>

أطردوا الأمريكيين من سيناء - عبد الحليم قنديل

أطردوا الأمريكيين من سيناء
عبد الحليم قنديل

■ ليس بوسع أي قوة في الدنيا، ولا بوسع عصابة مسلحة كـ»داعش»، ولا جماعات إخوان الدواعش، أن يحتل، أو أن يسيطر على سنتيمتر واحد من تراب مصر، ولا أن يقيم عليه إمارة أو خلافة بائسة تزور الإسلام وتلوث قداسة مصر.
ولا أحد يتخيل أن تكون نتيجة أي صدام مسلح في سيناء مختلفة عما جرى، فقد استطاعت شريحة من الجيش المصري، لا تمثل سوى أقل من واحد بالمئة من قواته، سحق هجوم جحافل الدواعش والإخوان، وهم المدعومون بالسلاح والمليارات من قوى إقليمية ودولية معروفة، وقضت عليهم طلائع الجيش المصري في لمحة عين.
ولو افترضنا جدلا، أن الذين هاجموا كانوا ألف ضعف في العدد والعدة، وأنه جرى تزويدهم بأحدث أسلحة العصر وتقنياته، فلن تكون النهايات مختلفة أبدا، ليس فقط لأن الجيش المصري هو خير أجناد الأرض، وليس لأنهم «الجند الغربي» الممدوح والموصى به من الرسول صلى الله عليه وسلم، بل لأن الجيش المصري واحد من أقوى جيوش العالم، ولديه مدد لا ينفد من ملايين المصريين في سن التعبئة والتجنيد الوطني العام، وعدد ضباطه وجنوده أكثر من عدد سكان دول بكاملها في المنطقة، وشهد تسليحه قفزات نوعية هائلة، وأعيد تنظيمه بأكفأ الطرق بعد هزيمة 1967، ونجح في تعبئة مليون جندي تحت السلاح في حرب أكتوبر 1973، وجرت عليه صحوة كبرى في السنوات الأخيرة، وحدثت تطورات فارقة في موارد السلاح وفي صناعة السلاح، جعلت الجيش مستعدا لمجابهة المخاطر العظمى، فما بالك بمخاطر أقل من نوع المعارك ضد جماعات الإرهابيين، وهي معارك صغرى، رغم كونها تنتمي إلى صنف الحروب غير النظامية، التي أعد لها الجيش فرقا خاصة على مستوى رفيع، حملت اسم «قوات التدخل السريع»، فوق الدور المرموق لقوات النخبة وقوات الصاعقة المصرية، وهي القادرة على الفتك بكل خطر يهدد مصر، مع الاستعداد المعنوي الهائل للتضحية، وسلامة العقيدة القتالية الوطنية، بعراقة تقاليدها ومبادئها الأخلاقية، التي لا تورط الجيش المصري في حروب ضد أبرياء مسالمين، بل تعصف نيرانه بالخطر وحده، واعية بأن الخطر الأكبر على مصر يأتي دائما من الشرق، وأن حرب سيناء الجارية في جوهرها حرب تحرير وطنية، لا تواجه الإرهابيين كخطر منفصل، بل كطليعة للخطر الإسرائيلي الأصلي الرابض عند حدودها في فلسطين المحتلة، فوجود كيان الاغتصاب الإسرائيلي في ذاته خطر على الوجود المصري في ذاته، وأيا ما كانت تصرفات السياسة وظواهرها المعلنة.
نعم، لسنا بصدد قوة سلاح فارغة من المعنى، بل بصدد جيش هو المدرسة المتقدمة للوطنية المصرية، التي تمزج في تكوينها بسلاسة بين الوطنية الذاتية والقومية العربية والإسلام الحضاري، فهذه هي سبيكة مصر الخالصة ممثلة في جيشها، الذي لا يعتز فقط بقوته، ولا بضراوة نيرانه، ولا بالتدريب الراقي الدقيق في إصاباته القاتلة لمواضع الخطر، بل اعتزاز الجيش المصري، قبل قوته وكفاءته وبعدها، يتصل بمعنى آخر، هو صلته الوجدانية والتاريخية والتكوينية العميقة بالشعب المصري، فهو أعظم جيوش العالم شعبية بين أهله وناسه، هو جيش الشعب المصري المتجانس ثقافيا ووطنيا، وليس جيشا لأي حاكم، ولا لأي جماعة حكم، وقد أعاد القائد جمال عبد الناصر بناءه على صورته الحديثة المعاصرة بعد محنة 1967، وعلى أسس احترافية وبعقيدة وطنية صلبة، تجعل ولاء الجيش الأول لمصر وأهلها وترابها المقدس، وتجعله يعتصم بالشعب وإرادته الغلابة، وينتصر دائما لثورات الشعب، ويعصم البلد من أي انزلاق إلى صدام أهلي، فمصر ليست بلدا لحروب أهلية، ووحدة مصر التاريخية والجغرافية والسكانية عصية على التفكيك، فقد وجدت مصر وتوحدت كدولة منذ آلاف السنين، وصارت كقبضة يد لا تنفك أصابعها، وهكذا ستظل، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
الجيش المصري ـ إذن ـ ليس كيانا منفصلا عن مجموع الشعب المصري، ومعاركه لا تدور في فراغ، وقد يخطئ أحد في الجيش، أو يقصر في واجبه الميداني، أو يسهو عن تطوير القدرات المطلوبة في معارك من نوع مختلف، كالحروب ضد الإرهاب، وهي حروب تحتاج أول ما تحتاج إلى المعلومات أولا، وتعتمد على دقة المعرفة وكفاءة التوقع والإنذار المبكر والإجهاض المسبق، قد يخطئ أحدهم أو يقصر، لكن الجيش المصري كيان مادي ومعنوي فائق الصلابة، وقادر دائما على استيعاب الدروس وأخذ العظات، وعلى سد الثغرات، فقد جرت عملية إعادة بناء الجيش الحديث على أساس من استيعاب خبرات وخيبات ما جرى في هزيمة 1967، ويعرف الجيش أن الخبرة أساس التفوق، وأن بناء خطط جديدة هو أساس التطور والنصر، ثم أنه ـ أي جيشنا العظيم ـ يعرف قبل ذلك وبعده، «كفاءة الدم» وشرف الشهادة، وهو ما يمكنه من تجاوز المصاعب مهما استحكمت، وتقديم بطولات تثري زاده المعنوي الهائل، ومن نوع بطولة الجندي الشهيد عبد الرحمن «صائد الإرهابيين»، الذي قتل 12 «داعشيا» بيده الجريحة، وهي بطولة تستدعى من الذاكرة بطولة الجندي عبد العاطي «صائد الدبابات» الإسرائيلية في حرب أكتوبر 1973، فبوسع الجيش المصري دائما أن يفاجئ وأن يدهش، وأن يصوغ المثال الرفيع لشرف العسكرية الوطنية وكفاءتها المذهلة، وأن يقدم لحياة المصريين المعاصرين أوثق رابطة وطنية، تجمعهم على حبل الله والوطن، فلا يتفرقون ولا يفزعون أبدا.
والجيش المصري ليس في مجرد معركة مع جماعات إرهاب وحشي بشرق سيناء، بل المعركة أوسع نطاقا وأغزر معنى، فالجيش المصري يصل ما انقطع مع حرب أكتوبر 1973، التي حقق فيها نصرا عزيزا مقتدرا، ثم خانت السياسة نصر السلاح، وانقلب الذين «هبروا» على الذين عبروا، وتدهورت أحوال مصر، ودخلت في انحطاط تاريخي طويل على مدى أربعين سنة، خرجت من نفقه المظلم بثورة 25 يناير 2011 وموجتها الأعظم في 30 يونيو 2013، نزعت مصرعنها أكفانها، وفتحت عينها على هول ما أصابها، وراحت تستعيد سيادة قرارها الوطني، وتدرك أن نزع سيادة قرار السياسة بدأ مع نزع سيادة السلاح في سيناء، فقد كانت سيناء منزوعة السلاح إلى عمق 150 كيلومترا من خط الحدود المصرية ـ الفلسطينية التاريخية، وكانت قوات الجيش المصري محجوزة إلى ما وراء 59 كيلومترا شرق قناة السويس، وفي المنطقة المسماة (أ) طبقا لملاحق ما تسمى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، فقد عبر ثمانون ألف جندي مصري إلى سيناء في حرب 1973، وعبرت معهم ألف دبابة، ثم جرى اختصار الرقم بعد المعاهدة المشؤومة إلى 22 ألف جندي فقط لا غير، وحجز وجودهم في المنطقة (أ)، وحرمان مصر من إنشاء مطارات وموانئ حربية في سيناء كلها، ووضع أربع كتائب حرس حدود لا غير في المنطقة (ب)، والممتدة بعرض 109 كيلومترات في وسط سيناء، وحرمان قواتنا بالكامل من الوجود في المنطقة (ج)، وتشمل شرق سيناء بعرض 33 كيلومترا، وقد صارت هذه الترتيبات المهينة كلها شيئا من الماضي، فقد دهس الجيش المصري مناطق نزع السلاح، وتقدم الجيش بقواته ودباباته وطائراته إلى ملامسة حدودنا مع فلسطين المحتلة من جديد، وفرض أمرا واقعا يحدث لأول مرة منذ ما قبل هزيمة 1967، أي أن الجيش المصري يوجد بكثافة في شرق سيناء لأول مرة منذ قرابة الخمسين سنة، وهو ما يعني استعادة حقيقية لا اسمية لسيناء، ويفسر ضراوة المعارك التي تجري هناك، فقد ظلت سيناء خارج السيادة المصرية الفعلية لعقود، وتكاثرت فيها قوى إرهاب وإجرام وتجارة أنفاق وتجارة بشر ومخدرات وعملاء لمخابرات الدنيا كلها، ولعب «جهاز المخابرات الإسرائيلية» (الموساد) دوره في تجنيد جماعات من المصريين والفلسطينيين الضالين، وتعززت قوى الشر المجتمعة بفوائض المليارات المجلوبة من أنشطة تجري خارج معنى القانون وخارج معنى الدولة، وهو ما يلقي ضوءا جديدا على ما يجري في الشرق الآن، فجماعات الإرهاب تحارب الجيش المصري بالوكالة عن إسرائيل، التي تعرضت للخديعة الاستراتيجية من صانع القرار المصري بعد 30 يونيو 2013، الذي يطالب الآن بتعديل المعاهدة بعد فرض الأمر الواقع الجديد، فلن تعود سيناء منزوعة السلاح بعد الآن، ولن تعود قواتنا الزاحفة إلى سيناء، التي تحررها بشرف الدم وقداسة الشهادة، وفي حرب تحرير وطنية، قد يصح أن ننتبه لطبيعة الأعداء فيها، ففلسطين ليست عدوة مصر، بل إسرائيل، وفلسطين قضية وطنية مصرية، والدعم اللوجستي الذي تحصل عليه جماعات الإرهاب لا يأتي فقط من بقية أنفاق لم تغلق، بل من حليف فعلي لإسرائيل موجود على أرض سيناء، وفي شرقها بالذات، ومن آثام المعاهدة المشؤومة، وهو ما يعرف شعبيا باسم القوات الدولية، ورسميا بذوي القبعات البرتقالية أو القوات والمراقبين متعددي الجنسيات MFO، وهي عناصر مراقبة مسلحة متعددة الجنسيات، تبلغ في مجموعها نحو 1680 فردا، غالبيتهم من دول حلف شمال الأطلنطي، و40٪ بينهم من الأمريكيين، وقيادتهم معقودة دائما لضابط أمريكي، ووظيفتهم كانت مراقبة مناطق نزع السلاح وحركة القوات المصرية، وقد تحولت معسكراتهم ونقاطهم في «الجورة» وغيرها، وتصل في مجموعها إلى 30 نقطة مراقبة، إلى مراكز تجسس وحماية وإيواء ورعاية لجماعات الإرهاب في قرى جنوب «الشيخ زويد» بالذات، ولا تستطيع القوات المصرية تفتيش ولا قصف هذه النقاط الأجنبية، فوجودها محمي ومحصن بنصوص المعاهدة المشؤومة، وقد انتهى دور هذه العناصر المتفق عليه بعد إلغاء مناطق نزع السلاح عمليا، وآن لمصر أن تتخلص من هذه الأورام السرطانية، وأن تطالب بطرد الأمريكيين من سيناء، فأمريكا هي أم الإرهاب، وهي «داعش» الأخطر من ألف «داعش» مما تعلمون.

٭ كاتب مصري

عبد الحليم قنديل



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا