>

«الإرهاب» أعلى مراحل الأيديولوجيا! - وفاء محمود

«الإرهاب» أعلى مراحل الأيديولوجيا!
وفاء محمود

تدعو الفلسفة الطاوية فى الصين إلى التخلص من السموم الثلاثة وهى الكراهية والجهل والرغبة، والتمسك بالكنوز الثلاثة وهى الرحمة والتقشف والتواضع، وذلك إذا أراد الإنسان أن يعيش فى سلام وسعادة مع «الطاو»، وهى المبدأ الذى يصدر عنه كل شيء، ولذلك تحولت من تقليد فلسفى إلى تقليد ديني، ولكنها مصدر إلهام لكل البشر الباحثين عن السعادة وتدريب نفسى وسلوكى فى تناول البشر أجمعين، فالسعادة فيها للجميع، عندما يعون معنى الإنسانية!.

لم يخرج من هذه الفلسفات الروحية إرهابى واحد، لأن القاعدة الأخلاقية لها كلما تنامت وتصاعدت لن تخلق إلا مزيدا من الرحمة والتواضع والتقشف، وتتخلص من الكراهية والجهل والرغبة، فمن أين يأتى الإرهاب؟!.

يأتى الإرهاب من غياب القيم الإنسانية، وتصاعد الكراهية والجهل والطمع، وهو ما يحدث مع دينامية الأيديولوجيا، فالأيديولوجيا هى منظومة من الأفكار، تشكل نزعة مضادة للتاريخ، مقاومة للتغيير والتطور، وتبلور نظام فكرى لشكل من أشكال الوعى المزيف، لأنها نسق رمزى يصف الواقع ويلخصه فى آمال وطموحات، ليس بالضرورة كنموذج صحيح أو متكامل، لأنها تعكس بعض الحقائق وتلغى أخري، لتقدم نسقا زائفا لعناصر نفسية أو اجتماعية أو دينية أو عرقية أو سياسية لتكون محورا للوعى الجمعى وتعادى ما عاداها جذريا!.

هذا النسق من المفاهيم، الذى يسعى لتفسير الظواهر الاجتماعية المعقدة، من خلال منطق يبسط الاختيارات ويركزها فى خطوات نهائية إرغامية، تمتلىء بالكراهية للخارجين عن نطاقها وغير المؤمنين بها يتحول فى دينامية تطوره الحتمية إلى الإرهاب، بكل سهولة، سواء إرهابا دينيا أو قوميا عرقيا أوسياسيا فلسفيا أو أى مجموعة منظمة من الأفكار التى تشكل رؤية متماسكة شاملة مغلقة على نفسها لقضية من القضايا.

الأيديولوجيا غير الفكر الفلسفي، فالأولى منغلقة على نفسها، بينما الفكر الإنسانى منفتح وقابل للتغير والتطور مع انفتاح أبواب المعرفة المتدفقة، التى تغير فكره فسلوكه فمكونات الشخصية الإنسانية، ومع الانفتاح القصرى الحادث مع العولمة فالبقاء للأقوى إنسانيا، لمعنى الرحمة والتواضع والتقشف، والأقل كراهية وجهلا وطمعا.

كل الأفكار الإنسانية عندما تتحول من الانفتاح إلى صندوق مغلق على ما فيها أى أيديولوجيا، تصبح قابلة للانفجار فى وقت من الأوقات الصالحة للتفجير، قد تبدو الأيديولوجيا فى مهدها فكرا إنسانيا مسالما يغرى بالاستجابة، ولكن مع تطورها وتناميها يظهر وجهها القبيح، فى التنكر للمبادئ الإنسانية الأساسية، وتجربة حزب الحرية والعدالة التركى نموذج صارخ للأيديولوجيا، عندما تتنكر فى ثوب الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولكنه لم يخدع إلا العرب والمسلمين، الذين أخذتهم عاطفتهم الدينية لاعتبار النموذج الأردوغانى نموذجا إسلاميا حضاريا حديثا، أمكنه التحقق على أرض الواقع، فيما لم تسمح له أوروبا بخداعها أو قبلت بانضمامه للاتحاد الأوروبي، ربما لخبرتها فى دينامية الأيديولوجيا فى تصاعدها نحو الإرهاب، والقمع للمخالفين،.

وجاءت حادثة مسجد النور بنيوزيلندا كمؤشر خطير على دينامية الأيديولوجيا عندما تفضى إلى الإرهاب، فخطورة الأيديولوجيا لا تقتصر على التطرف الديني، ولكن التطرف العنصرى والقومى يفضى إلى نفس النتيجة المأساوية، فوجهت هذه العنصرية الأيديولوجية حرابها إلى المسلمين بعد تفشى (الإسلامو فوبيا)، نتيجة لاستخدام الأيديولوجيا الدينية للإسلام فى الصراعات السياسية، فتم تحويل الدين الإسلامى فى ذهن الكثيرين من فكر دينى منفتح على الاجتهادات والرؤى وتوجيه العواطف الإنسانية نحو الخير، إلى أيديولوجيا مغلقة يتم تجنيد الشباب والمتهورين والمجانين والمتطرفين.. إلخ مع المخابيل الذين تؤويهم تركيا، نحو هذه الأيديولوجيا التى أضرت بالإسلام كدين، والمسلمين كدعاة رحمة وإنسانية، وأصبح الإنترنت كما هو ساحة للمعرفة فهو أيضاأصبح وكرا للتلاعب يعزز الاستقطاب السياسى والكراهية الدينية، فأصبح هناك حروب «للكلمات» لتؤدى لحروب حقيقية فالكلمات غرف الصدى للأيديولوجيا.. ففى البدء كانت الكلمة.. ومازالت!.

وسيظل مكمن البطولة عند رئيسنا (عبدالفتاح السيسي)، هو رفعه راية الحرب على الإرهاب، وتأكيده فى كل مناسبة على خطورة التسامح مع من لا يعرف التسامح، وإعطاء الحرية لأعداء الحرية، وللأسف يحارب على جبهتين، أمام المتطرفين وأبواقهم وأيديولوجيتهم الإرهابية من جهة، وأمام المتلاعبين بهم لتحقيق أهداف سياسية ومكاسب مادية على أرض الصراع من أجل المصالح من جهة أخري، وهى ليست حربا جديدة ولكنها قديمة على مر التاريخ، وقد أفلح من نجا من حبائلها ، وخاب من فتن بها.

وسبق أن غنى (بوب ديلان) المغنى الأمريكى أشهر أغانيه «الله معنا» إبان حرب فيتنام قائلا: فى تاريخنا هجم الكاوبوى وسقط الهنود الحمر وكانت الدولة شابة وقالوا: الله معنا، وفى الحرب الأهلية تسلح جنود الشمال والجنوب وقالوا: الله معنا، وبعد الحرب العالمية بعد أن حرق الألمان 6 ملايين يهودى قالوا: الله معنا، خان يهوذا المسيح وقال: الله معنا.. أنا حائر هل الله معنا أم مع غيرنا!

التعصب والضجيج الديماجوجي، علامة يأس فكري، ووصفة سريعة للتهلكة، بسبب السموم الثلاثة حيث الكراهية والجهل والطمع، ويكمنون فى كل الأيديولوجيات التى تصل فى ديناميتها إلى أعلى مراحلها..الإرهاب.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا