>

إنهم يصطادون الكنغر في سفوح جبل سنجار - د. عبد الكاظم العبودي

إنهم يصطادون الكنغر في سفوح جبل سنجار
د. عبد الكاظم العبودي
حال تطورات ما بعد العاشر من حزيران / جوان الماضي، وانهيار المؤسسات العسكرية التي بناها الأمريكيون وتسلط عليها الطائفيون والإيرانيون، وظهور داعش، ومنذ أن أعلن جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي، نهاية الشهر الماضي عن نية حكومته إعلان تشكيل التحالف الدولي ضد " داعش" ولتجنيد دول العالم الراغبة في التدخل عسكريا في الشرق الأوسط ، ساقها من خلال جملة من التبريرات التي اعتدنا عليها من القادة الأمريكيين عند كل حرب او عدوان أو غزوة ، بهذا الصدد يقول الوزير جون كيري :
[ ... إنه في منطقة مستقطَبة وعالم مُعّقد، يُمثل تنظيم «داعش» خطرا مُحْدقا يتهدّد عددا كبيرا من الدول، منها الولايات المتحدة. ].
بعد هذا الإعلان بدأ موسم "الإعتلاف" الدولي، وتحرك خبراء التسوق لمبيعات السلاح من جديد، وكأن هذا القرار الأمريكي إيذاناً ببدء موسم حج القادة الأوربيين ووزرائهم إلى "بازارات" وعروض بيع السلاح في محمية المنطقة الخضراء ببغداد، التي وصلوا إليها تباعا،زرافات ووحداناً، عَلَّهم سينالون شيئا من عليقة أعلافها، ويتناولون منها طعوماً دسمة من بقايا صينية "كيكة" العراق الباقية.
وإذا كانت تلبية واستجابة دول مثل فرنسا وبريطانيا والمانيا وبريطانيا وغيرها جاهزة للانضمام إلى قوى التدخل العسكري الأمريكي في العراق، خاصة، وهي استجابة متوقعة؛ إن لم تكن قد تم الاتفاق عليها مُسبقاً، حتى قبل إعلان الوزير جون كيري لتشكيل هذا التحالف " الدولي".
ولكي يكتمل الكومبارس العسكري والسياسي الدولي لهذا التحالف كان لابد أن يضم عدداً من الدول الصغيرة والكبيرة، القريبة والبعيدة عن العراق إلى هذا التحالف ليتخذ صفة " الدولي" وليعبر من خلاله الأمريكيين لإستحصال قرارات لشرعية ما من مجلس الأمن وتفادي الفيتو الروسي.
في الحرب، كما في الألعاب الالكترونية، هناك أدوات ودول وهيئات ومنظمات ستلعب دور " الميكيات" في أدوار لعبة أفلام الكارتون، حين تنضم تلك الدول إلى جبهة حرب جوية وألكترونية يجري تشكيلها وتشكلها حسب خيارات وأوامر وعلاقات وإمكانيات الولايات المتحدة، حتى أن بعض الدول العربية، وكل الإمارات والمشايخ الخليجية سارعت، بحكم التبعية السياسية لأمريكا، عبر مؤتمر جدة واجتماع الجامعة العربية إلى التطوع الفوري في الحملة دون الدخول في تفاصيل توجهاتها المستقبلية.
وإذا ما اعتبرنا إن الأمر سيكون مرتبا مع إيران، بصيغة تحالف غير معلن بين الولايات المتحدة وإيران، ولكن المفاجئة تأتي من دول ليست لها مع إرهاب داعش لا ناقة ولا بعير ولا حتى كنغر ضاع عن قطيعه البري، مثل مسارعة رئيس الوزراء الاسترالي طوني أبوت بإعلانه يوم الأحد الماضي عن استعداد بلاده لإرسال 600 جندي وطائرات للمشاركة في هذا التحالف العسكري الدولي ضد تنظيم "داعش" في العراق، "مؤكدا: أن"المساهمات الاسترالية التي ستتوجه إلى دولة الإمارات العربية المتحدة لن تشمل قوات لخوض معارك برية". وقد وصلت هذه القوات فعلاً اليوم الأربعاء المصادف 24 سبتمبر/ أيلول، وسبق ذلك وصول وزير الدفاع الأسترالي ديفيد جونستون الاثنين الماضي إلى بغداد معلناً: ( إن طائرات بلاده المقاتلة "ستلعب دورا" في حملة الضربات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة على مواقع تنظيم "داعش" الإرهابي في العراق).
لقد أضاف جونستون في تصريح صحفي له أن: "زهاء ثماني مقاتلات من طراز سوبر هورنيت ستشارك في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لتنفيذ ضربات جوية بهدف تقويض عصابات التنظيم الإرهابي وتعطيلها وتدميرها في نهاية المطاف". وأشار وزير الدفاع الاسترالي عقب اجتماع مع رئيس الوزراء حيدر العبادي إن: "القوات الخاصة الاسترالية ستلعب دورا استشاريا للقوات العراقية". وعندما سُئل عن المستشارين العسكريين الأستراليين؟ قال وزير الدفاع الاسترالي: (إن قوات بلاده الخاصة "ستساعد في الدعم اللوجستي للقوات العراقية")، وما قلناه هنا عن استراليا يتطابق مع ألمانيا وتركيا في التشبث بلافتة " تقديم الدعم الإنساني" للنازحين والمهجرين .
المشترك في تصريحات كل هؤلاء، شرقاً وغرباً، إنهم ظلوا حريصين، كما هي تصريحات قادة قوات الولايات المتحدة ورئيسها على تأكيد المشاركة من الجو فقط، أو تقديم الاستشارات على خرائط ومسطحات الرمل لبقايا جيش المالكي والتشكيلات العسكرية المطلوب تشكيلها كالحرس الوطني، داخل مقرات القيادة والثكنات والمعسكرات الجديدة، وكأن الحرب في العراق، وسوريا، هذه المرة مجرد نزهات وطلعات جوية يتسلى فيها الطيارون بمختلف أصناف الطائرات للصيد البري لهؤلاء "الدواعش"، وكما تعبر عن ذلك صور وأفلام بدأت تسربها مصالح الاعلام للولايات المتحدة والحكومة العراقية إلى تغذية الإعلام المحلي والدولي المجند في الحملة والغزوة الجديدة.
من الطريف أن في كل حرب أمريكية تُشن على العراق تزامنها حملة إعلامية مُضخمة ضد أحد الجوائح الفيروسية والمرضية ، فقد شهد العالم في الحرب السابقة 1991 و 2003 حرباً نفسية، كان العالم مرعوباً بخطر إنتشار جرثومة الجمرة الخبيئة " الانتراكس "، وهذه المرة فهو الآن مرعوب من إجتياحات وخطر إنتقال فيروس " إيبولا" وخطر إنتشار الدواعش، خاصة من ذوي الجنسيات الأوربية والأمريكية عند عودتهم الى بلدانهم.
العالم يدق، من خلال الإعلام الأمريكي، وتوابعه ناقوس الحرب الكونية الثالثة، انطلاقا من ارض العراق وأجوائه ، فحتى الجبهة المناهضة للفاشية والنازية في الحرب العالمية الثانية لم يُسجل لها مثل هذا الإعلام والتحشيد بمثل هذه التعبئة السياسية الجارية لتبشيع الخصم المستهدف وتضخيم أخطاره مُشَخّصاً في " داعش" بتجنيد شرور أفعالها التي نسبت اليها في الموصل.
هل كُتب علينا أن نصدق بما يُطرح علينا وعلى العالم ونسكت عن استغفال عقولنا ومدركاتنا الحسية والمنطقية؟، وهل يتوجب علينا أن نسير مع بقية القطعان الضالة ونتغافل عن تمرير المخطط الأمريكي في عودته العسكرية الثانية لإتمام غزو العراق بالقصف من الجو وإطلاق صواريخ التوماهوك البعيدة المدى منطلقة من على ظهر السفن الحربية خارقة أجواء أكثر من بلد، وهل نسكت ونحن نلمس على المباشر محاولات الأمريكيين من جديد لتثبيت المرتكزات السياسية لسلطة العملاء على الأرض بالتعاون والتنسيق الأمريكي السري والعلني مع حكومة إيران، وعن التغافل عن محاولات تثبيت أقدام الحكومة الطائفية الجديدة برئاسة حيدر العبادي، التي جمعت من جديد كل تلاميذ السفراء بول بريمر ونيغروبونتي وخليل زاده، وهم من أرذل حثالات العملاء في العراق في العشرية الأخيرة، ممن تجندوا في خدمة الاحتلال الأمريكي وبعده النفوذ الإيراني؟؟.
حكاية التعبئة على "داعش" تذكرني بحقيقة ورواية قرأت عنها في بداية الستينيات من القرن الماضي، صادفت صحفيا بريطانيا ذهب ليغطي أخبار الأوضاع المضطربة في محمية عدن جنوب اليمن ، المستعمرة البريطانية آنذاك. كانت بريطانيا من خلال هيئة الإذاعة البريطانية، بكل لغات بثها، تُبشع صورة ثوار جبهة تحرير اليمن الجنوبي وتصفهم بنعوت الشرور فهم في مصطلحاتها : الثوار الماويون او الماركسيون او الشيوعيون... الخ.، وكانت الحملة البريطانية والرجعية العربية تحاول أن توحي لأوربا والعالم: إن خطرا جديدا سيغزو العالم قادما من جنوب اليمن بسبب تصاعد نشاط هؤلاء الثوار اليمنيين وافكارهم الخطرة، فهم حسب تلك الحملة الاعلامية، الذين سيغلقون كل المضايق البحرية في باب المندب وخليج عمان، وم من سيقطعون إمدادات النفط عن العالم، وهم من سيتحكمون بالمرور في البحر العربي والبحر الأحمر وحتى المحيط الهندي وسيشلون مرور السفن والتجارة من خلال قناة السويس.
ذهب ذلك الصحفي البريطاني، وهو يحمل فضوله وأسئلته واضطرابه، فوجد نفسه عند خطوط التماس في ميناء عدن، كانت التعليمات العسكرية البريطانية الصارمة تمنعه من قبل الإدارة العسكرية البريطانية من تجاوز حدود مدينة عدن، بحجة الحفاظ على حياته وعلى الأسرار العسكرية في المستعمرة، ضاق صبره بعد انتظار في عدن،وقرر المغامرة في التسلل الى الجهة الخطرة المزعومة، لكنه لم يكتشف مثل ذلك الخطر الذي تروج له وسائط الإعلام والصحافة والإذاعة البريطانية، حينها قرر المغامرة والتسلل إلى حيث كان تواجد الثوار اليمنيين الجنوبيين في محيط عدن، وعندما وصل، كانت دهشته أكبر حين استقبلوه بحفاوة وبود، فعاش معهم أياما، امتدت إلى عدة أشهر، عاد بعدها الى بريطانيا ليعلن الحقيقة التي تعلمها وعاشها ناك ومن خلال من حواراته مع أهل اليمن وعشائره وحتى ثواره وقادتهم التي كانت متمثلة بالجبهة الوطنية والجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني.
عاد الصحفي البريطاني فكتب معلنا سخريته من الاعلام البريطاني والدعاية الرائجة آنذاك. قال وهو تحت القسم انه : ( ... اكتشف أن الثوار الذين كانوا يحملون بنادقهم ضد قوات الإحتلال البريطاني، والذين كانوا متهمين من قبل الدوائر السياسية والإعلامية البريطانية والغربية بشتى الأفعال المشينة والأخطار على العالم، وانهم كانوا يُنعتون بكل التهم الخطرة في الإعلام البريطاني والغربي من تهمة الشيوعية والماوية والماركسية واليسارية... الخ. كانوا في الحقيقة،أُناس عاديون وتلقائيون، وكما عايشهم، وهم كنوا لا يعرفون أيضاً ، "إن كان كارل ماركس هو صنف من أصناف الدجاج الغربي الداجن، أو إن كان فردريك انجلز هو الآخر من صنف الأبقار الحلوبة في بلد آخر، أو هم نوعاً من أسماء الاسماك البحرية في خلجان أخرى ، أو أن كل تلك الأسماء التي سألهم عنها في استجواباته عائدة إلى ماركات السيارات الغربية... ؟).
واليوم تتكرر حكاية ثوار عدن مع روايات وحكاية عن "داعش" ، ورغم اختلاف قواها وتوجهاتها وفتراتها التاريخية وتوجهاتها اليوم، لكنها تتماثل في كثير من جوانبها في ما يطرحه الإعلام والدوائر السياسية الغربية والأمريكية خاصة في حملاتها من اجل تبرير هذا التحالف.
ربما سيصحو إعلامي غربي آخر ليكتب لنا يوما عن عمليات وغارات مشوقه في هذه الحرب الجديدة، ربما سيكتب آخر عن صيد لطيور وكائنات داجنة في العراق بواسطة طائرات الفانتوم والشبح والميراج، وربما سيتحدث كاتب آخر عن مهام تلك الطائرات الحربية التي تجتاح على مدى ساعات النهار والليل الاجواء العربية، انطلاقاً من مطارات سواحل الخليج العربي الى مدن وأرياف شمال العراق أو انها كانت مكلفة بمهمات الصيد البري لـ "الدواعش" وغيرهم.
وربما سيشير صحفي آخر إلى أن مهمات القوات الاسترالية في العراق جاءت لتصطاد الكنغر الاسترالي البري الشارد في سفوح جبل سنجار وبوادي دير الزور والرقة. أما طائرات الدول العربية وخاصة طيران الخليج العسكري، فلا شك أنها كانت تفتش عن أوكار الصقور في جبال العراق التي يحب إقتنائها بعض الشيوخ والامراء لضمها الى مقتنياتهم التراثية حية أو ميتة.
فعلا لكل حرب غبية وغامضة مبرراتها، فالجزائر احتلت 132 عاما وتركت حروب الاستعمار الفرنسي ملايين الضحايا ومئات المجازر، لكن الكتابات الاستعمارية الفرنسية لا زالت تكرر حكاية المروحة التي قذف بها أحد الدايات الاتراك وجه القنصل الفرنسي الذي كان يتهرب من ايفاء ديون الجزائر على فرنسا.
ان قصص الغزو واحدة ودواعشها متكررون وحكاياتها في الاعلام وسرد الحكايات تكاد ان تتماثل حين يحكي عنها المستعمرون وكتابهم في تبرير أسباب الحرب والغزو والاحتلال في كل مرة.
وللموضوع صلة بما يجري من أحداث في المنطقة.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا