>

أمريكا وإيران والحاجة لتغيير قواعد اللعبة - د.أشرف محمد كشك

أمريكا وإيران والحاجة لتغيير قواعد اللعبة
د.أشرف محمد كشك

كانت ولا تزال - دول الخليج لديها حرص بالغ علي تسوية الأزمات الإقليمية بالطرق السلمية ومن بينها أزمة البرنامج النووي الإيراني، فالمتتبع للتصريحات الخليجية الرسمية التي تزامنت مع توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة ال5+1 في يوليو2015 يجد أنها كانت تتضمن ترحيباً بتوقيع ذلك الاتفاق بيد أنه مشوباً بالحذر ليس بالنظر إلي مضامين الاتفاق ذاته وإنما للخبرة التراكمية لدي دول الخليج بالسياسات الإيرانية وأهدافها، ومجمل تلك المخاوف أن إيران سوف تستخدم ذلك الاتفاق كمظلة قانونية لمأسسة سياساتها الإقليمية وللولوج إلي العالم الخارجي، وأنه بدون الحد من الأنشطة الإيرانية التي تزعزع الأمن والاستقرار الإقليمي الذي لا ينفصل عن الأمن العالمي فإن الاتفاق النووي لن يحد من تنفيذ المشروع الإيراني الداعي إلي الهيمنة الإقليمية.

والآن وبعد مرور عامين علي توقيع ذلك الاتفاق فإن الرؤية الخليجية قد صدقت صحتها ابتداءً بإطلاق إيران صاروخاً بإمكانه حمل قم اصطناعي وأن بإمكانه حمل رؤوس نووية كنوع من استعراض مظاهر القوة التي لاتتنافي فقط مع مبادئ حسن الجوار بل أيضاً مع المواثيق الدولية في هذا الشأن ومروراً بتهديد إيران باستئناف تخصيب اليورانيوم بنسبة 20بالمئة وإعادة تأهيل منشأتي آراك وفردو وهما أهم منشآتين تعهدت إيران بإعادة تصميمهما وفقاً للاتفاق النووي، بل وتصريح مستشار المرشد الأعلي للشئون الدولية علي أكبر ولاياتي أن إيران (يمكنها القيام بخطوات تظهر قوتها المتنامية علي الصعيد النووي من دون أن تنتهك الاتفاق)، والتهديد بإلغاء الاتفاق النووي ذاته، وانتهاءً باستمرار التدخلات الإيرانية في شؤون دول الجوار.

صحيح أن التطورات الإقليمية والدولية قد أتاحت لإيران الفرصة لممارسة مظاهر استعراض القوة سواء من حيث احتدام الأزمة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، فضلاً عن هدف إيران تعمد التصعيد قبيل مراجعة العقوبات من جانب الإدارة الأمريكية تجاه إيران في أكتوبر القادم وفقاً للاتفاق النووي، بالإضافة إلي الأزمة الخليجية وحالة عدم الاستقرار الراهنة في دول الجوار الإقليمي وهي جميعها ظروف أتاحت لإيران ما يمكن أن يطلق عليه (التصعيد المحسوب)، حتي أن روحاني قدر نجاح خطة حكومته الجديدة بنجاح الاتفاق النووي، لكن هل ستغير الولايات المتحدة قواعد اللعبة تجاه إيران، وما هي خيارات الدول الخليجية في هذا الشأن علي الأقل خلال المرحلة المقبلة؟

ولا تخلو الإجابة عن هذين التساؤلين من تعقيد بقدر تعقيد المشهد الإقليمي ذاته، إلا أنه من بين ملامح سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة حتي الآن محاولة طمأنة الجانب الخليجي والعربي بأنه لا خلاف بين فريق ترامب بشأن ضرورة التشدد تجاه السياسات الإيرانية إلا أن ذلك التشدد ربما لن يكون سوي من خلال آلية العقوبات ،ولكن ذلك لن يبدد تلك المخاوف بالنظر إلي أن تلك الآلية لم تثبت جدواها عبر التاريخ تجاه حالات أخري عديدة، وربما اتخذت الولايات المتحدة خطوة أكثر تشدداً تجاه إيران حينما تقدمت بطلب إلي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن تفتيش المواقع العسكرية الإيرانية إلا أنه يجب أن يكون لدي الإدارة الأمريكية خيارات لردع إيران والحد من قدرتها علي المناورة،وخاصة أن هناك إجماع بين مؤسسات الحكم الأمريكية علي مدي الخطر الذي تمثله إيران ليس أقله تقرير الإرهاب السنوي الذي تصدره وزارة الخارجية الأمريكية والذي صدر في يوليو الماضي. ويعني ما سبق أن الإدارة الأمريكية الجديدة مدعوة الآن وقبل أي وقت مضي لتغيير قواعد اللعبة لردع إيران عن توسعها الإقليمي،بما يتجاوز المسألة النووية والتي تعمل إيران علي اختزال علاقتها الإقليمية والدولية ضمن البعد النووي، وربما يكون خيار تأسيس تحالف إقليمي أحد الخيارات المهمة.ومع أهمية تطور العلاقات الخليجية- الأمريكية في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة فإن دول الخليج ضمن جهودها لمواجهة المشروع الإقليمي لإيران يتعين عليها العمل وفق خيارات متوازية أولها:علي المستوي الدبلوماسي بحيث تكون هناك خطة خليجية- عربية لإثارة التهديدات الإيرانية ضمن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال شهر سبتمبر، وثانيها: العمل علي اختراق الدائرة الدولية التي تتحرك إيران من خلالها وتتيح لها قدراً من المناورة ومنها الساحة الأمريكية في ظل نشاط اللوبي الإيراني هناك والذي كان أحد أسباب إقرار الكونجرس لقانون مقاضاة الدول أمام المحاكم الأمريكية والمعروف باسم جاستا وثالثها: تفعيل مجموعة العمل المشتركة بين الولايات المتحدة ودول الخليج لمكافحة الإرهاب والتي تأسست عام 2015 ضمن منتدي التعاون الاستراتيجي بين الجانبين، إذ أن نجاح تلك المجموعة في وضع تصنيف موحد للجماعات الإرهابية التي تدعمها إيران من شأنه أن يمثل خطوة نوعية لمواجهة إيران وأذرعها الإقليمية التخريبية وللتأكيد علي أن التهديدات الإيرانية لا تختزل في المسألة النووية.

> مركز البحرين للدراسات
الإستراتيجية والدولية



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا