>

أهل الكيف - د.هبة عبدالعزيز

أهل الكيف
د.هبة عبدالعزيز

نشرت جريدة الأهرام موضوعا شائكا عن إحدى المصالح الحكومية، فطلب المدير العام لهذه المصلحة من الموظف أنيس كتابة تقرير عما نشر وبدأ فى كتابة التقرير فيما لا يتعدى سطرا، لأن حبر القلم قد جف واستمر فى الكتابة بلا حبر، وحين قدمه لمديره قام بعقابه وخصم يومين من راتبه لأنه أيقن أنه مسطول.. وكان أنيس هو الفنان عماد حمدى فى فيلم «ثرثرة فوق النيل» للأديب العظيم نجيب محفوظ وإخراج حسين كمال.

وختم البطل أنيس الفيلم وهو يمشى وسط شوارع القاهرة بمقولة: فوقواا.. فوقواااا، بعدما قضى وقته مسطولا فى عوامة المساطيل التى هرول صوبها فئات متنوعة من المجتمع هروبا من مرارة الواقع عقب نكسة 67.

ورأيت أننا فى أمس الحاجة الآن إلى مثل هذه الصيحة المدوية فربما توقظ أهل الكيف! وبعد هذا الكم الهائل من الحوادث والأخطاء التى أودت بحياة الكثير من الأبرياء قررت حكومتنا الغراء أن تجرى اختبارا للكشف عن المخدرات لكل موظفى الدولة! وهذا قرار يشار إليه بالامتنان ولكن هل درس القائمون عليه عواقبه؟ وهل يتفق هذا مع حقوق الإنسان! أن يتم فصل كل موظف حال ثبوت الإدمان عليه، وهذا لايعنى مطلقا أننى ضد هذا القرار، إنما أراه بلا دراسة وافية، فالأجدى أن يخضع كل متقدم إلى وظيفة ما لتحليل مخدرات وكل طالب متقدم للجامعة، أما من يثبت عليه الإدمان فعلى الحكومة علاجه أولا على نفقتها كما تفعل الدول المتقدمة ثم إنذاره وإذا ارتد يتم فصله.

لكن مع تفشى الحشيش والمخدرات المصنعة بهذه الصورة سوف يتم فصل أعداد غفيرة من الموظفين وبالتإلى سوف ترتفع أعداد البطالة ثم الطلاق والعنوسة والعنف والسرقة والتحرش وخلافه وهو ما يؤسس لصناعة الجرائم المجتمعية، ومن قال إن الموظف بعدما يتم فصله سوف يتوقف عن تعاطى المخدرات؟ إذن فما هو الهدف الأساسى من هذه الحملة وكان من الأجدى أن يتم التعامل مع جالبيها وصانعيها والمتجارين بها من المنبع وتغليظ العقوبات عليهم.

وعلى سبيل التذكير فقد عالج الأسطورة سيد درويش حالة تفشى المخدرات عقب ثورة 19 بحكمة بالغة حين وصف أهل الكيف بـ «التحفجية» أهل اللطافة والمفهومية وختم أغنيته بـ: وأقول لك الحق.. يوم ما نلاقى بلادنا طبت فى أى زنقة.. يحرم علينا شربك يا جوزة.. روحى وانت طالقة مالكيش عوزة..دى مصر عايزة جماعة فايقين، فقد وصف أحوال الحشاشين حينها بمنتهى السخرية التى تخجل من يسمعها فينفر منها ثم وضعهم أمام وطنيتهم فى نهاية المطاف لأن مصر محتاجة لسواعد ولادها الأساطين وليس المساطيل.

وبدلا عن جرعات الفن الهابط القائم على أدخنة البطل والراقصات الجدد يمكن للحكومة أن تصنع أعمالا درامية تخدم حملتها المهمة ضد المخدرات، أو تقديم برنامج يوضح نتائج الإدمان القاتلة التى تنهى حياة الفرد وأسرته من واقع الحياة وهناك الكثير من الأفكار الإيجابية بعيدا عن سيف الفصل الذى سيطعن المجتمع دون أن يداويه.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا