>

أخطار الفتاوى - د. وحيد عبدالمجيد

أخطار الفتاوى
د. وحيد عبدالمجيد

لا يصح أن يجيب أى شخص عن سؤال إلا إذا كان واثقاً تمام الثقة فى أنه يعرف الموضوع الذى يُسأل فيه، ويستطيع أن يفيد السائل، فما بالنا بمن يتطوع للاجابة على ما لم يسأله أحد عنه. وهذه هى حال بعض من يتخذون الدين حرفة أو تجارة للارتزاق، عبر إصدار فتاوى يوجد بعضها اضطراباً، وأحياناً فوضي، فى قطاعات من المجتمع.

تحاول وزارة الأوقاف ضبط خطبة الجمعة، التى يُسيء بعض الخطباء استغلالها ليس لتمرير رسائل معينة فقط، أو الإساءة إلى فئات فى المجتمع فحسب، بل لإصدار فتاوى لا صلة لها بأصول الدين وصحيحه، وخصوصاً أن معارف كثيرين منهم محدودة، وأحياناً معدومة.

غير أن خطبة الجمعة ليست إلا جزءاً من مشكلة أوسع، بعد أن تكاثرت أعداد من يحترفون إصدار الفتاوي، مستغلين بساطة قطاعا كبيرا من المجتمع، مما يؤدى إلى انسياق كثيرين وراء ما يظنون أنها فتاوى دينية.

وأسهمت ثورة الاتصالات فى تفاقم المشكلة، حيث أصبح فى امكان أى شخص ادعاء أنه من علماء الدين، والحصول على رقم مختصر، وبث إعلانات عبر قنوات فضائية غير مرخصة ومتكاثرة بدورها رغم محاولات جهاز حماية المستهلك، وبعض الجمعيات المدنية، وضع حد لها.

كنت عائداً من الإسكندرية بواسطة القطار، وتصادف أن جلس بالقرب منى رجل فى هيئة شيخ0 وطول فترة الرحلة، لم يتوقف رنين الهاتف. كلما فرغ من الرد على سؤال وإصدار فتوي، جاءه اتصال جديد، وهكذا على مدى أكثر قليلاً من ساعتين.

لم تسمح لى المسافة بيننا بسماع كلامه تفصيلاً بدقة. ولكن ملاحظتى أنه لم يتوقف لحظة فى بداية السؤال للتفكير فيه، ولم يطلب من السائل مرة أن يعطيه مهلة للعودة إلى الأصول وتدقيق الموضوع، ويعيد الاتصال به فى اليوم التالى مثلاً.

لقد تحولت الفتاوى إلى بيزنس، وصارت لها سوق واسعة على نحو يسيء إلى الإسلام، ويحط من شأن العلم الديني، ويضلل كثيرين يسيرون بلا تفكير وراء ما يسمعونه، وقد يدفعهم إلى ارتكاب آثام، وربما جرائم فى بعض الأحيان. وسيبقى المجتمع ضحية هذا البيزنس إلى أن نجد سبيلاً لوضع حد له.



شارك اصدقائك


التعليقات (16)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا