>

إيران وتصرّف الذئب الجريح - عبدالله السعدون

إيران وتصرّف الذئب الجريح
عبدالله السعدون

اليوم علينا أن نكون حذرين من إيران أكثر من أي يوم مضى، فقد يعزز المتشددون قبضتهم، وقد تمارس حكومتها تصرف الذئب الجريح حين ينطلق نحو خصمه دون أن يفكر بالنتائج، ذلك أنه يفضل المعركة على الموت بسبب جراحه..

من يعيش على أحداث الماضي ومتناقضاته يعيش في معزل عن الحاضر والمستقبل، اختارت الثورة الإيرانية أن تنطلق في سياستها من تاريخ مضى وتجاوزه الزمن، فمنذ نجاح الثورة في العام 1979 وقادتها يخططون لتكرار نجاحهم بنقل التجربة إلى الدول المجاورة، وبحثوا عن قاعدة ينطلقون منها فلم يجدوا أفضل من متناقضات الماضي، وبحثوا في الدين فوجدوا ضالتهم في المذهبية ومنها شرعوا في تأسيس أحزاب مذهبية بشعارات دينية في كل من لبنان واليمن والبحرين والعراق وسورية، أحزاب أو جمعيات تدعي نصرة المظلوم وتلبس لباس الوطنية ومحاربة العدو المشترك إسرائيل وأميركا لكسب تأييد الشعوب ودغدغة مشاعرها الوطنية، هذه الأحزاب أو الجمعيات تكون منطلقاً للسيطرة على مقدرات البلد الذي تنشأ فيه، وفي النهاية تسيطر على الحكومة بانقلاب على الشرعية مستخدمة الأموال الإيرانية والأسلحة التي تصل إليها كما حصل في كل من اليمن ولبنان، وقد غاب عن واضعي الاستراتيجية التوسعية في إيران أن الشعوب بحاجة إلى الوظائف أكثر من حاجتها إلى الأسلحة، وإلى المدارس والجامعات والمستشفيات أكثر من حاجتها إلى الشعارات وثقافة الموت والمسيرات التي تستقطب المغرر بهم وتعيد الشعوب إلى متناقضات الماضي ومعارك الصراع على السلطة قبل أكثر من ألف عام.

واليوم يتضح الخطأ الجسيم الذي وقعت فيه الثورة الإيرانية فلا هي التي استثمرت في الداخل الإيراني لتبني دولة الرخاء والعدالة والحرية كما وعدت في الأيام الأولى لقيامها، ولا هي التي نجحت في تدخلاتها الخارجية والتي صرفت عليها الأموال الطائلة من مقدرات الشعب الإيراني، فها هي تتلقى الهزيمة تلو الأخرى حيث فشلت مخططاتها في دول مجلس التعاون بدءاً بالبحرين ثم المملكة والكويت، واليوم تخسر نفوذها في العراق وأنصارها في اليمن، وتتلقى الهزائم في سورية ممثلة في الضربات الإسرائيلية وفقدان النظام الدموي في سورية التأييد على مستوى العالم، وليس هذا فحسب، بل وخسرت كل طموحاتها وسعيها لامتلاك السلاح النووي الذي ثبت ومنذ استخدامه في الحرب العالمية الثانية أن الدول الكبرى لن تسمح بامتلاكه ناهيك عن استخدامه من قبل دولة مثل إيران.

اليوم يضيق الخناق على الثورة الإيرانية، وهاهي أميركا أقوى دولة في العالم من حيث الاقتصاد والقوة العسكرية تضع كل إمكاناتها ليس من أجل وقف أنشطتها النووية وأبحاثها على صواريخها الباليستية، ولكن من أجل وقف أنشطتها التدميرية خارج إيران ووقف أعمالها العدائية ضد المملكة والدول المجاورة.

الولايات المتحدة الأميركية لديها الوسائل الكفيلة لتحجيم الثورة الإيرانية وإيقاف أنشطتها وأبحاثها التدميرية بأهم وأمضى أسلحة الحاضر والمستقبل وهو الاقتصاد، فقد أصبح تنقل الأموال بين البنوك يخضع لمراقبة دقيقة من البنوك المركزية في الغرب، وأصبح الاستثمار في إيران بالغ الصعوبة، بل مغامرة لا يمكن لرأس المال أن يتحمل نتائجها، وهاهي الشركات الكبيرة مثل شركة توتال الفرنسية تنسحب من مشروعات الغاز والنفط، وبقية الشركات تتبعها واحدة تلو الأخرى.

الأيام القادمة ستكون في غاية الصعوبة بالنسبة للثورة الإيرانية، فالعملة الإيرانية تفقد قيمتها أمام الدولار بسرعة وهو ما يعني الغلاء الفاحش بالنسبة للشعب الإيراني وهذا يعني المزيد من الاحتقان وتحرك الشارع ضد حكومة الملالي وممارساتها خارج الحدود الإيرانية مما يعني حتمية التغيير، فإما أن تعي الحكومة الإيرانية الخطأ الفادح في سياستها وتقوم بتصحيحه أو أن يطيح بها الشعب الإيراني الذي وضعته تحت خط الفقر وكممت الأفواه وملأت السجون بالمعارضين لسياستها.

على النقيض من ذلك وعلى الجانب الآخر من الخليج العربي تبني السعودية قدراتها وتنوع في اقتصادها وتخطط للمشروعات الكبيرة التي ستصبح أحد روافد استقرارها وقوتها، وفي نفس الوقت تبني علاقات استراتيجية مع أقوى دول العالم، ويضمّن ولي العهد في زياراته الخارجية زيارة مقار الشركات الكبيرة في تلك الدول ويبني الشراكات مع رؤساء إداراتها. مملكة اليوم بعكس إيران تراجع الكثير من موروثها الثقافي وتؤسس لمجتمع المحبة والتسامح وتضع جودة الحياة ضمن مبادراتها وتحولاتها الكبيرة.

اليوم علينا أن نكون حذرين من إيران أكثر من أي يوم مضى، فقد يعزز المتشددون قبضتهم، وقد تمارس حكومتها تصرف الذئب الجريح حين ينطلق نحو خصمه دون أن يفكر بالنتائج، ذلك أنه يفضل المعركة على الموت بسبب جراحه، وإيران لا مانع لديها من أن تبحث عن سبب لتقوم بمغامرة تعطيها الفرصة لإنقاذ النظام وإسكات المقاومة في الداخل.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا