|

التلوث السياسي يحاصر العراق!!/فتحي خطاب- مصر
8/2/2010
القضية التي تقف على هامش الإهتمام العربي : هي متاهات السنوات المقبلة في العراق!!وأتصور وأتمنى أن أكون مخطئاً أن العراق يقف بالكاد على حافة الإنحدار إلى المجهول, إلى قاع البركان, ولن تستطيع لا قوة النار, ولا قوة الأفكار أن تحكم سيطرتها, أو أن تفرض ما تريد, وستجد الأمة نفسها تطل على مشهد عبثي قد تمتد سنواته إلى زمن لا يعلم منتهاه إلا الله, وطالما أن كل ما هو قائم عليه المشهد العراقي الآن تحت مظلة السلطة الأمريكية والتدخل الإيراني, هو فاقد للشرعية وباطل!!
ويمكن القول وبإيجاز غير مخل أن جانباً مهماً ومفصلياً في المأساة العراقية تحت الإحتلال الأمريكي: ان القوى السياسية المتناحرة, والذين يتولون السلطة أو بالتحديد أولئك المكلفين بإدارة السلطة المدنية تحت مظلة الاحتلال, هم أصغر كثيراً من حجم ووزن دولة عربية كبرى في حجم بلاد الرافدين, وبالطبع فإن الذين يلبسون أثواباً أكبر من حجمهم, يتعثرون في خطواتهم وأفكارهم وحتى مطامعهم!!ومشكلة الذين في أحضان الإحتلال وفي زمن الإستعمار القديم والحديث أنهم لا يعرفون قدر أنفسهم, وربما يعرفون ولكن لا يفهمون, أو يفهمون ولكن لا يعقلون, وهكذا يعانون من هشاشة التفكير والتدبير!!
والحاصل في هذا الشأن, أن جماعات السلطة العراقية وهي جماعات لم تستوعب أملاً أو عملاً لا تزال تبرر تدهور الأوضاع الأمنية, وتصدع الأوضاع الاجتماعية, والخلل في البنية والأوضاع الإقتصادية, بتدخل دول الجوار وبتلميحات صريحة لدولة عربية أو أكثر, ومع الفشل أدركت سلطة الإحتلال مؤخراً أن " الأعوان " أصبحوا عبئاً يضاف إلى "الورطة" الأمريكية في العراق, خاصة أنه ليس هناك ما هو أخطر في السياسة الإقليمية والدولية من حالة حرب توقفت من دون نهاية حاسمة, ومن دون توافق بالرضا يستغني عن السلاح, وفي مثل هذه الحالة يصبح الإنفجار وارداً في أي لحظة, وحتى من دون الحاجة إلى أسباب إضافية, لأن الأسباب كامنة داخل الحالة نفسها وفي طبيعتها!! (ملحوظة: رئيس هيئة الأركان الأمريكي حذر يوم الأربعاء 3 / 2 من مغبة عدم تحقيق نصر حاسم في العراق) وتلك نقطة أردت إضافتها بقصد التوضيح..
وهذه الهواجس الأمريكية جعلت رهانهم الأخير على ما يطلقون عليه " العملية السياسية " وقد لعبت ضغوطهم دوراً رئيسياً لإقرار قانون الإنتخابات العراقية الجديد, وبعد شهور من الخلافات والإنقسامات, كانت الرسائل الأمريكية طوال الأسبوع الأول من شهر تشرين ثاني 2009 محددة وصريحة, بأنه لا بد من إقرار القانون في تلك الجلسة الأخيرة لمجلس النواب العراقي, ومما إستدعى تواجد السفير الأمريكي " كريستوفر هيل " في أروقة المجلس, ويتنقل بين مكاتب رؤساء الكتل البرلمانية لحثهم على التصويت والإنتهاء من إقرار قانون الانتخابات, واعتماد الصيغة التوافقية حول مشكلة كركوك التي يريد الأكراد ضمها إلى مقاطعة كردستان.. وفي نفس الوقت كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما, ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون, يتابعان الموقف في واشنطن لحظة بلحظة.. وحتى يتلقى " أوباما " إتصالاً عاجلاً من السفير "هيل " يهنئه بإقرار قانون الانتخاب العراقي!!
ويتفق كبار المسؤولين بالبيت الأبيض على وصف المشهد في لحظات القلق الأمريكي: فوجئنا بالرئيس يبارك إقرار القانون فور التصويت عليه, ومن دون إعطاء الفرصة لنواب شككوا في آلية التصويت, قائلاً: "رغم وجود التحديات, وثقتي بأنه ستكون هناك أيام صعبة, فإن هذه الموافقة تدفع التقدم السياسي الذي يمكن أن يجلب السلام الدائم والوحدة للعراق, وتسمح بانتقال منظم ومسؤول للقوات الأمريكية خارج العراق بحلول أيلول 2011".. وأتصور لم تكن مشاعر الرئيس الأمريكي وفي هذه اللحظة قد تخففت من عبء المعلومات التي تلقاها عن هجمات المقاومة العراقية على قواعد أمريكية في ثلاثة أيام متتالية, في الموصل, وقاعدة مطار بغداد!!
ثم جاءت أزمة استبعاد 522 مرشحاً (من بين 6500 مرشح من ضمنهم 86 حزباً و12 إئتلافاً) وبقرار من هيئة المساءلة والعدالة, وبتهمة الإنتماء سابقاً, أو الترويج لحزب البعث المنحل, أو من كان لهم إنتماء لنظام الحكم قبل سقوط بغداد بالغزو الأنجلو أمريكي.. ولم يكن خافياً على سلطة الإحتلال الأمريكي أن إيران تتبنى أو تقف وراء قرار هيئة المساءلة والتي لا تتمتع بشرعية قانونية أو على الأقل أبدت إرتياحها لقرار الإجتثاث من قوائم الإنتخابات, وفي حين أن الإدارة الأمريكية ومنذ عام 2008 تبحث في إمكانية توازن القوى مع إيران داخل العراق بعودة البعثيين, أو عدم حرمان من كان ينتمي لحزب البعث من المشاركة في العملية السياسية, ودفع سنة العراق لإثبات تواجدهم وتوسيع دائرة مشاركتهم في الحياة السياسية!! ولعله كان واضحاً أن ينتقل نائب الرئيس الأمريكي " جو. بايدن " إلى بغداد حاملاً رسالة للحكومة العراقية بإلغاء قرار الإستبعاد, والبحث عن مخرج للأزمة قبل بدء الإنتخابات التشريعية, وحتى لا يبدو الأمر صريحاً بأنه تعليمات أمريكية حاسمة, وأن تصدر تصريحات بأن العراق يتمسك بسيادته ويرفض التدخل في شؤونه الداخلية من أية جهة!! والشاهد أنه بعد ثلاثة أسابيع تمت إحالة قرار هيئة المساءلة والعدالة إلى هيئة تمييزية شكلها المجلس النيابي وهي بالطبع تتمتع بالشرعية وألغي قرار الاستبعاد كما كان متوقعاً, وعلى أن يؤجل البت في قائمة المستبعدين بعد إجراء الانتخابات.. وإعترض رئيس الحكومة العراقية رافضاً قرار التمييزية, ويستوي هنا الظن والدليل في دوافع أسباب الرفض!!
وفيما أظن أن اعتراض " نوري المالكي " لا يخفي حركة التوازن بين الدور الأمريكي والدور الإيراني في المشهد العراقي.. وإيران موقفها واضح, وهواجسها قائمة, من الماضي القريب ومن كل من ينتمي إليه, وهناك قطاع من القوى الشيعية العراقية الرئيسية تحذر من وجود علاقات لوجستية بين بقايا البعث الصدامي وبين عناصر الإرهاب, وأن هناك مخططاً لدى ساسة كانوا ينتمون لحزب البعث المنحل من أجل تنفيذ إنقلاب عسكري على الحكومة العراقية كما جاء على لسان عادل عبد المهدي نائب الرئيس العراقي ويبقى رجال الإدارة المدنية المحلية (الحكومة) في حيرة بين مغانم و(أفضال) سلطة الاحتلال الأمريكي وهي حاكمة وفاعلة, وبين المشاعر الطائفية والتقارب الفكري والعقائدي والسياسي مع إيران, وأعتقد أن القول الأخير وبالضرورة للإدارة الأمريكية, ولو استدعى الأمر تغيير مواقع الرجال الذين وجدوا فرصتهم مع دخول قوات الإحتلال, خاصة أن سلطة الاحتلال ترصد الإنقسام الشيعي في الانتخابات!! .
باهر/12
 |