائية.. نحن نعمل ضد إيران وضد القوات السورية التى هى أدوات العدوان الإيرانى».

أما ثانى هذه الاعتبارات فيتعلق بانعكاس الانسحاب الأمريكى من سوريا على أمن إسرائيل وحرصها على إثبات أنها جادة فى الدفاع عن أمنها رغم هذا الانسحاب. أما الاعتبار الثالث فهو الحرص بل والإصرار السورى على الرد على هذه الاعتداءات وإسقاط العديد من «الأهداف المعادية»، أما الاعتبار الرابع فيخص الرد الإيرانى القوى سواء على لسان الأدميرال على شمخانى أمين عام مجلس الأمن القومى الإيرانى الذى هدد بأن أى عدوان على إيران سيكون معناه الحرب التى لن تتردد إيران عن خوضها، أو على لسان قائد القوات الجوية الإيرانية الذى أكد استعداد قوات بلاده لـ «خوض المعركة مع إسرائيل وإزالتها من الوجود».

كيف ستتعامل روسيا مع هذه الاعتبارات المتناقضة، هل سينجح بوتين فى استرضاء حسن روحانى ونزع فتيل ما يمكن اعتباره «حرباً» باتت محتملة بين إيران وإسرائيل؟ لكن السؤال الأكثر أهمية هو هل يستطيع بوتين إقناع إسرائيل بوقف هذا التصعيد، وهل فى استطاعته دفع الأثمان للطرفين وهى أثمان متعارضة بل ومتناقضة. إيران التى تريد تثبيت وجودها فى سوريا، وإسرائيل التى تريد انتزاع هذا الوجود. موقف بوتين شديد الحرج نظراً لوجود يقين إيرانى بأن إسرائيل لم تكن تستطيع شن تلك الاعتداءات دون ضوء أخضر روسي. يدعم ذلك صمت روسيا ثلاثة أيام تلت تلك الاعتداءات دون أى تعليق، صمت اعتبره الإسرائيليون «صمتاً صاخباً» على حد توصيف يوسى ميلمان فى صحيفة «معاريف».

مأزق روسيا مع الرئيس التركى لا يقل حرجا. فإذا كانت روسيا حريصة على استمرار احتواء تركيا بعد الانسحاب الأمريكي، فإنها ترفض الأنشطة التركية فى شمال سوريا، وترفض استمرار التلكؤ التركى فى حسم ملف إدلب وتعتزم فرض الخيار العسكرى لتصفية آخر بؤر الإرهاب على الأراضى السورية، وهى هنا تقترب كثيراً من سوريا وإيران لكنها تجد نفسها فى صدام مع المصالح التركية.

روسيا، على ما يبدو عازمة على حسم مشكلة إدلب وهذا مع حرص نائب وزير الخارجية سيرجى فرشينين على توضيحه فى لقائه مع صحيفة «كومير سانت» الروسية بتشديده على أن «روسيا لن تسمح بوجود محميات للإرهاب» وموضحاً أنه «إدلب هى آخر منطقة عاملة بين مناطق خفض التصعيد الأربعة التى تم إنشاؤها عام 2017، وأننا اتفقنا منذ البداية بالنص على أن تدبير خفض التصعيد تدبير مؤقت، وهذا يعنى أن لا أحد سيعترف بهذه المنطقة (إدلب) على هذا النحو إلى الأبد»، ومن هنا جاء تأكيد نائب وزير الخارجية الروسى على أن روسيا تعتبر إدلب «جزءاً لا يتجزأ من الدولة والأراضى السورية، ولن نسمح بوجود محميات للإرهاب البغيض فى سوريا».

مواقف تركيا مختلفة ، فهى فى صراع مع الولايات المتحدة من أجل فرض إرادتها بإقامة «منطقة أمنية» بعمق 30كم فى الشمال السورى على حساب قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية حليفة واشنطن، وهى أيضاً تسعى إلى إقناع روسيا بتأجيل أى تحرك عسكرى لحل أزمة إدلب إلى حين يتفرغ الجيش التركى من مهامه فى الشمال السورى سواء فى منبج (غربى الفرات) أو فى شرق الفرات فى مواجهة وحدات حماية الشعب الكردية المدعومة أمريكياً.

مصالح متناقضة وتصعيد متبادل والمطلوب من الرئيس الروسى أن ينجح فى حل كل تلك التناقضات بكل ما تحمله من تحديات حقيقية تحول دون التوصل إلى «قواعد لعبة» روسية تدير الصراعات بين الحلفاء فى سوريا، وهذا ما يجعل قمة سوتشى اختباراً صعباً للرئيس الروسى.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا