>

إن لم يكن دولياً ليكن المؤتمر عربياً أو إسلامياً - طارق الهاشمي

إن لم يكن دولياً ليكن المؤتمر عربياً أو إسلامياً


الحياة الأربعاء، ١٥ يوليو/ تموز ٢٠١٥

طارق الهاشمي

صحيفة «واشنطن بوست» بقلم الكاتب الأميركي ديفيد أغناثيوس نشرها قبل أيام خرج الكاتب عن المألوف والمتداول حول القضية العراقية وطرح حلاً في إطار مؤتمر دولي يرسم خريطة طريق جديدة تصحح بها المآلات الكارثية للمشروع الأميركي الفاشل الذي فرضته الولايات المتحدة بقوة السلاح بغزوها العراق عام 2003.
المقال ينطلق من توصيات تقرير بيكر هاميلتون لعام 2007 والتي كان تجاهلها الرئيس السابق جورج بوش وبالتالي فإن طرح خيار المؤتمر الدولي ليس جديداً، لكنه يؤشر من جانب آخر الى تحول في نظرة صانع القرار الاميركي بما يخص القضية العراقية وطرق التعاطي معها. ان التحديات التي تواجه أمن واستقرار العراق هي من التعقيد والتشابك بحيث من غير الممكن أن يتصدى لها شركاء مشاكسون يجتمعون في إطار عملية سياسية مهلهلة يهيمن فيها طرف على آخر بقوه السلاح ووفرة المال مستقوياً بنفوذ أجنبي، كما لا يمكن معالجتها بالقوة المجردة بضربات جوية هنا وهناك. وعلى هذا الأساس فإن مجرد طرح مشروع المؤتمر الدولي هو اعتراف ضمني بفشل المقاربة العسكرية للتحالف الدولي وربما يشير الى بداية مرحلة التفكير ببديل آخر أكثر واقعية يتمثل بتنشيط العجلة السياسية في الداخل والخارج، حيث أعاد الكاتب للذاكرة توصيات تقرير بيكر هاميلتون المشار اليها بقوله «إن حل الصراع الطائفي يتطلب ضغطاً جديداً من أجل المصالحة وثانياً عمل جهد دبلوماسي جديد على الساحة الدولية».
ولكن يبقى التساؤل قائماً حول قدرة الولايات المتحدة وأهليتها لادارة ملف اخفقت فيه مراراً من جهة، وإشكالية الزاوية المتحيزة التي تنظر من خلالها الأدارة الاميركية الى القضية العراقية من جهه أخرى، والتي تركز على تحدي الإرهاب فقط بينما تتجاهل جميع التحديات ذات الطبيعة السياسية والاقتصادية والأمنية والقيمية والقانونية والاجتماعية على رغم علاقتها المباشرة بتنامي التطرف والعنف. ليس هذا فحسب بل إن نظرة ادارة اوباما للإرهاب وحيدة الجانب وتنسبه الى التطرف السنّي بينما تتجاهل التطرف المضاد أي الشيعي! أما الحل فليس في منظورها غير الوسائل الأمنية واستخدام القوة، رغم ان الأحداث المتتالية على مدى ثلاث عشرة سنة أثبتت أن الأرهاب يعتاش على الفشل والانقسام والفساد وغياب العدالة، ولهذا لا يعالج الارهاب إلا برزمة من الحلول تتصدى لجذور المشكلة ولا تكتفي بأعراضها، كحال الطبيب، يعالج أعراض المرض لكن بالقضاء على مسبباته.
أمنياً يشكل تنظيم «داعش» مصدر خطر كبير، لكنه ليس الخطر الأوحد اذا اخذنا في الاعتبار 45 فصيلاً مسلحاً من الميليشيات الشيعية والتي لا تختلف عن تنظيم «الدولة» في التطرف والغلو والتوحش، هذا الى جانب النفوذ الايراني، والذي اعتبر العديد من الخبراء انه الخطر الأكبر، كما وصفه الجنرال بيترايوس والعديد من أعضاء الكونغرس الأميركي. صحيح ان «داعش» تجاوز بتهديداته العراق وسورية الى السعودية وتونس وآخرها الكويت وهو يتمدد شرقاً وغرباً، لكن رب سائل عن ممارسات الميليشيات الدموية وفرق الموت التي ينشرها «فيلق القدس» و «الحرس الثوري» الايراني والتي تتمدد هي الأخرى في العراق وسورية ولبنان واليمن وأفغانستان مدعومة بخلايا نائمة في العديد من البلدان العربية والإسلامية؟ بالتأكيد هذه الفرق ليست طلائع سلام ولا جماعات للدعوة والإرشاد.
لذلك فإن القصور الذي تعاني منه الادارة الأميركية في نظرتها التحليلية يكمن في اعتبار تنظيم «داعش» خطراً مباشراً على الغرب، ولأن الميليشيات الشيعية لا تشكل هذا الخطر في الظرف الراهن على الأقل، بالتالي فلا بأس من غض الطرف عن خطايا وجرائم هذه الميليشيات وما ترتكبه من مجازر وقتل وتهجير طالما كان الضحايا من العرب السنّة فحسب! ولتذهب بعد ذلك قيم أميركا ومبادئ الآباء المؤسسين في العدالة والحقوق والكرامة ...الى الجحيم.
طالما بقيت نظرة الإدارة الأميركية أنانية مصلحية قاصرة وتعتمد معايير مزدوجة فليس من المنطق اعتبار الولايات المتحدة شريكاً أو انها بسياساتها المعروفة يمكن أن تكون جزءاً من حل. بكلمة أخرى الادارة المذكورة غير مؤهلة ولا حتى مهيأة للدعوة الى مؤتمر دولي حول العراق أو حتى قادرة أو راغبة في ممارسة ضغط كافٍ على إيران وإجبارها على الكف عن عرقلة انطلاق حوار جدي بين العراقيين لمعالجة المشاكل العالقة.
لم تشجع الولايات المتحدة تاريخياً ولم تتعاطف يوماً مع فكرة مؤتمر وطني يوفر للعراقيين على إختلاف توجهاتهم فرصة لحل مشاكلهم بدعم ورعاية دوليتين، ففي عام 2005 تبنت الجامعة العربية اتفاقية القاهرة بينما تولت منظمة التعاون الإسلامي ورقة مكة عام 2006. هذا على رغم ان للولايات المتحدة دورها المحوري المتميز ليس على الصعيد الدولي أو الاقليمي فحسب بل على الصعيد الوطني العراقي حيث ما زال العراق يرتبط باتفاقية الاطار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.
أن تكون لدينا اشكالية في الرؤية مع الولايات المتحدة لا تنتقص من أهمية وجدوى المؤتمر الدولي حول العراق، والمأمول في ضوء ما سبق أن تتحرك الدول المتضررة فعلاً من الفوضى والأوضاع المتردية في العراق، وأخص بالذكر دول مجلس التعاون الخليجي التي سعت تاريخياً – رغم البروباغاندا المسيسة - الى وحدة الصف وجمع العراقيين على كلمة سواء، لتتولى هذا المشروع وتعمل على تسويقه عالمياً بالطريقة التي تصب في صالح العراق والمنطقة.
يرى الكاتب اغناثيوس «ان العراق بحاجة الى عملية تقاسم للسلطة تضم الممثلين الحقيقيين للمكونات المختلفة، وإن الوقت قد حان لإعادة بناء النظام السياسي في العراق من القاع الى القمة» وهي إشارة موفقة يتحفظ فيها الكاتب على الحلول المقدمة حتى الآن باعتبارها حلولاً ترقيعية لا تمس أصل المشكلة أو جوهر الموضوع، في إشارة الى ما تشهده الساحة السياسية العراقية من مساجلات ومناقشات وأخذ ورد على قوانين الحرس الوطني والعفو العام، وتعديل قوانين المساءلة والعدالة ومكافحة الإرهاب والأقاليم، والمصالحة الوطنية، وما بين الإقليم والمركز تبرز قضية الخلاف المزمن حول قانون النفط والغاز. كل هذه المواضيع مطلوب الاتفاق عليها، ولكن في إطار رزمة شاملة للإصلاح ضمن خريطة طريق وتوافق سياسي لن يحققه الا ذاك المؤتمر.
مؤتمر سياسي دولي حول العراق لا يستثني أحداً حتى المقاطعين للعملية السياسية والمعترضين عليها، لا بد أن ينصرف الى ثلاثة محاور رئيسية، الأول لا بد أن يجيب على السؤال المركزي التالي: هل في أجندة النخبة الشيعية الحاكمة مكان لائق لبقية المكونات الأجتماعية وعلى وجه الخصوص العرب السنّة للمشاركة في وطن واحد؟ ونأمل بأن يكون الرد بنعم، ما يمهد للانتقال الى المحور الثاني وهو كيف تكون معايير ومواصفات هذه الشراكة، وما هو شكل الدولة التي يتحقق في ظلها العيش بكرامة، توفر العدل والمساواة وفرص التنمية والتقدم للجميع من دون استثناء؟ والمحور الثالث ويعنى بالسيادة وينصرف لتحرير العراق من براثن التدخل الأجنبي وعلى وجه الخصوص التدخل الإيراني. جدول أعمال واسع وعريض تضيق أمامه مساحة الوطن والأمل أن يتسع المجال أمامه في مؤتمر بمبادرة عربية أو إسلامية ورعاية دولية.
* نائب الرئيس العراقي السابق



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا